; هل تدفع الثورات العربية إلى مصالحة بين المغرب والجزائر؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تدفع الثورات العربية إلى مصالحة بين المغرب والجزائر؟

الكاتب إبراهيم الخشباني

تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2011

مشاهدات 53

نشر في العدد 1966

نشر في الصفحة 16

السبت 20-أغسطس-2011

  • الظرف الحالي يجعل كل الأنظمة العربية أهدافا لثورات شعبية... ويفقدها أي مصداقية تجاه الغرب
  • « ربيع العرب » لم يشهد أي دور ل القاعدة ، التي ظلت فزاعة تبرر ممارسات الأنظمة الحاكمة
  • الجزائر ظلت تصم آذانها عن كل نداء بإعادة فتح الحدود .. وتضع أمام ذلك شروطاً تعجيزية

هناك إشارات خلال الأسابيع الأخيرة جعلت العديد من الملاحظين يميلون إلى الاعتقاد بقرب فتح الحدود البرية الجزائرية - المغربية المغلقة منذ نحو ١٧ عاما .. ففي أغسطس ١٩٩٤م، شهد المغرب الأول مرة عملا إرهابيا ، استهدف أحد الفنادق الراقية بمدينة مراكش » وذهب ضحيته سائحان إسبانيان ولكون الفاعلين الذين تم اعتقالهم جزائريين في أغلبهم، قرر المغرب فرض التأشيرة على المواطنين الجزائريين كإجراء مؤقت واحترازي وقد اعترف مؤخراً ضابط المخابرات الجزائري الذي قام بالتنسيق للعملية بأنها كانت مدبرة من طرف جهازه وردت السلطات الجزائرية آنذاك على فرض التأشيرة بإغلاق الحدود بين البلدين إغلاقاً تاماً.

ورغم النداءات والتدخلات، وتحذيرات رجال أعمال وخبراء اقتصاديين جزائريين من النزيف الذي يسببه، كون الجزائر نفسها تخسر من إغلاق الحدود ما يفوق الملياري دولار.. كما أن إغلاق الحدود يعطل بناء الاتحاد المغاربي، ويحرم حوالي تسعين مليون نسمة من فرص التنمية.. رغم ذلك لم تستجب السلطات الجزائرية، وأبقت على حدودها مغلقة تجاه المغرب.

ومازال إغلاق الحدود مستمراً منذ ذلك الحين، وهو وضع قابل للاستمرار على حاله، كما أنه قابل للانفراج، وإن كان احتمال تحريك الأمور في اتجاه إذابة الجليد هو الأرجح حاليا حسبما يشير إليه تصريح وزير الخارجية الجزائري السيد مراد مدلسي» الذي نشرته اليومية الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية «ليكسبريسيون» في شهر مارس الماضي، الذي قال فيه: «لا يمكن للحدود أن تبقى مغلقة طول الوقت لابد وأن نقوم في الجانبين بتجميع العناصر الضرورية على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية التي من شأنها تبرير إعادة فتح الحدود».

هذا التصريح غير مسبوق من مسؤول جزائري تجاه المغرب، فقبل ثلاثة أشهر لم يكن ممكنا أن يصدر مثله، حيث ظلت الجزائر السنوات عديدة تصم آذانها عن كل نداء لإعادة فتح الحدود، وتضع أمام ذلك شروطا تعجيزية لتبرير رفضها .. ففي عام ۲۰۰۸م وحده، دعا المغرب مرتين إلى إعادة فتح الحدود لما فيه مصلحة البلدين وصالح المنطقة، وذلك في ٢٥ مارس، وه مايو ولكن الجزائر أجابت بأن إجراء كهذا يجب أن يتم في إطار حل شامل لكل النزاعات بين البلدين، وعلى رأسها مشكلة الصحراء الغربية، وهو ما اعتبره المغاربة ابتزازاً لموقفهم من هذه القضية.

عوامل عديدة

والحقيقة أن الجزائريين الذين استفاد اقتصادهم كثيرا من ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأخيرة، ظلوا دائماً يتعاملون مع دعوات المغرب لفتح الحدود بكثير من التجاهل، فما الذي طرأ حتى تغير الجزائر موقفها تجاه المغرب بمائه وتمانين درجه؟  هناك عدة عوامل أثرت في الموقف الجزائري، وعلى رأسها تداعيات ما يسمى ب «الربيع العربي».. فموجة الاحتجاجات الشعبية المفاجئة اقتلعت بسرعة مذهلة نظامين مهمين في المنطقة، هما نظام بن علي في تونس، ونظام «مبارك» في مصر ومازالت تزعج أنظمة أخرى وتدفعها إلى الترنح، وقد تسقط قريباً، في ليبيا واليمن وسورية وغيرها .

كما أن الزلزال الذي هز المنطقة العربية قد أزاح تهديد ما يسمى بـ«الإرهاب» من الهم الأول إلى آخر اهتمامات الغرب، ليس لأنه خطر قد ولى، ولكن لأنه فقد درجته على رأس الأخطار المحدقة بمصالح الغرب في المنطقة.. فالربيع العربي قد فتح أوراقه بدون أي ظهور قوي للتيارات الإسلامية، التي ظهر أنها اندمجت بذكاء داخل حركة المد الديمقراطي كقوة مؤثرة وليس مسيطرة، مما سفه مبررات التضييق عليها واستهدافها .

ولم يشهد هذا الربيع أي دور لتنظيم القاعدة في بلاد «المغرب الإسلامي»، التي ظلت الفزاعة التي بررت السكوت على الأنظمة الحاكمة في المنطقة، ونتيجة لذلك فإن مصوغات دعم مثل هذه الأنظمة فقدت مبرراتها، فالظرف الحالي يضع كل الأنظمة العربية أهدافا لثورات شعبية، ويفقدها أي مصداقية تجاه المجتمعات الغربية، ويجعل منها شركاء أقل قبولا مما كانت عليه في الماضي.

وقد شهدت الجزائر والمغرب حراكاً اجتماعياً منتفضاً، أدى بالمغرب إلى تسريع مشروعه الإصلاحي الذي تجمد، وتراجع منذ أحداث ١٦ مايو ۲۰۰۳م، كما دفع الرئيس «بوتفليقة» إلى الإعلان عن تنازلات مثل الرفع ولو جزئيا لقانون الطوارئ المعمول به منذ عام ١٩٩٢م، وهناك سبب آخر يتمثل في الدعم الذي قدمه «بوتفليقة» للعقيد «معمر القذافي» منذ بداية الانتفاضة الشعبية في ليبيا، وهو ما أدى إلى وضع النظام الجزائري في خانة الأنظمة العربية الدكتاتورية. كل هذه الأسباب دفعت إدارة «أوباما» إلى الضغط على الجزائر لتقديم تنازلات على عدة مستويات وفي عدة مجالات، وقد اندرجت زيارة نائب وزيرة الخارجية الأمريكية ويليام بورنز في نهاية شهر فبراير الماضي إلى الرباط ثم الجزائر في هذه المقاربة الجديدة لـ«واشنطن»، التي قد تؤدي إلى إيجاد حقل للوفاق والتطبيع بين البلدين وإلى اقتراح حل مقبول لنزاع الصحراء.

فقدان التأثير

ويبدو أن واشنطن تسعى إلى تحسين وضعها في الخارطة «الجيو- سياسية» الجديدة لمنطقة عربية لا تزال في حالة غليان، عن طريق تهدئة منطقة المغرب العربي وتطبيع فضائها السياسي والاجتماعي الذي يزعزعه جمود العلاقات بين الجزائر والمغرب؛ حيث تؤكد تقارير جميع مراكز البحث الدولية أن حالة اللا مغرب العربي»، التي سببها جمود العلاقات بين الجارين الشقيقين تكلف أكثر من اثنين في المائة من الدخل لكل بلد من بلدان المنطقة، وأنه يجب - قبل سلوك أي مسار إصلاحي في هذا الاتجاه - البدء أولا بفتح الحدود بين البلدين لجلب مليارات الدولارات من رؤوس الأموال التي تفقدها المنطقة كل عام.

وهكذا، فما رفض نظام «بوتفليقة» القيام به بشكل إرادي لمجرد ألا يستفيد المغرب وللإسهام في خنقه اقتصاديا ما دامت الجزائر مكتفية بمداخيل بترولها الضخمة ها هو اليوم مضطر للقيام به تحت ضغط خارجي، ولم يعد أمام الجزائر إلا التطبيع مع المغرب. ورغم الصرامة التي أبداها الرئيس الجزائري، وهو يرد على محاولة رئيس الحكومة التونسي المؤقت الباجي قائد السبسي التدخل لإقناعه بإعادة فتح الحدود مع المغرب، رافضا أي حديث في الموضوع فإن الجزائر منذ انخراط المنطقة العربية في ثورات متتالية، وتلاشي مبرر الوقوف سدا أمام ما يوصف ب« الإرهاب»، فقدت الكثير من تأثيرها في المنطقة وبشكل أوسع في العالم.

حجر عثرة

أصبحت الولايات المتحدة أكثر إصراراً على الدفع في اتجاه فضاء من السلم في المنطقة وتعزيزه، بتوسيع مجال «الدمقرطة» والتعاون بين دول المغرب العربي، وهذا المسعى يمر ضرورة عبر إيجاد حل لمشكلة الصحراء الغربية، الذي هو حجر العثرة الوحيد، والذي يتكفل بتدبيره مجلس الأمن الذي ينتظر أن يجتمع لهذا الغرض خلال شهر أبريل الجاري، ويتوقع أن يدعم الحل السياسي المتفق عليه، وهذه المرة بعد أن أعلنت إدارة «أوباما» صراحة، ولأول مرة عن دعمها للمقترح المغربي المتمثل في الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، خصوصا بعد أن صرحت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية بأن المفاوضات الوحيدة المجدية في حل مشكلة الصحراء هي تلك التي يجب أن تتم بين المغرب والجزائر، وهو ما يعني انتهاء واشنطن ومعها هيئة الأمم المتحدة إلى قناعة أن البوليساريو ما هي في الحقيقة إلا أداة في يد الفاعل الحقيقي في المشكل الذي هو الجزائر.

إنه من المرجح جدا أن بناء اتحاد مغاربي سيمكن من تذويب هذا الملف الشائك داخل رؤية مبدعة للتعاون والتكامل في إطار وحدة جهوية متقدمة، ومبادئ ديمقراطية تنظم الحياة السياسية في المنطقة، فالدمقرطة وحدها من شأنها تحديد سبل مستقبل مشترك واضح، ولكنه كذلك مشكل يعيق مسار الاتحاد المغاربي منذ تأسيسه. إنها إذا حلقة مفرغة تحتاج إلى حسم من إحدى الجهتين، أو تبقى مفرغة إلى ما لا نهاية ..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل