; هل أصبحت قوة أمريكا عبئًا على مصالحها؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل أصبحت قوة أمريكا عبئًا على مصالحها؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2002

مشاهدات 66

نشر في العدد 1489

نشر في الصفحة 9

السبت 16-فبراير-2002

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي، أخذت السياسة الأمريكية تجاه العالم منحى جديدًا وخطيرًا، بعد أن سلمت دول كبرى مثل الصين وروسيا وفرنسا بالتفوق الأمريكي المنفرد، وهرع العديد من زعماء العالم إلى واشنطن الإعلان تبعيتهم غير المشروطة، خاصة بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي قولته: من ليس معنا فهو ضددنا.

بل إن روسيا التي كانت علاقتها مع واشنطن باردة بسبب برنامج الدرع الصاروخي، وكان من المتوقع لهذا السبب ألا تساهم مع واشنطن في حملتها الدولية، ولا تقدم لها التسهيلات لدى حلفائها في جمهوريات آسيا الوسطى، لم تتردد في تقديم مساعداتها لواشنطن بشكل أصبح يمثل خطرًا على وضعيتها وأمنها بحسب ما يرى بعض الاستراتيجيين الروس أنفسهم.

هذه المواقف التي اتخذتها الدول الكبرى والصغرى ومعها تبعية الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي لواشنطن، أمرت الولايات المتحدة بالتصرف بسلطة مطلقة دون اعتبار لتوصيات حلفائها أو رغباتهم، فأصبحت واشنطن هي التي تختار الشريك وهي التي تحدد له المهمة المنوطة به دون أن تترك له هامشًا للاختيار.

حدث هذا عند بدء الحملة العسكرية على أفغانستان وطريقة إدارتها، ونوع السلاح المستخدم فيها، وعند تشكيل القوات الدولية التي دخلت أفغانستان وعند نقل أسرى القاعدة وطالبان إلى قاعدة جوانتانامو، وطريقة معاملتهم التي أثارت انتقادات دولية حتى من أقرب حلفاء واشنطن، وعند طلب التعاون الاستخباري والمعلوماتي من مختلف الدول، وفرض أساليب معينة للتعامل مع المستجدات بشكل يكاد يكون قد أبطل عمليًا كل معاني السيادة الوطنية واستقلالية القرار.

بل إن واشنطن وضعت معايير ومقاييس يستحيل على العالم التعامل بها دون حدوث مشكلات لا تقل فداحة عما حدث في سبتمبر الماضي، ومن ذلك ما ذكرته صحيفة «واشنطن بوست» من أن مدير المخابرات المركزية الأمريكية جورج تينيت قد وسع مفهوم الإرهاب ليضم منظمات لم تستهدف أي منشآت أو مصالح أمريكية أو رعايا أمريكيين، ولكن بمجرد أنها انتقدت علانية الولايات المتحدة وعملياتها في أفغانستان وهذا يعني إلصاق تهمة الإرهاب بكل من يتجرأ على توجيه أي انتقاد للسياسة الأمريكية.

هذا الموقف بدأ يقلق حلفاء أمريكا الأقربين وانتقل إلى حيز العلن، فقد نقلت صحيفة «الجارديان» البريطانية عن «كريس باتن» مفوض العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي، اتهامه للإدارة الأمريكية بانتهاج سياسة خارجية مستبدة وتفتقر إلى الحنكة وأنه يتعين على الحكومات الأوروبية أن تمنع واشنطن من الاندفاع نحو التحرك بشكل منفرد.

وعن إعلان واشنطن عن «محور الشر» الذي يضم إيران والعراق وكوريا الشمالية شكك باتن- الذي كان رئيسًا لحزب المحافظين البريطاني-، في أن تكون الدول الثلاث قد شكلت محورًا في الأساس قائلًا: إنه لا توجد أدلة على أن هذه الدول تنتج أسلحة دمار شامل، وأضاف: إنني أجد صعوبة في تصديق أن هذه السياسة الأمريكية انتهجت بعد إمعان وتفكير.

ودعا المسؤول الأوروبي دول الاتحاد إلى تشكيل موقف خاص بها بشأن القضايا التي تتعلق بالشرق الأوسط وغيره.

وعلى المنوال نفسه، سار ليونيل جوسيان رئيس الوزراء الفرنسي، حيث حذر الولايات المتحدة من الاستسلام لمغريات النزعة الانفرادية القوية، أما وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين، فاعتبر أن للسياسة الأمريكية نظرة تبسيطية أحادية الجانب تختزل كل قضايا العالم في إطار الحرب الأمريكية ضد الإرهاب دون استشارة أي أطراف دولية وعلى أساس حماية المصالح الأمريكية فقط دون مراعاة الآخرين، ودعا فيدرين إلى معالجة جذور الإرهاب قائلًا: عليك أن تعالج الأسباب الكامنة في الجذور.. المواقف.. الفقر والظلم.

وكشف الوزير الفرنسي عن موقف أمريكي غاية في الغرابة تجاه العالم، إذ قال: هذه الرؤية الأحادية الاختزالية موجودة قبل أن يصل يوش، فالأمريكيون يرفضون قطع أي تعهدات في أي اتفاق دولي أو مفاوضات متعددة الأطراف، حتى لا يؤثر ذلك على سيادتهم وحرية تحركهم وفقًا لمصالحهم، ودعا فيدرين أوروبا لأن تتخذ قراراتها في وجه ما وصفه بالنفوذ الأمريكي.

ولا يقتصر الأمر على الأوروبيين فقد ظهرت الانتقادات داخل الولايات المتحدة نفسها، فقد قالت «مادلين أولبرايت» وزيرة الخارجية السابقة في مقابلة مع محطة «إن بي سي» الأمريكية يوم الأول من فبراير الجاري نقلتها عنها وكالة الأنباء الفرنسية إن كثيرًا من الناس في المجموعة الدولية والمجتمع الدولي يعتقدون أن أمريكا فقدت صوابها إزاء إدارتها الحالية للأوضاع الراهنة، وداخل الحزب الجمهوري الحاكم نفسه ظهرت أيضًا انتقادات، فقد أتهم السيناتور الجمهوري تشوك هاجل، أعضاء حكومة بوش باتخاذ موقف متعجرف من الحلفاء الأوروبيين واستخدام تعبيرات قد يكون لها عواقب وخيمة على الولايات المتحدة.

أما «جون دينجل» النائب في الكونجرس فقال في رسالة بعث بها للرئيس بوش بشأن القضية الفلسطينية إنه يشعر بالقلق من بعض بيانات الإدارة مؤخرًا التي تعكس الانحياز عدم العدالة وتعطي الانطباع بأن الولايات المتحدة تفشل في أن تكون وسيطًا نزيهًا.

أما الكاتب والصحفي الأمريكي نورمان ميلتر فقال: إن أمريكا مفتونة بنفسها بشكل مقزز إنها الدين الحقيقي لهذه البلاد واتهم ميللر اليمين الأمريكي الذي يمثله الحزب الجمهوري الحاكم بالاستفادة من أحداث 11 سبتمبر حتى إنه قال لو كنت من المؤمنين بنظرية المؤامرة نقلت أنه وراء الأحداث.

وبعد، فهذه مواقف صدرت من حلفاء أمريكا وأبنائها.. ولا لك أن كثيرين حول العالم ينتابهم القلق وتساورهم الشكوك حول السياسات الأمريكية وبخاصة في العالم الإسلامي، فعلى الرغم من التصريحات المعلنة للرئيس الأمريكي من أن الحرب ليست موجهة ضد الإسلام والمسلمين يلمس المسلمون في عموم أقطارهم للمحاولات المستمرة لتغيير مناهج التربية وتحويلها لوجهة علمانية صرفة وإغلاق المدارس الدينية ومدارس تحفيظ القرآن، والتضييق على العمل الخيري النظيف، والهيئات الخيرية في العالم الإسلامي، على الرغم من بعدها جميعًا عن الإرهاب وعلى الإدارة الأمريكية أن تتوقف عن هذا النهج لكي تثبت مصداقيتها فيما أعلنته في الأيام الأولى من أن الحرب ليست موجهة ضد الإسلام والمسلمين.

إن على الولايات المتحدة أن تبادر بمراجعة سياساتها وأن تنبذ تلك التوجهات الخطيرة التي أزعجت أقرب حلفائها، وأصبحت تهدد مصالحها في أكثر من مكان في العالم، وعلى الساسة الأمريكيين أن يدركوا أن عليهم أن يحسنوا استخدام القوة حتى لا تنفلت من بين أيديهم فقد ترتد فتصيب مصالح بلادهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4425

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

157

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان