; هل بدأ العرب مسيرة جديدة من التنازلات؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل بدأ العرب مسيرة جديدة من التنازلات؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أغسطس-1996

مشاهدات 77

نشر في العدد 1211

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 06-أغسطس-1996

تلوح في الأفق علامات مسيرة جديدة من التنازلات التي يمكن أن تقدمها بعض الأطراف العربية إلى إسرائيل، على غرار ما تم تقديمه من تنازلات من قبل نالت من سيادة العرب وهيبتهم وعزتهم، ومكنت الصهاينة من أرض فلسطين الطاهرة المباركة.

فبعد وصوله إلى الحكم في إسرائيل أعلن بنيامين نتنياهو أن العرب سوف يتكيفون مع برنامجه المتشدد، وسوف يقبلون بكل ما فيه ابتداء من إعلانه بأن القدس عاصمة أبدية وموحدة لليهود، ومرورًا بقضايا كثيرة من أهمها سياسة الاستيطان التي اختار لها مجرم الحرب آرييل شارون لتنفيذها، وانتهاء بإعلانه عدم الانسحاب من الجولان أو الخليل، أو أية أرض تدخل في نطاق أرض إسرائيل– على حسب زعمه-.. وفي البداية قوبل برنامَج نتنياهو بالوجوم والصدمة ممن انزلقوا في مسيرة التنازلات مع إسرائيل، فيمَا خرج علينا بعض العرب المؤيدين لإسرائيل يعلنون- في خداع واضح لأمتهم- أن نتنياهو رجل سلام، شانه في ذلك شان باقي الصهاينة الذين سبقوه، وأن برنامجه ليس سوى لإرضاء اليهود المتعصبين، لكن نتنياهو أكد على برنامجه بوضوح، واستقبل في الولايات المتحدة استقبال الفاتحين، ووجد من الترحيب والتصفيق في الكونجرس ما لم يحصل عليه حتى أي رئيس أمريكي من قبل، وحينما أعلن في الكونجرس أن القدس هي العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل، وقف جميع أعضاء الكونجرس، وظلوا يصفقون بشكل متواصل عدة دقائق، في دعم واضح لنتنياهو وبرنامجه.

ونجحت زيارة نتنياهو، وفشل العرب حتى في تحديد ما يردون به عليه، وفوجئ الجميع برئيس الوزراء الأردني بعدما كان في زيارة لمصر يزور إسرائيل فجأة، ويجتمع مع نتنياهو قبيل زيارة الأخير للقاهرة؛ ليحدد معه مستوى اللهجة التي يتحدث بها في القاهرة؛ حتى يخدع العرب، وذلك حسبما ذكرت صحيفة الشرق الأوسط مؤخرًا، نقلًا عن صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، حيث إن الكباريتي قدم نصائحه لنتنياهو حتى يستطيع نتنياهو أن يحصل على شهادة حسن سير وسلوك من العرب، وهذا ما حدث بالفعل، فسرعان ما رجع نتنياهو فائزًا من القاهرة، كما رجع قبلها فائزًا من واشنطن، وكان أكبر ما حصل عليه من نتائج من زيارته للقاهرة هو الثناء عليه، وطمأنة العرب منه، والأشد خطورة من ذلك هو إعلان الرئيس المصري «بأن القدس يمكن التفاهم بشأنها بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأنه من الصعب بناء سور يفصل شطري المدينة»، وقد أثارت هذه التصريحات التي كررها الرئيس المصري في واشنطن في الأسبوع الماضي ردود فعل واسعة النطاق حول مغزاها، وما الذي ترمي إليه، فالقدس لم تكن قضية الفلسطينيين وحدهم من قبل، وإنما هي قضية كل المسلمين، والمسلمون لم يخولوا أحدًا أن يتحدث باسمهم، ويقدم هذه التنازلات الأليمة المهينة لواحدة من أهم مقدسات المسلمين.

وإن هذه التنازلات مرفوضة رفضًا تامًا لدى الشعوب الإسلامية، التي تأبى أن تتنازل عن مقدساتها؛ لأن ذلك مخالف لدينها وعقيدتها وإبائها.

كما أن هذه التصريحات هي تصريحات جديدة بالنسبة للموقف العربي، وهذا ما دفع نتنياهو أن يثني على الرئيس المصري، ويعلن في المقابل أنه سوف يضغط على اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة حتى يستمر تدفق المساعدات الأمريكية إلى مصر، ورغم محاولات وزير الخارجية المصري أن يبرر التصريحات الجديدة فيمَا يتعلق بالقدس، إلا أن إسرائيل اعتبرتها تنازلًا واضحًا، وعاد نتنياهو لليهود من القاهرة بمكاسب لا تقل عن المكاسب التي حققها من زيارته لواشنطن.

ففيما لم يتنازل نتنياهو عن شيء، حتى في حديثه عن الضفة الغربية وغزة حينما تحدث عنهما بمفهومهما التوراتي «يهودا والسامرا»، فقد حقق أول انتصار له على العرب؛ ليضمها إلى مسيرة التنازلات والانتصارات التي بدأت بزيارة السادات إلى تل أبيب عام ۱۹۷۷م، ومرت بكامب ديفيد، ومؤتمر مدريد، واتفاقية أوسلو، واتفاقية وادي عربة، ثم التنازل عن الأراضي والمقدسات.

لقد أصبح مصير ۲۳۰ مليون عربي، وأكثر من مليار مسلم مرهونًا بما يقرره نتنياهو، وأصبحنا نشعر أن الحكومات العربية قد ضاعت منها أهدافها، وفقدت أي بعد استراتيجي فيمَا يتعلق بما يسمى بمسيرة السلام في المنطقة، وأن العرب قد وصلوا حتى إلى المرحلة التي لا يستطيعون أن يقولوا فيها لا، أو يتراجعوا عما قدموه من تنازلات، وأن الصهاينة هم الذين يباركون الدعم الأمريكي الآن لبعض الدول العربية ويدعمونه، في مقابل ما يحصلون عليه من تنازلات وصلت إلى واحدة من أهم مقدسات المسلمين.

إن الاستمرار في هذه المسيرة المهينة، ورهن مقدسات الأمة ومقدراتها بمطالب نتنياهو، ومطامع شارون، وخطط حاخامات اليهود، سوف يحول العرب إلى أمة ذليلة ليس لها ذكر في العالمين.ـ

وإذا كانت الحكومات مرهونة بالضغوط وفقدان القدرة على تحديد الأهداف والمطالب؛ فإن الشعوب المسلمة تستطيع أن تفعل الكثير لإيقاف ذلك السيل الجارف من المد الصهيوني، والتسلط اليهودي، فالمقاطعة الشعبية العربية لكل ما هو إسرائيلي يجب أن تكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، وإذا كان ديننا يحذرنا من اليهود، ويؤكد علينا أنهم أعداء الله وقتلة الأنبياء، فإن كراهيتهم وكراهية من يوالونهم ويؤيدونهم تصبح واجبا على كل مسلم، ومقاطعتهم تصبح ضرورة هامة للمفاصلة بينهم وبين المسلمين، وإذا كان الله- سبحانه وتعالى- قد ربط خيرية هذه الأمة على العالمين بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، فإن إنكار سيطرة اليهود على أرض فلسطين ومقدساتها هو فرض على الأمة بكل فئاتها، وإذا كان الله- سبحانه وتعالى- قد وعدنا بأن النصر في النهاية هو حليفنا، فلم نعطي الدنية في ديننا؟ إنه وعد مكتوب وأمر نافذ، فتحركوا لإنجازه أيها المسلمون ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40)...

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل