العنوان اللعبة الكبري والصراع الاستراتيجي في آسيا الوسطى والقوقاز
الكاتب محمد براو
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-2001
مشاهدات 68
نشر في العدد 1433
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 09-يناير-2001
الخطة الروسية لاستمرار السيطرة على المنطقة تسير على محورين: كبح تدريجي لمحاولات التحرر الاقتصادي من القبضة الروسية.. وشل أي محاولة لبناء قوة عسكرية مستقلة
تحت ذريعة الدفاع عن الأمن الاستراتيجي الروسي.. الأقليات الروسية داخل الجمهوريات المستقلة طابور خامس يعمل لصالح موسكو
مقاومة المد الإسلامي ومحاصرته إعلاميًا واستراتيجيًا.. نقطة التقاء كل القوى المتصارعة
لماذا وقفت إيران مع أرمينيا ضد أذربيجان المسلمة؟ ولماذا تسكت عما يجري في الشيشان.. وتمتنع عن دعم الحركات الاستقلالية المسلمة؟!
كيف تخطط واشنطن للاستحواذ على المنطقة في هدوء ودون استفزاز روسيا.. تجذب الدول إلى حظيرة منظمة التجارة العالمية وتدعم ترسيخ النزعات الاستقلالية
مع أن الحملة الإعلامية الأيدولوجية التي تشنها أمريكا وتركيا والكيان الصهيوني عرقلت إلى حد ما استراتيجيات إيران في المنطقة إلا أن حتميات الجغرافيا والثقة المتصاعدة في النظام الإيراني المنفتح تدريجيًا على العالم يجعل منها لاعبًا أساسيًا ضمن رهانات المنطقة
أمريكا تتغلغل تدريجيًا في المنطقة تحت ستار الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية.. وربط المنطقة بالمؤسسات الدولية َ
تسعى إلى تحويل تمددها الاقتصادي ومساعداتها الأمنية إلى وجود استراتيجي مرضي عنه من قبل الجميع.. لكنها تواجه تحديًا إيرانيًا قويًا
تحلم باكستان بالسيطرة على طريق الحرير الواصل بين الصين وآسيا الوسطى.. لكن الأزمة الأفغانية حولت الحلم إلى كابوس
د. محمد براو
صراع دولي كبير تدور رحاه حول آسيا الوسطى، ورهانات متنوعة وخطيرة تتداخل لتشكيل محور ذلك الصراع. وبما أن المنطقة لا تزال تعاني من الهشاشة، ولكونها تمر بفترة انتقالية تاريخية، فإن دولها حديثة العهد بالاستقلال تعيش في وضع حرج بين تثبيت بيتها الداخلي وإعادة ترتيبه، ومواجهة تحديات وطموحات القوى المعنية بالمنطقة، تلك الطموحات التي يحركها الموقع الجيوبولتيكي، والارتباطات التاريخية والحضارية وأيضًا الحسابات الجيواستراتيجية الشاملة.
موقف الأطراف المتصارعة:
ثمة كتلة من الدول تعتبر أن منطقة آسيا الوسطى منطقة مهمة أو حيوية بالنسبة على الصعد الجيواستراتيجية.. الجيواقتصادية والحضارية، الثقافية تأتي في مقدمة هذه الدول: روسيا - الخارجة من تحت عباءتها السوفييتية - الدول المكونة لمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز، تليها الولايات المتحدة بناءً على نفوذها الدولي ومكانتها الجيواستراتيجية والجيواقتصادية في العالم. والتي يهمها أن تزاحم روسيا على خيرات المنطقة وتحجم دورها التوسعي في المنطقة كما يهمها صد الدور الإيراني والحيلولة دون اكتمال صورة أممية أصولية، بزعامة إيران في المنطقة.
وعلى صعيد القوى الإقليمية تتوزع إيران وتركيا وباكستان الأدوار، الأولى بفعل موقعها الجيوبولتيكي وامتداداتها الثقافية الحضارية، والثانية للأسباب نفسها فضلًا عن لعب الصراع بالوكالة لصالح الحلف الأمريكي الأطلسي، والأخيرة «باكستان» تشکل آسیا الوسطى بالنسبة لها حلمًا طالما انتظرت تحقيقه أم وهي تعتقد أنها قريبة من الهدف في حال استمرار طالبان في الزحف على كامل التراب الأفغاني. ونتناول دور كل دولة من هذه الدول بالتفصيل..
أولًا : روسيا:
1 – مفهوم «الجوار القريب» :
ظهر التوجه الروسي إلى إعادة هيمنة موسكو على جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق في وقت مبكر جدًا ولإضفاء شرعية على هذا التوجه قدم المسؤولون الروس مبررات عدة، في مقدمتها الأمن القومي الروسي والصراعات الإثنية في دول الجوار القريب وخطر امتدادها إلى داخل روسيا والدفاع عن مصالح الأقليات الروسية هناك. لكن ما لم يقله المسؤولون الروس ويرفضون الاعتراف به هو أن موسكو كان لها دور كبير في تأجيج الصراعات في أطراف الاتحاد السوفييتي السابق تمهيدًا لتدخلها دبلوماسيًا وعسكريًا، وبالتالي لإعادة هذه الدول إلى دائرة نفوذها . ففي جورجيا على سبيل المثال، دعمت روسيا على التوالي الأبخاز ضد حكومة تبلسي، والرئيس الجورجي إدوارد شيفرنادزة ضد خصمه زياد غامسا غورديا، الأمر الذي أتاح لها فرض وصايتها على جورجيا والتي تجسدت أولًا من خلال انضمام هذه الأخيرة مكرهة إلى كومنولث الدول المستقلة التي تتزعمها روسيا، ثم من خلال اتفاق الصداقة والتعاون الموقع بين البلدين مطلع شهر فبراير 1994م والذي حصلت روسيا بموجبه على ثلاث قواعد عسكرية في جورجيا. أما فيما يتعلق بالصراع الأرميني – الأذري، فقد ساعدت روسيا أرمينيا، مسرعة بذلك إطاحة الرئيس الأذري السابق أبي الفضل التشيبي ذي الميول التركية ثم اقترحت أخيرًا خطة لحل الأزمة بين البلدين تنص على إقامة خمس قواعد عسكرية روسية على طول الحدود بين أذربيجان وأرمينيا وقد حصلت على الموافقة على ذلك.
ولم تقتصر الضغوط الروسية على دول «الجوار القريب» على المجال العسكري، إذ إن روسيا مارست ضغوطًا سياسية واقتصادية على كل من أوكرانيا فيما يخص جزيرة القرم وكازاخستان ودول البلطيق الثلاث وروسيا البيضاء، وضغوطًا دبلوماسية على الجميع لإعادة هذه الدول إلى الحظيرة الروسية، وإذا كانت روسيا قد نجحت إلى حد كبير في تحقيق أهدافها، على الرغم من الممانعة الهشة التي تبديها دول البلطيق الثلاث وأوكرانيا وأذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان، فإن هذا النجاح يعود في جزء كبير منه إلى لا مبالاة الغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا، وكذلك إلى غياب طرف إقليمي قادر على الوقوف في وجه روسيا. فالغربيون لا يريدون التورط بشكل مباشر أو غير مباشر في الصراعات الدائرة في أطراف الاتحاد السوفييتي، ويقرون لروسيا بدور إقليمي مهيمن في المنطقة، ربما باستثناء دول البلطيق الثلاث.
ويجدر التنبيه هنا إلى أن المساعي الروسية الرامية إلى تأكيد الهيمنة على دول الجوار، اتسمت بالحزم والصلابة، وذلك لأن جميع التيارات السياسية تتفق على اعتبار «الجوار القريب» دائرة نفوذ روسية وفي هذا الصدد، نشرت صحيفة «إزفستيا» الروسية وثيقة صادرة عن هيئة الشؤون الدولية لمجلس السوفييت الأعلى جاء فيها : بصفته وصيًا معترفًا به دوليًا على الاتحاد السوفييتي السابق، ينبغي على الاتحاد الروسي أن يستند إلى مبدأ يقوم على أساس إعلان المجال الجيوسياسي للاتحاد السوفييتي بأسره دائرة نفوذ حيوية، وينبغي على روسيا أن تحصل من المجتمع الدولي على الاعتراف بدورها الضامن للاستقرار السياسي والعسكري في أراضي الاتحاد السوفييتي السابق، ومن المناسب الحصول من بلدان «مجموعة السبع» على المساعدة للقيام بهذه المهمة، وحتى لتمويل قوات التدخل الروسية
2 . تجليات ووسائل «التوسع الروسي»:
اعتمادًا على وسائل شرعية في مقدمتها الدستور المعدل على إثر قنبلة البرلمان المتمرد في أكتوبر 1993م، ووسائل قهرية مؤسساتية في مقدمتها الجيش الآخذ نفوذه في التصاعد، ووسائل ثقافية في مقدمتها المزاج النفسي – الثقافي الروسي الذي يرفض أنصاف الحلول في حل المشكلات، ووسائل اجتماعية – اقتصادية ضد الجمهوريات العنيدة، تطبق روسيا منذ 1993م استراتيجية توسعية عنيفة وشاملة قوامها التدخلات العسكرية والسياسية والاقتصادية في دول «الجوار القريب»، داخل فيدرالية روسيا «الشيشان داغستان» وخارجها «جورجيا، أرمينيا، طاجيكستان... ».
كما استخدمت روسيا «ذريعة الأقليات الروسية» في الجمهوريات المستقلة، كسيف مسلط على رقاب حكامها، وكان العنوان الكبير لهذه التدخلات هو صد أي خطر أو تهديد على الأمن الاستراتيجي الروسي وهذا الأمن الاستراتيجي يتكون من مفردتين «المصالح الروسية والاستقرار الإقليمي». (2)
لقد اتبعت الخطة الروسية محورين: المحور الأول يتمثل في الكبح التدريجي لمحاولات التحرر الاقتصادي للجمهوريات من القبضة الروسية، والثاني يتمثل في وضع اليد على أي محاولة من محاولات البناء الذاتي للقوة العسكرية المستقلة، المحور الأول يقوم على بث قناعة مفادها أنه لا مناص من الاندماج الاقتصادي بالشروط الروسية في منظومة كومنولث الدول المستقلة في سبيل أي تطلع نحو العافية الاقتصادية، والمحور الثاني يقوم على قناعة مفادها ضرورة الخضوع للقيادة الروسية والاكتفاء بقوات عسكرية وطنية اسمًا ورمزًا؛ ولم تسلم من المحور الثاني للخطة سوى أوكرانيا التي استطاعت أن تقف عسكريًا على قدميها بالاستقلال عن روسيا.
الإجراءات المعتمدة يمكن تلخيصها في الآتي: (3)
- إقامة ميثاق أمن جماعي أعطى روسيا سلطةالرقابة على الحدود الدولية لكومنولث الدول المستقلة.
- اتفاقية حفظ السلام استخدمت «كآلية للتدخل في الأزمة الطاجيكية».
- منطقة روبل جديدة كإطار نقدي إقليمي «الغاية منه تخويل البنك المركزي الروسي دورًا حاسمًا في الشؤون النقدية والمالية».
وقد أتت الخطة الروسية أكلها في كل من روسيا البيضاء التي أصبحت في حالة شبه إلحاق وجورجيا وطاجيكستان اللتين تحولتا عمليًا إلى محميتين روسيتين، وذلك تحت غطاء تقديم الوساطة السياسية بين المتنازعين.
3 - الموقف الرسمي الروسي:
سنعتمد في قراءة الموقف الروسي من المنطقة، ومن خلاله التصور السياسي الدولي لروسيا، على ثلاثة مصادر: أندريه كوزيف وزير خارجية روسيا السابق (4)، ويفجيني بريماكوف مدير المخابرات آنذاك 1994م (5) ، وقسطنطين شوفالو (6) سفير روسيا لدى الأمم المتحدة 99 - 2000م.
يعتقد الأول أن روسيا بتدخلاتها السابقة الذكر إنما «تنهض بدور «مشروع»كشريك حقيقي في تدبير الشؤون الدولية»، وأنها تريد من خلال عرض عضلاتها على جيرانها الأقربين – أن تبعث برسالة إلى شركائها الأبعدين بأنها، أي روسيا، «ترفض فكرة أنها أصبحت رجل أوروبا أو آسيا المريض» ويفهم من هذا القول إذا وضعناه في سياقه الدولي آنذاك أنها تضطلع بدورها كشرطي إقليمي، في الوقت الذي بلغت فيه العربدة الأمريكية والغربية أوجها في كل من الصومال وهاييتي.
أما يفجيني بريماكوف، وهو أكاديمي معروف بثقافته الشرقية الواسعة، فيؤكد من خلال التقرير الاستراتيجي الروسي لسنة 1994م ، الذي أشرف على إعداده، أن روسيا إنما تقوم بواجب مشروع من الوجهة الاستراتيجية في وقت تتهددها فيه مهددات أمنية جيواستراتيجية ثلاثة:
1- عدم الاستقرار الناتج عن الأزمة الأفغانية وتبعاته على استقرار آسيا الوسطى «استمرار هاجس الأفغنة».
2- التدخل الإيراني التركي والتخوف من تأسيس دولة فارسية أو تركية كبرى.
3 - «الأصولية» الإسلامية.
وينتهي التقرير بالتوصية بضرورة إقامة مجال دفاعي مشترك في المنطقة موضوع البحث تتولى روسيا تزعم رعايته وحمايته.
أما الرؤية التي يؤسسها السفير شوفالو فتقوم على رفض عولمة الدور العسكري للناتو كآلية للتدخل بعيدًا عن شرعية الأمم المتحدة، ومن هنا فإن روسيا لا يمكن أن تقبل عدم الاستقرار في جوارها حتى لا يستخدم كذريعة لتمدد واتساع أنشطة الناتو المرفوضة في البلقان إلى مجال يعتبر في العقيدة الجيواستراتيجة الروسية مجالًا حيويًا غير قابل للاختراق، وتزداد المخاوف الروسية عندما يتنادى بعض النخب الحاكمة في جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز طالبة مزيدًا من الالتزام الغربي بأمن واستقرار المنطقة.
مخاوف روسيا وأهدافها
تتخوف روسيا أساسًا من إمكان وجود خطة يمينية متطرفة في الإدارة الأمريكية قوامها احتواء روسيا عسكريًا من خلال مد ولاية الناتو العسكرية إلى المنطقة، واقتصاديًا من خلال تحجيم النفوذ الاقتصادي الروسي على دول المنطقة وتجاهل المصالح الروسية في موضوع إبرام العقود والصفقات الكبرى المتعلقة بالطاقة،خصوصًا طاقة أذربيجان الضخمة، كما تتخوف روسيا من وجود مخطط أممي أصولي إسلامي من شأنه تهديد الأمر الواقع الحدودي، وكذا الكراهية «والروسيافوبيا» في المنطقة في أوساط السكان اعتمادًا على وقائع الحرب في الشيشان.
وقد تدعمت هذه المخاوف عندما أعلنت الإدارة الأمريكية عن عزمها إرسال قواتها إلى المنطقة تحت غطاء قوات حفظ السلام في شريط ناجورنو قارباخ وتحت إشراف منظمة الأمن والتعاون الأوروبي وبمشاركة قوات روسية. (7)
ولذا تسعى روسيا إلى القيام بكل ما من شأنه جعل دورها لا غنى عنه، بدءًا برعاية الحلول السلمية الإقليمية في جورجيا مع أبخاريا؛ وحل المشكلات الثنائية العالقة مع جورجيا فيما يتعلق بتقسيم أسطول البحر الأوسط التي أثارت مشكلة تجاهلها والاكتفاء بالحصة الأوكرانية في الأسطول وقد تم حل المشكلة في أكتوبر 1997م بمنح جورجيا أربع سفن حربية (8) كما نجحت روسيا بمشاركة أمريكية وغربية في الحفاظ على السلام فيما يخص مشكلة ناجورنو كاراباخ.
مع ذلك تظل الشكوك والاتهامات قائمة بين روسيا وكل من أمريكا والغرب فيما يتعلق بالرغبة في الهيمنة على المنطقة على حساب مصالح الطرف الآخر، ولذا ما فتنت روسيا تتحمل ماليًا وعسكريًا النصيب الأوفر في التكاليف الناجمة عن عمليات حفظ السلام في المنطقة «طاجيكستان، جورجيا، ناجورنو کاراباخ» إلا أن المجموعة العسكرية المشتركة بين كازاخستان و قرغیزستان و أوزبكستان المستقلة عن روسيا وبمشاركة قوات أمريكية التي حطت بالقرب من الحدود الروسية لم تكن لتروق للمسؤولين الروس خصوصًا عندما يصرح قائد القوات الأمريكية المشاركة في التدريبات العسكرية مع المجموعة المذكورة سابقًا: «لا يوجد أي بلد فوق أرض البسيطة لا يمكن أن نذهب إليه». (9)
ولذلك تبذل روسيا جهودًا مضنية بالاعتماد على مظلة الكومنولث في سبيل إحراز نجاحات مماثلة لنجاحاتها في حفظ السلام في البؤر المتوترة المذكورة سالفًا، ولكن استمرار وتقدم النجاحات رهين بإرادة الأطراف المتنازعة نفسها كما هو رهين إلى حد ما يتعاون القوى الدولية والإقليمية المنافسة لروسيا.
الرهانات الروسية في المنطقة : تأسيسًا على كل ما سبق يمكن إجمالًا تلخيص الرهانات الروسية في العناصر الآتية:
1 - تأمين الأمن والاستقرار في المنطقة نظرًا لحساسية الجوار الجيوبولتيكي.
2- خلق مناخ ملائم للتجارة والأنشطة والمبادلات الاقتصادية.
3 - خلق مناخ غير عدائي، بل صديق ومتعاون.
4 - الحيلولة دون وقوع أي بلد من بلدان كومنولث الدول المستقلة في حظيرة الهيمنة التابعة لأي قوة دولية أو إقليمية ثالثة.
5 - منع أي تحرك أو عمل عدائي موجه ضد روسيا من داخل أي دولة من دول الكومنولث.
6- توفير وضمان القدرة اللازمة والسريعة للتدخل بهدف الحفاظ على سلامة حدود دول الكومنولث.
7- حماية الأقليات الروسية المنتشرة في الدول المعنية.
8 - الحيلولة دون تصاعد أنشطة تهريب المخدرات والأسلحة والهجرة غير المضبوطة للأفراد.
9 - مقاومة المد الأصولي الإسلامي، ومحاصرته إعلاميًا وأيديولوجيًا واستراتيجيًا بالتعاون مع الدول المعنية ومن خلال تحييد العامل الإيراني.
ثانيًا : أمريكا:
1 - الأصول النظرية:
لفهم أبعاد السياسة الأمريكية في المنطقة من المناسب التذكير بالأصول النظرية للسياسة الخارجية الأمريكية على نحو مختصر، وذلك لربط الجوانب المبدئية الأساسية في التصور الدولي للولايات المتحدة بسلوكها السياسي والاستراتيجي في منطقة كانت إلى عهد قريب جزءًا من التراب الوطني لخصمها التاريخي الاتحاد السوفييتي السابق.
«تقوم السياسة الخارجية الأمريكية على مبادئ أساسية متعارف عليها وأخرى خاصة بطبيعة المجتمع السياسي والاقتصادي الأمريكي وهذه المبادئ هي :
أولًا : المحافظة على الاستقلال والأمن.
ثانيًا : السعي نحو التأمين والمحافظة على المصالح الاقتصادية «خصوصًا مصالح المجموعات الاقتصادية ذات النفوذ داخل الولايات المتحدة».
ثالثًا : سياسة المساعدات الاقتصادية ذات الأهداف المتعلقة بالمصالح السياسية والاقتصادية والأيديولوجية أي المصالح المرتبطة بإشاعة وتوسيع الدعاية السياسية والأيديولوجية الوطنية داخل الدول الأجنبية من خلال تدعيم وسائل وأشكال التبادلات الثقافية والعلمية التي من شأنها الإسهام في بلوغ الأهداف ذات العلاقة» (10).
وهكذا فإن هذا البعد الثالث هو البعد الأبرز في السلوك السياسي الأمريكي إزاء المنطقة على الأقل، هذا ما يؤكده نائب وزير الخارجية الأمريكي في خطاب هو الأشمل حول الموضوع حسبما نبه إلى ذلك مركز آسيا الوسطى والقوقاز الذي القى في إطار أنشطته ذلك الخطاب (11)، يقول ستروب تالبوت: «منذ اعتلى فريق كلينتون سدة الحكم في الولايات المتحدة كان خطابه واضحًا إزاء دول المنطقة؛ بقدر تقدم تلك الدول في اتجاه الحريات السياسية والاقتصادية. وفي اتجاه المصالحة الوطنية والدولية ستكون الولايات المتحدة إلى جانبها». (12)
2 – أبعاد الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة :
وحسب تحليل تالبوت فإن للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة أربعة أبعاد:
أ- تطوير الديمقراطية.
ب- خلق اقتصادات السوق الحرة.
ج- احتضان السلم والتعاون داخل وبين دول المنطقة.
د- إدماج دول المنطقة في منظومة المجتمع الدولي.
أ – تطوير الديمقراطية :
بخصوص البعد الأول فإن المصطلح والمفهوم يبدوان جديدين تمام الجدة على دول ظلت عقودًا تحت نير نظام شمولي في كل شيء، ثم إن فجائية الاستقلال والحاجة إلى مرحلة انتقالية لتثبيت أسس الدولة الوطنية وضعت تلك الدول أمام تحديات كبرى بفعل ضحالة الثقافة السياسية الديمقراطية من جهة، وحساسية التكوينات الديمو إثنوجرافية للمجتمعات من جهة ثانية.
إن تلك الدول لم تكن مستعدة أو كانت استعداداتها سيئة على الأصح لتقبل فضائل العملية الديمقراطية، بل إن الديمقراطية نفسها أصبحت حسب تالبوت «عقبة أمام الانتقال الديمقراطي».
وإن كان نموذج انتخابات جورجيا على عهد شيفر نادرة كذبت تلك التوقعات، غير أن الصورة في الدول الأخرى «مختلطة»، بتعبير «تالبوت» فعلى الرغم من تنظيم قرغيزستان لانتخابات تعددية فإنها شنت متابعات جنائية ضد نقادها ومعارضيها بينما جرت خروقات كثيرة لحقوق الإنسان في الدول الأخرى. وقد قامت الولايات المتحدة في سبيل تطوير الديمقراطية وحقوق الإنسان بالتوجه نحو مؤسسات المجتمع المدني والسياسي من منظمات حقوق إنسان ومنظمات محامين.. وكذا نحو الأحزاب لإبرام عقود شراكة وتعاون بهدف تقديم الخبرة والمشورة والتدريب، وأعلنت أنها تعتبر الديمقراطية والسوق الحرة شرطين للتطور الاقتصادي، أي أن إقامة حكم القانون هو الذي من شأنه جذب الاستثمار الأجنبي.
ب - البعد الاقتصادي :
بخصوص هذا البعد، فإن الولايات المتحدة اتجهت إلى أرمينيا وجورجيا «الدولتين المسيحيتين ضمن مجموعة دول آسيا الوسطى والقوقاز!» والحجة أنهما تقدمتا أكثر من غيرهما في جهود الإصلاح الاقتصادي والضريبي والتخصيص. وتأتي بعدهما قرغيزستان وكازاخستان أما الدول الأخرى فإنها تواجه صعوبات في الطريق نحو اقتصادات السوق الحرة. «وقد أنفقت الولايات المتحدة بين 1992م و1997م حوالي 202 مليار دولار من المساعدات لدول القوقاز وآسيا الوسطى خصصت معظمها لسد الحاجات الإنسانية، وكذا دعم استيعاب ومساعدة اللاجئين في المنطقة».
كما تعمل الولايات في إطار منظمات سياسية ومالية مختلفة كمنظمة أوروبا للأمن والتعاون وصندوق النقد الدولي في سبيل ما تسميه تطوير ودعم الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية، وذلك من خلال دعم سياسات الإصلاحات الضريبية وربط اقتصادات دول المنطقة ضمن برامج. واستراتيجيات البنك الدولي ومجلس أوروبا والاتحاد الأوروبي، وقد تجسد ذلك أيضًا في تشجيع انخراط كل من أرمينيا وجورجيا وقرغيزستان وكازاخستان في حظيرة منظمة التجارة العالمية نهاية 1998م.
وقد قدمت أمريكا – حسب تالبوت - مساعدات تقنية ومالية لتمكين دول آسيا الوسطى والقوقاز من تجاوز الآثار الكارثية الناجمة عن مشكلة بحر الأورال البيئية. وتستهدف السياسة الأمريكية إزاء المنطقة محاربة انتشار الأسلحة وتهريب المخدرات والجريمة المنظمة وذلك ضمن إطار مقاربات إقليمية المقاومة تلك الآفات العابرة للحدود. وهو ما يقودنا إلى البعد الثالث للسياسة الأمريكية.
ج - البعد الأمني الاستراتيجي :
تسمى الإدارة الأمريكية تدخلها في المجال الأمني الاستراتيجي في منطقتي آسيا الوسطى والقوقاز التزامًا، وقد تجلى هذا الالتزام في مشاركة القوات الأمريكية ضمن المجموعة العسكرية المتعددة الجنسيات من المنطقة، وتتلخص المساعدة الأمريكية في تقديم خبرات مسح الألغام وتوزيع المساعدات الإنسانية وحفظ السلام. وتنفي الولايات المتحدة خوض أي منافسة مع القوى الإقليمية فيما يتعلق بالرهانات الجيواقتصادية المتمثلة أساسًا بالبترول والموارد الطبيعية الأخرى التي تزخر بها المنطقة وعلى رأسها أذربيجان، ولئن حاول تالبوت نفي هذه الحقيقة من خلال تركيزه على المستقبل «القرن 21» بدل الماضي «القرن 19.. مفهوم اللعبة الكبرى ظهر في نهاية القرن 19 وهناك عدد من الباحثين يطلق هذا الوصف على الصراع الجيواستراتيجي حول ثروات المنطقة» وقد عززت تلك الحقيقة سلوكات الولايات المتحدة إزاء إيران وإلى حد ما روسيا.
وقد تدخلت الولايات المتحدة فيما يتعلق ببؤر النزاع في ثلاثة نزاعات:
النزاع الأرميني الأذري حول ناجورنو كاراباخ من خلال منظمة الأمن والتعاون الأوروبية وعبر مؤتمر مينسك ومن خلال أيضًا إرسال مبعوث أمريكي هو لين باسكو.
إلا أن التدخل الأمريكي كان لصالح أرمينيا التي لها جماعة ضغط في أوساط الكونجرس نجحت في سن قانون رقم 907 عنوانه قانون دعم الحرية يمنع بموجبه على الإدارة الأمريكية تقديم أي دعم لحكومة أذربيجان مع العلم أن هذه الأخيرة هي المتضررة من الصراع وهي التي فقدت 15% من أراضيها وهجر حوالي 11% من سكانها أي ما يعادل 800 ألف أذري.
وقد اعترف تالبوت في خطابه بمساوئ القانون الذي حد من قدرة أمريكا على التأثير في صياغة القرار الأذري في أواسط التسعينيات «القانون صدر سنة 1992 م إثر الحصار الأذري لأرمينيا وردًا على غزو هذه الأخيرة لأراضيها» إلا أننا نستدرك هنا أن أذربيجان برئاسة حيدر علييف عاودت الاتصال والتنسيق مع الولايات المتحدة معتمدة على ثرواتها كوسيلة جذب.
النزاع الجورجي - الأبخاري: دعمت أمريكا التسوية التي رعتها الأمم المتحدة وشجعت - حسب تالبوت- الرئيس شيفرنادزة على التشبث بالطرق الدبلوماسية في حل النزاع.
النزاع الطاجيكي : ساهمت الولايات المتحدة بشكل غير مباشر في رعاية الأمم المتحدة للتسوية التي أثمرت عدة اتفاقيات وتفاهمات انعقدت في كل كابل وطهران وموسكو.
وفي مجال التعاون الإقليمي تدعم الولايات المتحدة التوجهات التركية المتمثلة في الاستثمارات الاقتصادية في كل من أذربيجان وتركمانستان وفي ربط صلات شاملة ثقافية وسياسية وثيقة تحت لواء النموذج العلماني ضد النموذج العقدي الذي تحمله طهران وتناضل من أجله الحركات الإسلامية الموجودة في جميع دول المنطقة بما فيها القوقاز الشمالي الخاضع للولاية الجغرافية لروسيا.
غير أن الملاحظ يستنتج أن هذا التحالف التركي الأمريكي أنتج تحالفًا مقابلًا هو التحالف الروسي - الإيراني بسبب حذر روسيا من تغلغل تركيا في المنطقة وهو ما توافقها عليه إيران.
وبخصوص السياسة الأمريكية إزاء روسيا وتخوفاتها فإن الولايات المتحدة تعتقد أن التخوفات الروسية مردها لروسيا ذاتها نظرًا لهويتها التاريخية والحالة النفسية الانتقالية التي تمر بها ولعقيدتها الجيواستراتيجية التي تحدد قوتها وسلطانها الإقليمي مع ضعف اهتزاز ودونية الدول الأخرى الإقليمية إزاءها.
وفي هذا الاتجاه تنحو السياسة الأمريكية نحو ترسيخ وتعميق النزعات الاستقلالية والاعتماد الذاتي لدول مجموعة كومنولث الدول المستقلة، وتعتقد أمريكا أن على روسيا أن تعيد تحديد مكانتها ودورها كقوة عظمى بالنظر إلى المستقبل وليس بالنظر إلى ما كانت عليه في الماضي؛ وذلك بالتمييز والمقارنة الإيجابية بين ثنائيات «الوطنية والتوسعية – الاعتزاز الوطني بالذات والإضرار الوطني بالآخرين– الجار الكبير والجار الحسن».
هـ - الاندماج في المجتمع الدولي:
إن سياسة الولايات المتحدة مع دول المنطقة بما فيها روسيا تستهدف الإدماج في المجتمع الدولي، لكن ليس أي إدماج؟ إنه الإدماج وفق تصور الإدارة الأمريكية، إدماج دول مسؤولة عالميًا واقليميًا ووطنيًا، وهذه المسؤولية تتحدد وفق التوصيف الأمريكي في المصالحة والإصلاح والاستقرار الإقليمي؛ بما فيها العلاقات في إطار كومنولث الدول المستقلة فأمريكا ضد استخدام الكومنولث حصان طروادة للاستقواء على الآخرين وبالأخص أمريكا نفسها.
وتعتبر الولايات المتحدة وجودها ونفوذها في المنطقة ضمانة الإدماج الإيجابي لدول المنطقة في حظيرة المجموعة الدولية. وفي هذا الاتجاه فإن الولايات المتحدة تفضل التدخلات الاقتصادية والحقوقية والإغراءات المالية في إطار منظمات غير حكومية ومجموعات رجال الأعمال والمستثمرين. ومن جهتنا نلاحظ أن الولايات المتحدة اتخذت مسارًا متغايرًا ومتدرجًا في التزامها إزاء المنطقة فقد التزمت الصمت على سياسات روسيا في جوارها القريب بموجب تفاهم جيواستراتيجي «الشراكة من أجل السلام» ثم أخذت في النصف الثاني من التسعينيات تتدخل بشكل أكبر يدل على ذلك حضورها العسكري وكذا تصاعد ضغوطها السياسية والإعلامية على بعض دول المنطقة، كما أنها نهجت نهجًا متناقضًا في بعض الحالات فهي ضد الدكتاتورية وفي الوقت نفسه لم تفعل شيئًا ضد حكومة أوزبكستان السلطوية، وفي الوقت نفسه تقول إنها ترعى المصالحة والاستقرار والاندماج وحرية التجارة مع أنها تحاصر إيران وتضغط على شركاتها من أجل رفض خيار أنبوب النفط الذي يمر عبر الطريق الإيرانية رغم أنه الأمثل اقتصاديًا والأفضل أمنيًا وماليًا!
ثالثًا : القوى الإقليمية الأخرى :
كما تعلمنا الصورة الأفغانية التي تتسم بكون مواقف الدول الإقليمية «باكستان، إيران، روسيا» جزءًا لا يتجزأ من المشهد الأفغاني بالنظر للرهانات الكامنة وراء مسألة «من يحكم أفغانستان؟» وهي رهانات تتراوح بين الأمني والاستراتيجي والاقتصادي، فإن دول آسيا الوسطى المستقلة ومعها دول القوقاز الثلاث تشكل موضوعًا لتنافسات ومناورات القوى الأقليمية الأخرى المتمثلة أساسًا في إيران وتركيا وباكستان.
1– إيران وتركيا :
بسبب العوامل الجغرافية والتاريخية والثقافية توجد إيران في موقع متميز إزاء آسيا الوسطى، فهي متاخمة لأذربيجان وتركمانستان. كما أن لإيران صلات ثقافية ضاربة في التاريخ خلال ما يقرب من ألفي عام، بحيث كان لإيران الدور الثقافي الرئيس في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، وكان بعض أنحاء هذه المنطقة موضع نزاع بين الفرس والأتراك «القرن 16» ثم بين الفرس والروس «القرن 18 و19» كما كانت شعوب المنطقة تتحدث اللغة الفارسية قبل أن يتم تتريكها، لكن بقي التراث الفارسي عميقًا في المنطقة، كما تشترك إيران ديموجرافيًا في إحدى القوميات، حيث يوجد بإيران نحو تسعة ملايين إيراني أذري لا يمكن تمييزهم عن ستة ملايين يمثلون القومية السائدة في جمهورية أذربيجان، وكذلك فإن قطاعًا من شعب أفغانستان كان قد فصل عن روابطه الطبيعية مع آسيا الوسطى السوفييتية «سابقًا» عبر نهر أموراديا، الذي يكون معظم الحدود بين أفغانستان والاتحاد السوفييتي «السابق» (13).
ورغم أن تركيا لا تملك حدودًا مباشرة مع الشعوب المنحدرة من أصل تركي الواسعة الانتشار في آسيا الوسطى والقوقاز، فقد عوضتها أوزبكستان الجمهورية الأكثر نموًا من حيث العامل الديموجرافي «ما يزيد على 20 مليونًا» والتي تشكل نوعًا من «الجامع التركي» بين شعوب المنطقة. ولئن كان لإيران مصالح جيوسياسية وثقافية مفهومة وهي تعمل جاهدة لترسيخها برغم العداء الأمريكي التركي، والحذر من بعض النخب العلمانية القومية، فإن تعاونها مع روسيا من جهة أكسبها موطئ قدم في طاجيكستان، كما أن تحولها السياسي الأيديولوجي التدريجي يعطيها من جهة ثانية موقع جذب جديد للنخب التواقة إلى التوفيق بين الأصالة التاريخية والثقافية من جهة والمعاصرة المتمثلة في التجديد السياسي الديمقراطي وإشاعة مفاهيم المجتمع المدني وحكم القانون من جهة أخرى. ناهيك عن كون إيران تتوافر على مقومات مد أنابيب النفط والغاز من بحر قزوين إلى الشرق الأوسط وأوروبا .
ومع أن طبيعة السياسة الإيرانية السابقةمضافًا إليها الحملة الإعلامية والأيديولوجية المنسقة بين أمريكا وتركيا والكيان الصهيوني عرقلت إلى حد ما استراتيجيات إيران في المنطقة فإن حتميات الجغرافيا والثقة المتصاعدة في النظام الإيراني يضعها في موقع الممر الضروري ضمن رهانات المنطقة الجيواستراتيجية والجيواقتصادية.
أجل إن إيران تواجه عوائق مذهبية «جل المسلمين في المنطقة موضوع البحث سنيون» وعوائق القدرة المالية على الاستجابة لتطلعات دول المنطقة في التنمية وتدفق الاستثمارات والخبرة التقنية، وهناك أيضًا مخاوف من عدم الاستقرار العرقي في أفغانستان ومضاعفاته الأمنية على التوازنات الإيرانية، كما أن هناك خشية من تطلع القوميين الأذريين إلى أذربيجان كبري تجمع جمهورية أذربيجان بأشقائهم في العرق في محافظة أذربيجان الإيرانية (14).
أما تركيا فإنها تقدم نفسها كنموذج حداثي متجه نحو أوروبا ومتحالف مع أمريكا التي تتطلع إليها دول المنطقة كقوة حماية ومساعدة من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، إلا أن لتركيا قيدًا من جنس عصر الجذب الذي تتمتع به! إنه العامل العرفي التركي الذي يثير حذر الجمهوريات من سيطرة وتمدد تركيين في المنطقة تحت عباءة «الجامعة التركية».
إن القرب الجغرافي والتماثل العرفي كما هو عصر تفصيلي فإنه أيضًا عنصر تنفيري أو أقله تهديدي، وتتمتع إيران بعلاقات قوية مع كل من روسيا وطاجيكستان وأرمينيا «التي دعمتها مع أنها مسيحية لفك حصار أذربيجان المسلمة عليها» وتركمانيا «قامت بعقد اتفاقيات تعاون اقتصادي بما فيها عقد من أنابيب النفط التركماني عبر إيران» حرصت إيران منذ البداية على تأمين حصلها في بحر قزوين.
وأبرمت ايران تحالفًا قويًا مع روسيا ودعت الجمهوريات السوفييتية إلى الإبقاء على روابط الاتحاد السوفييتي والتنسيق مع روسيا (15)، كما أن إيران لا تؤيد انفصال الشيشان عن روسيا! ولا تقوم بأي عمل من شأنه تهدید مصالح روسيا في المنطقة وخاصة لجهة الامتناع عن تدعيم الحركات الإسلامية المقاتلة؛ وهو ما تقابله روسيا باستمرار بمواصلة تعاونها العسكري مع إيران من جهة وإبداء التحفظات على التورط التركي في المنطقة من جهة ثانية وهو ما عبر عنه السفير الروسي في تركيا بقوله: «إننا نود أن تكون علاقة تركيا مع الجمهوريات علاقة الشقيق، وليس المثير لنزعات عنصرية» (16).
إلا أن إيران بدورها تواجه الضغط الأمريكي المتجه إزاء روسيا من جهة وإزاء الجمهوريات من جهة أخرى، فهي «أي أمريكا» تخيفهم مما تسميه النموذج الثيوقراطي، وتستخدم الوعيد والتهديد ضد الدول التي ترغب في التقرب مع دولة «خارجة عن القانون، تدعم الإرهاب وتصدر الأصولية المتطرفة وتسعى للتزود بالأسلحة المحرمة عن طريق التهريب والإغراء الموجه للجمهوريات وخصوصًا تجاه المهندسين النوويين المنتمين إلى المنطقة».
والرد على ذلك فإن إيران تعتمد استراتيجية (17) تقوم على صيانة المثلث الاستراتيجي: الأمن، الطاقة، القوة التسليحية، وتقديم صورة مغايرة للدعاية التركية الغربية والأمريكية أولًا من خلال عرض التطور السياسي الذي تشهده إيران بكونه يمثل نموذجًا للديمقراطية والمشاركة بعيدًا عن الإملاءات الغربية وفي الوقت نفسه تقديم دورها في حل نزاعات آسيا الوسطي عربون حسن نية، كما تعتمد إيران خطًا سياسيًا يستند إلى الجيوبولتيك وليس دائمًا إلى الأسبقيات العقائدية كما يدل على ذلك موقفها المدهش من حصار أذربيجان المسلمة لأرمينيا المسيحية حيث ساهمت في فك الحصار عن الثانية وهو عمل قدم دعاية مضادة للدعاية الغربية عن الطابع الأولى المتطرف للسياسات الإيرانية.
كما أن إيران تدافع على وضعية البحر المشترك بالنسبة لقضية قزوين الذي تشاطئه دول أخرى، وهي موزعة بفعل موقعها الجغرافي المتميز بين أمن آسيا الوسطى والقوقاز وأمن الخليج «لأن لإيران أيضًا منافع حيوية في الخليج، وبالتالي يتمتع بأهمية فائقة بالنسبة إليها، وإن أي نزاع يجري يبعث القلق في نفسها، وتكمن أفضل صورة للخليج في نظر إيران، في جلعه ممرًا مائيَا دوليًا لجميع البلدان». (18)
ولعل هذا ما سيفتح الطريق جنبًا إلى جنب مع دور إيران في آسيا الوسطى لبحث إمكانات ومحاولات استكشاف آفاق التطبيع بين أمريكا وإيران، وهو ما تحاوله إدارة كلينتون منذ 1999م من خلال جملة من الإشارات قاعدتها «لقاء لمصالح» بين الدولتين في كل من آسيا الوسطى والقوقاز من جهة وفي الخليج من جهة ثانية!
ويمكن القول إن إيران فرضت وجودها كوسيط ولاعب أساسي في المنطقة، فهي لا تتدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول ولم تقدم مساعدات مادية أو لوجستيكية للحركات الإسلامية المقاتلة، يقول أحد زعماء حركة النهضة الإسلامية الطاجيكية: «سمعت كثيرًا عن تورط إيران في حركة الإسلام السياسي في آسيا الوسطى ولكنني لم أعثر على أي علامة أو أثر مع الأسف، إن إيران ترفض عمومًا التدخل في شؤون آسيا الوسطى» (19)، وقد استفادت إيران من سلوكها هذا في تكثيف علاقاتها مع تركمانستان التي تجمعها بها علاقات إثنية وتاريخية، فقد كانت أول سفارة فتحت لإيران في آسيا الوسطى في تركمانستان في حين لعبت إيران دورًا نشيطًا في أذربيجان لصد أي توجه طوراني.
إن الحديث عن خطر إسلامي أصولي تسانده إيران وينطلق من طاجيكستان هو عبارة عن أسطورة تروجها أقلام غير قليلة من الكتابوالصحفيين على الرغم من الحقائق». (20)
2 - باكستان:
إن الحلم الذي ظل يداعب أذهان ومخيلات صناع القرار في إسلام أباد ردحًا من الزمن دون تحقيقه يتمثل في «طريق الحرير بين الصين وآسيا الوسطى»، ولعل هذا الحلم هو الذي يشكل قاعدة فهم التشبث المستميت بالدور الأساسي في الساحة الأفغانية ومن ثم كسب مفتاح الطريق - الحلم، لكن الفشل في حل الأزمة الأفغانية يعطل تحقيق هذا الحلم.
ويمكننا بعد هذا العرض أن نلخص مواقف الأطراف المعنية في النقاط التالية:
بالنسبة لروسيا فإن من الواضح أنها لا تريد أن تعطي انطباعًا بكونها «رجل أوروبا أو آسيا المريض»، وهي تحاول بكل الوسائل أن تبقي على مكانتها الدولية إزاء الولايات المتحدة والحلف الأطلسي من خلال إبداء الممانعة إزاء تمدد هذا الأخير، وفي الوقت نفسه فإنها تستميت في محاولاتها منع تحول الاستقلال الحديث للدول التي تعتبرها داخلة في منطقة نفوذ حيوية بالنسبة لها، إلى استقلال فعلي حقيقي، وتحرر واسع قد تعتبره مقدمة لفتح باب التغلغل الأطلسي للاقتراب من حدودها في الوقت الذي تعمل فيه جاهدة لمواجهة «عربدة» الحلف الأطلسي في البلقان وتوسعه المتواصل في أوروبا الشرقية.
2 - بالنسبة للولايات المتحدة، فإنها اتبعت استراتيجية متدرجة ومرنة، هي مهمومة بمشكلة «من يحكم روسيا»، أولًا، وهذا محدد أساسي بالنسبة لاستراتيجيتها، وهي ثانيًا أخذت تتغلغل تدريجيًا ودون إثارة غضب روسيا في المنطقة، وهي ثالثًا حاربت الدور الإيراني وتعمل على فك الارتباط الاستراتيجي بينه وبين الدور الروسي، أقله على مستوى التسليح العسكري الاستراتيجي.
إن الولايات المتحدة تريد تحويل تغلغلها الاقتصادي ومساعداتها «الأمنية»، إلى وجود استراتيجي «مرضي عنه» من قبل الجميع بمن فيهم روسيا، ولكنها تواجه تحديًا إيرانيًا قويًا، تحاول تحييده ولا تزال بالترهيب والترغيب.
3 - بالنسبة لتركيا وإيران: فقد لاحظنا أن المراهنة الأمريكية الأطلسية على تركيا لم تحقق نجاحًا كبيرًا ليس فقط بسبب عدم قدرة الأولى على لعب الدور الموكول لها، الذي لا يخدم بالضرورة مصالحها القومية بل لأن إيران نفسها ساعدت على إحراج ذلك التحالف وإفراغه من مضمونه الجيواستراتيجي.
4 – أما بالنسبة لباكستان فإن طموحاتها في المنطقة مرتبطة إلى حد بعيد بالطريقة والنهاية التي ستنتهي إليها الأزمة الأفغانية؛ ففي الوقت الذي تعتبر فيه أفغانستان معبرًا باكستانيًا إلى آسيا الوسطى والقوقاز فإن تسوية الأزمة شرط ضروري، ولكن هذه التسوية تتأخر بفعل عدم تعاون أو رفض الأطراف الأخرى المعنية «روسيا وجمهوريات آسيا الوسطى المجاورة – إيران»، القبول بهيمنة باكستانية على القرار الأفغاني.
الهوامش
(1) جوني«علي»: «اتجاهات»: نشرة شؤون الأوسط، عدد 27 مارس 1994م، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت، لبنان ص 105 – 111.
(2) Brzezinski Zbigniew: "the premature partner- ship" Foreign affairs, March april 1994. P73. .
(3)Ibid: pp 73-74 .
(4)Kkozeyre«Andrei»: Rossyskaya Gazeta, December 7, 1993.
(5)Russian Strayegic report, Moscow, 1994.
(6) Shuvalou «Konstantin»: "the role of russia (1) in a changin world", International instituta for caspian studies, september, 1 1999. Cau- sasus www virtual library. Australian nation al University
Nezvisimaya gazeta october21, 1997. (7)
(8) 1997 ,Postfactum october 22,
(9) وكالات الأنباء الدولية 14 - 16 سبتمبر 1997م.
(10)Sapin (Burton M): The Making of united (1.) states forgcin policy, New york: praegor for the brookkings institution, 1966. P48
(11) Talbot «Strobe»: "American policy in theCaucasus and central Asia" Adress delivered at the central asian institue; the johns hop-Kins university, july 21.1997.
(12)Ibid .
(13)Fuller «Graham E»: "the)emeregence of ) central Asia. "foreign Policy", N 78, Spring 1990,pp42—51.
(14) مجلة مستقبل العالم الإسلامي، الملف، مرجع سابق، ص 227 – 231.
(15) صرح نائب وزير الخارجية الإيراني سنة 1991م بما مفاده: «كنا نهتف بالموت للاتحاد السوفييتي، واليوم بعد سقوط الشيوعية لا نطلب له الموت بل نحن حريصون على وحدته إلى أقصى حد» جريدة «السفير»، بيروت 26/10/1991م.
(16) The éconormist September 27.1991.
(17)Les Cahiers de L'Orient. "La strategie Iraniénne en Asic centrale" 30/12/1998.
(18) حول سياسة إيران الإقليمية في الخليج تراجع الدراسة المتميزة للأكاديمي الأمريكي البارز من أصل إيراني هوشنك أمير أحمدي «سياسة إيران الإقليمية»، مجلة اطلاعات الإيرانية سبتمبر 1993م، مترجم إلى العربية في شؤون الشرق الأوسط عدد 27 مارس 1994م. ص: 2006.
(19)Karam (patrick): "L'iran en Asie cen- trale: Real Politique contre Messianisme isla-
Mique" les cahiers de l'orient.
(20) Ibidem.