; جلسة مع ابن قيم الجوزية | مجلة المجتمع

العنوان جلسة مع ابن قيم الجوزية

الكاتب أبو عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1976

مشاهدات 97

نشر في العدد 282

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 13-يناير-1976

أخي المجاهد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

العبودية هي الغاية التي شمر إليها السالكون وأمها القاصدون ولحظ إليها العاملون وهي مشهد عظيم للداعين المجاهدين، هي الشوق إلى لقاء رب العزة والابتهاج به والفرح والسرور به. 

فتقر به عينه ويسكن إليه قلبه وتطمئن إليه جوارحه ويستولي ذكره على لسان محبة وقلبه. فتصير خطرات المحبة مكان خطرات المعصية وإرادات التقرب إليه ومرضاته مكان إرادة معاصيه ومساخطه، وحركات اللسان والجوارح بالطاعات مكان حركاتها بالمعاصي. قد امتلأ قلبه من محبته ولهج لسانه بذكره وانقادت الجوارح لطاعته، فإن هذه الكسرة الخاصة لها تأثير، عجيب في المحبة لا يعبر عنها. 

أخي الطيب الذكر: 

يحكى عن بعض العارفين أنه قال: 

دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام. فلم أتمكن من الدخول، حتى جئت باب الذل والافتقار. فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه. ولا مزاحم فيه ولا معوق. فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته. فإذا هو- سبحانه- قد أخذ بيدي وأدخلني عليه. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية -رضي الله عنه- يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.. وقال بعض العارفين: لا طريق أقرب إلى الله من العبودية. ولا حجاب أغلظ من الدعوى. ولا ينفع الإعجاب والكبر عمل واجتهاد. والقصد- أخي الحبيب- أن هذه الذلة والكسرة الخاصة تدخله على الله، وترميه على طريق المحبة. فيفتح له منها باب لا يفتح له من غير هذه الطريق. وإن كانت طرق سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبوابًا من المحبة. لكن الذي يفتح منها من طريق الذل والانكسار والافتقار وازدراء النفس، ورؤيتها بعين الضعف والعجز.

 والعيب والنقص والذم، بحيث يشاهدها ضيعة وعجزًا وتفريطًا وذنبًا وخطيئة نوع آخر وفتح آخر، والسالك بهذه الطريق غريب في الناس، وهم في واد وهو في واد، وهي تسمى طريق الطير، يسبق النائم فيها على فراشه السعاة فيصبح وقد قطع الطريق وسبق الركب وهذا الذي حصل له من آثار محبة الله له، وفرحه بتوبة عبده فإنه- سبحانه- يحب التوابين ويفرح بتوبتهم أعظم فرح وأكمله. 

فكلما طالع العبد من ربه -سبحانه- عليه قبل الذنب، وفي حالة مواقعته وبعده، وبره به وحلمه عنه وإحسانه إليه: هاجت من قلبه لواعج محبته والشوق إلى لقائه فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها. وأي إحسان نظام أعظم من إحسان من يبارز الصبر بالمعاصي، وهو يمده بنعمه، ويعامله بألطافه، ويسبل عليه ستره. ويحفظه خطفات أعدائه المترقبين له أدنى عثرة ينالون منه بها بغيتهم ويردهم عنه. ويحول بينهم وبينه؟ وهو في ذلك كله بعينه، يراه ويطلع عليه. فالسماء تستأذن ربها أن تحصبه والأرض تستأذنه أن تخف به والبحر يستأذن أن يغرقه كما في مسند الإمام أحمد عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: «ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه: أن يغرق ابن آدم والملائكة تستأذنه: أن تعاجله وتهلكه والرب -تعالى- يقول: دعوا عبدي. فأنا أعلم به، إذ أنشأته من الأرض. إن كان عبدكم فشأنكم به وإن كان عبدي فمني وإلي. عبدي وعزتي وجلالي إن أتاني ليلًا قبلته وإن أتاني نهارًا قبلته وإن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا وإن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا وإن مشى إلي هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له وإن استقالني أقلته وإن تاب إلي تبت عليه. من أعظم مني جودًا وكرمًا وأنا الجواد الكريم؟ عبيدي يبيتون يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم في مضاجعهم وأحرسهم على فرشهم من أقبل إلي تلقيته من بعيد ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد. ومن أراد مرادي أردت ما يريد أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل کرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي. إن تابوا إلي فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب».

اخي العزيز وختامًا أتضرع إلى المولى عز وجل أن يتغمدنا برحمته الواسعة التي وسعت كل شيء وأن يغفر لنا زلاتنا وأخطاءنا وأن يسبغ علينا نعمة العبودية والمحبة إنه على كل شيء قدير. 

وإلى رسالة قادمة إن شاء الله -تعالى- والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم في الله

ابن قيم الجوزية 

مدارج السالكين- ا ص ٤٣٠-٤٣٣

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

125

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 36

125

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

ساعة مع وزير العدل..

نشر في العدد 1211

74

الثلاثاء 06-أغسطس-1996

هل نحن رجال حول الإسلام؟!