; معالم على الطريق.. هلا انتهزنا الفرص السانحة! | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. هلا انتهزنا الفرص السانحة!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 21-أكتوبر-2006

مشاهدات 81

نشر في العدد 1724

نشر في الصفحة 36

السبت 21-أكتوبر-2006

كم من دروس انتهت ولم يستفد منها أحد، وكم من عبر مرت ولم تعها الشعوب اللاهية، وكم من فرص ضاعت ولم تتعظ بها الأمة، لا في ليلها ولا في نهارها، وكأن هذه الدروس والعبر والفرص تنادينا كل يوم ينشق فجره: يا مسلم، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة، ولكن لا مجيب.

 وكم من نعم أسبغها الله على عباده عمي عنها الناس ولم يستعملوها فيما خلقها الله من أجله، فضاعت ومرت، وسبقنا إليها غيرنا واستفاد منها سوانا ونحن نائمون وهذا يخالف شريعتنا وطبيعة تعاليمنا. قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ﴾ ( البقرة: 148 ) ، وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾  )آل عمران133:)، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ﴾ (الحديد21:)، وقد شاء الله سبحانه أن يعلمنا توجهات الأمم المتخلفة منها والسابقة، فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ﴾  (فاطر31:) والسابقون ما سبقوا إلا بطبيعة قادرة وعزم شديد؛ ﴿لأنهم يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ﴾ )المؤمنون:61)

هذا وقد نبهنا رسول الله إلى اغتنام الفرص، واقتناصها قبل فواتها، حيث قال: »اغتنم خمسا قبل خمس حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك وشبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك.«

إن قلب المؤمن يحس آلاء الله في كل نفس وكل نبضة، ويرقب نعمه بكل مشاعره وقواه، وهؤلاء هم الذين يسارعون في الخيرات، وهم السابقون لها فينالونها ويكونون في الطليعة بهذه اليقظة، وبهذا التوجه وبتلك الأعمال والإنجازات.

 تلك اليقظة التي يفرضها الإسلام على المسلم، ويستجيشها الإيمان بمجرد استقراره في القلوب. وهي ليست تكاليف فوق الطاقة ولقد شرع الله التكاليف وفق ما يعلم من استعداد النفوس وقدراتها ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ﴾ (الأعراف:42)، وإنما يتخلف المتخلفون، ويضل العاجزون لأن قلوبهم في غمرة عن الحقائق، وفي لهو عن الفرص والنعم، لانشغالها بالتافه واندفاعها في التيه والضياع، فلا تفيق مجتمعاتهم إلا على الهول لتلقى التوبيخ والتحقير الذي تستحق ﴿بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ  حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ﴾ (المؤمنون63:).

فالعلة ليست في صعوبة الاغتنام وإنما لأن قلوبهم في غمرة، ولا ترى الفرص أو الخيرات، ولهذا فهم دائمًا ينتبهون ويفيقون على الكوارث المباغتة والمفاجئة، فيجارون ولا من مجيب، والناظر إلى جوار أمتنا اليوم التي تلازمها الكوارث وتبعتها النكبات، يقول: أين كانت هذه الأمة صاحبة المجد التليد والقرآن المجيد، والتعاليم الباعثة، والتوجهات. الناهضة ولم تستغل فرصها وعقولها فيما ينفعها ويمنع عنها السوء والفحشاء؟! ولم نامت عن كل شيء نافع، وكل عمل سديد؟! ولم رضيت بالذلة وتركت العزة، ورضيت بالمسكنة وكرهت الرجولة، وتخلت عن الإنتاج ومدت الأيدي بالاستجداء، وعجزت عن إعداد السلاح واكتساب القوة حتى ضربت على أم رأسها وقفاها؟!

وكيف تخلت عن التكنولوجيا، وعشقت الأمية العلمية والبحثية، وتاهت عن علمائها ونبغائها، بل طاردتهم وعادتهم وحرضت عليهم، وولت أمورها العلمية لفقراء المواهب ومرتزقة المناصب، وكذابي النهضات؟

وكيف ضاع اقتصاد الأمة، فلا صناعات ولا زراعات، ولا تجارات، ولا استغلال للخامات، ولا انتفاع بالأيدي العاملة، ولا بالفرص المتاحة؟

وكيف تحكم في الأمة التيه السياسي وضاع منها التدبير الصالح والفهم الحكيم للأمور؟ وكيف قطعت الألسن وكبتت الآراء وانقلب المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وانقلب النصح إلى عداوة، وضاعت كلمة الحق؟ وكيف ساد النفاق وارتفع متملقو السلاطين وكذابوهم، فضاعت الرؤى المستقبلية وتاهت كلمات النور في الظلام الدامس!

 وها نحن أولاء اليوم نباع ونشترى وتمر بنا الفرص تلو الفرص ونحن في غفلة ساهون وفي عماية سادرون جاءتنا فرصة الغزو العراقي، وكان العراق هو المستنقع الذي أطار صواب أمريكا وأضعف شأنها واحتاجت فيه إلى منقذين، ولم نستغل تلك الفرصة أو نستفد منها أو نشترط فيها، بل ازداد خضوعنا وغباؤنا.

 وجاءت حرب لبنان وخرج الصهاينة ومعهم: أمريكا من الحرب بهزيمة منكرة وفضيحة مدوية، بعد أن كانوا قد أعدوا العدة لتنفيذ الشرق الأوسط الكبير وتقسيم بلادنا بما تمليه «إسرائيل»، وكان ينبغي على الجميع أن يستغل ضعف «إسرائيل»، وخيبتها لفرض شروط معينة في القدس وفلسطين، ولكن خاب التوقع.

وجاءت أكبر الأثافي، وهي وقوف حماس في فلسطين ضد اليهود، ووقوف الشعب الفلسطيني بجانبها بدون مساعدات من أحد، ونجحت حماس في تأليف حكومتها المنتخبة، وجن جنوننا وزاد أسفنا لهذا النجاح الباهر، بل تعداه إلى حرب معلنة لصالح العدو، حتى نعترف بـ «إسرائيل» دون أن تعترف بنا «إسرائيل»، وخضعنا مرة أخرى وأخرى حتى تمرغت الأنوف في الأوحال بحصار الشعب الفلسطيني وتجويعه حتى يرفع الراية البيضاء، وزاد على ذلك تحريض الغوغاء على هذا، بل وتحريض السلطة الفلسطينية على المجاهدين ومحاولة إسقاط حكومة المخلصين بالاستعانة بـ «إسرائيل». بدلًا من أن تكون حماس هي طليعة الأمة المجاهدة التي تتحمل عبء التحرير والجهاد ولكنه يراد لها الخذلان ويستعان عليها بسلطة فلسطينية فاسدة ومتآمرة، وبخونة عششت فيهم طيور العمالة، وبكثير من العملاء الذين ربتهم «إسرائيل» على يديها وتحت رعايتها، فهل يمكن لهؤلاء الذاهلين من أمتنا أن يقتنصوا الفرص ويفقهوا الدروس والعبر خاصة أن الدروس ما زالت في الساحة والعبر ما زالت تتجلى وتظل الأجواء، وهل يفهم المناكيد الدروس؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2147

101

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

كلمة في “تغريب” الفكر السياسي

نشر في العدد 238

0

الثلاثاء 25-فبراير-1975

قلة مؤمنة تنقذ الموقف.

نشر في العدد 342

100

الثلاثاء 22-مارس-1977

الإسلام اليوم الحلقة الثانية