العنوان هل تبدأ حرب القوقاز الثانية من الشيشان ؟
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994
مشاهدات 73
نشر في العدد 1129
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 13-ديسمبر-1994
· تشكيل جبهة روسية من البرلمانيين والساسة تعارض
الدخول إلى المستنقع الشيشاني
· عشرات الآلاف من المقاتلين، والقوقازيين، ومن مختلف
الدول الإسلامية ينتظرون تدخل الروس
· وزير خارجية الشيشان يؤكد استمرار القتال حتى آخر
نفس ويحث الدول الإسلامية على الاعتراف ببلاده
تنتهي بعد غد الخميس الموافق منتصف الشهر الحالي 15/12 المهلة الثانية التي حددها الرئيس الروسي بوريس يلتسين للقوات الشيشانية بتسليم أسلحتها مقابل العفو عنها، وهو الاحتمال الذي يستبعده المراقبون خاصة في ظل معرفة الشخصية الشيشانية التي تفضل الموت على الاستسلام إذ قاوم الشيشان روسيا حوالي 400 عام وضحوا بثلاثة أرباع السكان للحفاظ على هويتهم الإسلامية واستقلالهم الوطني، وبالتالي فإن معظم المراقبين يتوقعون بداية حرب القوقاز الثانية وسط تحذيرات للرئيس يلتسين من داخل روسيا نفسها بعدم دخول المستنقع الشيشاني الذي ستكون فيه النهاية الحتمية لروسيا الاتحادية.
إلا أن تراجع الرئيس الروسي عن تهديده الأول بغزو
الشيشان والذي أطلقه أوائل الشهر الحالي إذا لم تطلق الشيشان سراح 72 عسكريًا
روسيًا تم أخذهم أسرى أثناء اشتراكهم في المعارك التي دارت في نهاية الشهر الماضي
بهدف السيطرة على العاصمة غروزني، يشير ذلك التراجع إلى معرفة يلتسين لخطورة
التدخل في الشيشان، خاصة بعدما تأكدت موسكو من قدوم آلاف المتطوعين من مختلف أنحاء
القوقاز والبلاد الإسلامية الأخرى وسط صيحات الجهاد والدعوة بالنصر في صلاة
الجمعة، وبالتالي فإن التهديد باحتلال الشيشان تلك الجمهورية الإسلامية الصغرى في
خلال ساعتين لا يعدو أن يكون أكثر من لهو حديث من مسؤول مخمور لمدة 24 ساعة وفقًا
لتقارير أجهزة الاستخبارات عنه.
والموقف في الشيشان حاليًا حتى صباح 5/12/1994م، من
خلال اتصال هاتفي تم تأمينه من خلال مصادر «المجتمع»، مع يوسف شمس الدين - وزير
الخارجية الشيشاني - يتبلور في التالي:
سيطرة ميدانية وخسائر روسية
سيطرة القوات الشيشانية والمتطوعين المسلمين على
كافة القطاعات الحيوية في البلاد وذلك بعد نجاحها في مواجهة العدوان الروسي الذي
بدأ يوم 24/11/1994م وشاركت فيه 40 طائرة عسكرية من طراز توبوليف 134 علاوة على 10
طائرات هليكوبتر أخرى كانت تساند قوات المعارضة المدعومة بآلاف من الجنود الروس،
إذ تم أسر 120 معادٍ، منهم 70 روسيًا وقتل أكثر من 200، ودمرت 20 دبابة روسية
بينما استولت القوات الحكومية على 12 دبابة أخرى، وكانت هذه المعركة هي التي أثارت
ثائرة يلتسين، وأوضحت هزيمته وكشفت تدخل روسيا السافر في الشيشان المستقلة منذ عام
1991م.
وأضاف بأنه قبل انتهاء مهلة يلتسين للشيشان
بالاستسلام الساعة الخامسة يوم 1/12/1994م، تدفق آلاف المتطوعين من أبخازيا
وداغستان وقرة تشاي - شركس وقباردينو بلكار - للاشتراك في مواجهة الروس، علاوة على
وجود الآلاف من المتطوعين المسلمين من مختلف دول العالم الإسلامي الذين يعيشون
لحظات أشواق للجهاد، وهو الأمر الذي أخاف يلتسين، خاصة بعدما أكدت التقارير أن
الشعب الشيشاني كله يقف مع الرئيس جوهر دوداييف الذي أصبح يمثل للشعب تجسيدًا حيًا
لأسطورة الشيخ شامل الذي أذل الروس لعشرات السنين.
وقال وزير الخارجية الشيشاني: إن صلاة الجمعة يوم
2/12/1994م في مساجد الشيشان والتي تدفق إليها الشعب من كل صوب يدعو الله بالنصر
ضد الروس زلزلت قلوب حكام روسيا، ولذلك انتقد الكثير من أعضاء البرلمان الروسي
التدخل الروسي بشكل سافر مثلما فعلت إيلا بامفيلوفا - وزيرة الخدمات الاجتماعية
السابقة، وعضو البرلمان حاليًا- إذ قالت: إن كل إنسان يعرف أن الطائرات التي قصفت غروزني
ليست بريطانية، ولا فرنسية، ولا أمريكية بل هي روسية، وهو أمر مخالف للدستور لعدم
أخذ موافقة البرلمان ولذلك يجب أن يتم وقف القصف فورًا.
كما انتقد النائب فلاديمير ليسنكو، بوريس يلتسين
قائلاً: يجب ألا تواجه الشيشان الصغيرة لأن التدخل يعني تعريض 150 ألف روسي يعيشون
هناك للخطر وأنه يجب البحث عن حل سلمي للأزمة، وهو الأمر الذي طالما دعا إليه
الرئيس الشيشاني دوداييف، وقال وزير الخارجية الشيشاني بأنهم رغم موافقتهم على التفاوض
فإنهم مستعدون للقتال حتى آخر لحظة وأنهم لن يكونوا أقل من الذين ضحوا بحياتهم ضد
العدوان الروسي من الشعب الشيشاني والذي بلغ عددهم 670 ألفًا و305 شيشانيين حتى
الآن.
وكان الرئيس الشيشاني قد أعلن في مؤتمر صحفي عقده
في بداية الشهر الحالي أنهم مستعدون للتفاوض مع موسكو وأنهم طالما دعوا إلى ذلك
إلا أن موسكو رفضت المفاوضات، وقال إنهم مستعدون للدفاع عن كل شمال القوقاز وليس
الشيشان فقط وأشار إلى تدفق أعداد من المتطوعين من الدول الإسلامية إلى الشيشان،
وعمومًا فإنه على الرغم من عدم نجاح القوات الروسية التي تتقنع بأسماء الجماعات
المعارضة الشيشانية والتي لا تشكل أكثر من 1% من السكان، فإن القوات الروسية
المرابطة في أوسيتيا الشمالية قد اتخذت كافة الاستعدادات اللازمة للتدخل بعد صدور
قرار بذلك وهو ما استعدت الشيشان لمواجهته ليكون ذلك التدخل هو بداية حرب القوقاز
الثانية.
خريطة الفصائل المعارضة المدعومة من موسكو
والتحرك الروسي حتى هذه اللحظة يعتمد دعم جماعات
المعارضة الشيشانية التي شكلتها موسكو نفسها لخداع الشعب الشيشاني وهي:
- مجموعة
عمر أفتورخانوف: التي تعارض إقامة جمهورية
مستقلة في الشيشان وتفضل البقاء أسيرة للنظام الروسي.
- جماعة
يراغي محمودوف: وهو رئيس وزراء سابق، ورئيس
حكومة المنفى التي تدعمها روسيا رسميًا.
- جماعة
جبريل تايمسخانوف: رئيس جماعة العلماء ورجال
الدين، وكان من أنصار دوداييف ثم انقلب عليه بسبب نجاح الأخير في إقامة
علاقات واسعة مع الدول الإسلامية وهو الأمر الذي فوت عليه الحصول على مكاسب
شخصية كان يحققها من خلال قيامه بذلك.
- جماعة
حسين أحمدوف: رئيس برلمان الشيشان
السابق، وكان أيضًا من أنصار دوداييف إلا أنه انشق عليه مقابل أموال ضخمة من
روسيا، وإن كان قد برر انشقاقه على دوداييف بمحاولات الأخير السيطرة على
البرلمان.
- جماعة
رسلان حسبولاتوف: رئيس البرلمان الروسي
السابق، والذي عقد اتفاقًا مع الرئيس يلتسين يقضي بتوليه رئاسة الشيشان في
حالة نجاحه في إزاحة دوداييف كما يقوم بعمل اتصالات مكثفة مع بعض الدول
العربية والإسلامية لإثنائها عن دعم دوداييف أو إقامة علاقات معه إلا أنها
فشلت حتى الآن.
- مؤتمر
الشعوب القوقازية: والذي شكلته موسكو من
عملائها في القوقاز لمواجهة كونفدرالية الشعوب القوقازية التي تعارض موسكو،
علاوة على 12 مجموعة من المجرمين مدعومة بـ3 مروحيات عسكرية مدججة بالصواريخ
مهمتها اغتيال الرئيس دوداييف الذي أصبح يشكل رمزًا للاستقلال.
وتحاول روسيا أيضًا من خلال حملة إعلامية منظمة
تشويه جوهر دوداييف من خلال تسريب أخبار وأنباء للمراسلين الأجانب ومدهم أحيانًا
بوثائق مزورة حول شخصية دوداييف ومحاولة الطعن في نزاهته.
وفي مواجهة ذلك يوجد لدى الرئيس الشيشاني أكثر من
25 ألف مقاتل شيشاني مسلح بشكل جيد ويمكنهم الصمود لسنوات طويلة خاصة وأن الظروف
الجغرافية والمناخية تساعدهم على ذلك، بالإضافة إلى عدة آلاف من المجاهدين
المسلمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي والذين تدربوا على القتال في الحرب
الأفغانية - السوفيتية، وكانوا من عوامل هزيمة الاتحاد السوفيتي السابق، بل
وانهياره أيضًا علاوة على تسليح كافة أبناء الشعب الشيشاني للقتال.
وإذا كان ألكسندر إسكندريان - مدير معهد الدراسات
القوقازية في موسكو - يرى أن الشيشان جنود جيدون ويفضلون الموت على الاستسلام أو
الإذلال، فإن ذلك يعني اندلاع حرب شرسة بين روسيا والشيشان ستضحي فيها الأولى
بالغالي والرخيص، بل إن مصالحها الحيوية ستتعرض للخطر إذ إن هناك جماعات مسلحة
شيشانية في كافة أنحاء روسيا منتظرة تلقي الأوامر من الرئيس دوداييف للقيام بهجمات
مسلحة على كافة المصالح الروسية الحيوية.
ولذلك ظهرت جبهة معارضة في روسيا لمجرد التفكير في
التدخل في الشيشان:
فها هو ميخائيل جورباتشوف - آخر رؤساء الاتحاد
السوفيتي السابق، ومن مواليد القوقاز - يحذر يلتسين من مغبة التدخل في الشيشان
قائلاً: «لا تدخل الشيشان، إن دخول الدبابات والجنود الروس إلى هناك يعني بداية
حرب القوقاز، لقد عملت سنوات هناك وأعرفها جيدًا، فالحل أن يكون عبر المفاوضات
السياسية دون تجاهل جوهر دوداييف، تذكر حرب الشيخ شامل ضد القيصرية، إن روسيا
ستنتهي إذا ما ذهبت إلى القوقاز».
أما نايل إيرتوجانوف - أحد مساعدي سيرجي يوسانكوف
رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي - فأكد بأن التدخل الروسي سيحدث فاجعة، وطالب
بإيجاد حل سلمي وهو ما طالب به أيضًا النائب فلاديمير ليسنكو للحفاظ على أرواح 150
ألف روسي يعيشون في المنطقة، وحذرت إيلا بامفيلوفا - عضو البرلمان - من إقدام
يلتسين على شيء مخالف للدستور وإن أي تدخل حتى لو كان قصفًا جويًا يجب أن تتم
الموافقة عليه من البرلمان الروسي.
ورغم إعلان حالة التأهب القصوى بين الجانبين؛ فإن
المعلومات التي حصلت عليها المجتمع من مصادرها في العاصمة الشيشانية تشير إلى بدء
مفاوضات سرية بين الجانبين تستهدف عدم تفجير الموقف وعدم إسالة الدماء في القوقاز،
خاصة أن دوداييف بدأ حاليًا الدعوة لتشكيل جمهورية قوقازية تضم الجمهوريات الصغرى
الأخرى بجانب الشيشان وهو الأمر الذي تراه موسكو تحديًا لها، ولذلك من المحتمل أن
تعترف موسكو بالأمر الواقع في الشيشان على أساس أنها دولة مستقلة منذ سبتمبر
1991م، بشرط عدم دعم أية حركة انفصالية أخرى في القوقاز وضمان حركة المرور من
روسيا إلى جمهوريات آسيا وكذلك عدم عرقلة مد خط أنبوب النفط المخطط له من آسيا
الوسطى وأذربيجان إلى ميناء نوفوروسيسك والذي سيكون مدخله من داغستان والشيشان،
وما زال دوداييف يدرس كافة الخيارات إلا أنه بالتأكيد وفقًا للمعلومات المتوافرة
حول شخصه لن يرضى بأقل من الاستقلال بديلاً وسيرفض إعطاء أي وعد بعدم دعم إخوانه
في القوقاز الذين أبدوا مواقف شجاعة وأعلنوا دعمهم له مثلما دعم هو شخصيًا أبخازيا
أثناء حربها مع جورجيا والتي يمكن أن تستخدم روسيا الأخيرة ضد الأولى كورقة ضغط
على الأباظة لعدم تدخلهم إلى جانب الرئيس الشيشاني، وهو الأمر المحتمل حدوثه إذا
ما تدخلت روسيا في الشيشان.
وعلى الصعيد الدولي، اعتبرت واشنطن أن التطورات
الحالية في الشيشان من الأمور الداخلية في روسيا، وهذا يتلاءم بالطبع مع سياسة
الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الذي يهادن روسيا ويوافق على أن استعادتها لدول
الجوار الإسلامية أفضل من وقوعها في يد إيران الإسلامية أو تركيا التي يمكن أن
تتقوى بها قوميًا.
ويعتبر ريتشارد ارميتاج - مساعد وزير الدفاع
الأمريكي السابق - والذي كان يشرف على المساعدات الأمريكية لدول الاتحاد السوفيتي
السابق في يناير 1992 إلى مايو 1993م، أن قضية الشيشان تشكل مأزقًا خطرًا
للدبلوماسية الأمريكية قد تنهي مصالح واشنطن واستثماراتها في حقول النفط في
كازاخستان وأذربيجان وغيرها من دول القوقاز، إذ إن إدارة كلينتون سترتكب خطأ
جسيمًا - على حد قول ارميتاج - إذا هي أوحت بأن لموسكو حرية التصرف كما تشاء خارج
حدودها القريبة.
وجدير بالذكر أن الرئيس الشيشاني كان قد ذكر أن
أمريكا تآمرت على بلاده والقوقاز مع موسكو حيث عقدت واشنطن وموسكو يالطا جديدة
(المجتمع العدد 1120 الموافق 6 جمادى الأولى 1415هـ - 11/10/1994م).
أما الموقف التركي الرسمي والذي لخصه بيان للخارجية
نشرته صحيفة تركيا، يوم 2/12/1994م فيدعو إلى البحث عن حل سياسي في الشيشان في
إطار المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وعن طريق المفاوضات على أساس الوحدة
الترابية لروسيا الاتحادية، وهو ما يعني ببساطة رفض استقلال الشيشان المعلن من
جانب واحد في سبتمبر 1991م وفي نفس الوقت رفض أسلوب الحل العسكري لإنهاء الأزمة.
أما الدول العربية والإسلامية فكأن الأمر لا يعنيها
البتة رغم محاولات الشيشان المكثفة لجذب انتباهها عن طريق الاتصالات وطلب الاعتراف
بها، وذلك من خلال تحرك أكثر من 15 بعثة دبلوماسية شيشانية لم تحصل على أكثر من
وعود تذهب أدراج الرياح.
فهل يظهر العالم الإسلامي دعمه للشيشان التي أعلنت بأن القرآن الكريم سيكون دستورها؟ أم ينتظر لحين أن يطبق الروس عليها، ولحظتها يبدأ الصراخ على ضياع حاضرة إسلامية أخرى مثلما يحدث حاليًا في البوسنة، خاصة أن وزير الخارجية الشيشاني أكد لـ«المجتمع» في الاتصال الهاتفي معه أن روسيا وضعت كافة قواتها يوم 4/12/1994م على أهبة الاستعداد، وحشدت قوات خاصة لإرسالها إلى الشيشان في الوقت الذي توجه فيه رسلان حسبولاتوف إلى موسكو.