; الإسلام اليوم الحلقة الثانية | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام اليوم الحلقة الثانية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1977

مشاهدات 100

نشر في العدد 342

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 22-مارس-1977

للأستاذ أبو الأعلى المودودي

المرحلة الثانية عصر الملكية

هيا بنا نأخذ الآن المرحلة الثانية من مراحل التاريخ الإسلامي. إن هذه المرحلة تبدأ من عهد امتد فيه الإسلام إلى جنبات الأرض وانتشر نوره في أرجائها بسرعة تفوق التصور، وقد دخل في حظيرته العدد الهائل من خلق الله.. إلى أن تعذر على المسلمين الأوائل العناية الكافية بتربية هذا العدد الضخم تربية إسلامية وتثقيفه ثقافة إسلامية، مع أنه كان في المسلمين رجال الصلاح والتقوى، ولم يكن الناس يقبلون على الإسلام إلا لإعجابهم بما كانوا عليه من سلوك حسن وعمل صالح وخلق كريم، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجًا. ولم يكن من السهل الميسور بتاتًا أن يحدث في حياة هذا البحر الخضم من البشر نفس الانقلاب الذي حصل في حياة المسلمين الأولين من حيث الكم والكيف. الأمر الذي تسبب في تقلص عدد المسلمين في الدنيا رويدًا رويدًا، من ذلك النمط المثالي الرائع، الذي كان مسلمًا حقًّا واعيًا، وكان قوله يطابق فعله، فانخفضت نسبة هذا النمط من المسلمين في المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى تصاعدت نسبة الذين هم وإن كانوا قد دخلوا في الإسلام إعجابًا بمبادئه وأسسه، وخضعوا له بتجرد وإخلاص، إلا أن الناحية السلوكية فيهم لم تكن منطبعة كليًّا بطابع الإسلام، ولم يكونوا موفوري الرصيد من الفهم للدين والتعمق فيه. وهذه الظاهرة أدت إلى انقلاب خطير في مجرى التاريخ الإسلامي، وهو تحويل نظام الخلافة إلى نظام الملكية.

وتسرد أسباب كثيرة ساعدت في هذا التحول، غير أن السبب الرئيسي لهذا التحول في نظري هو تناقض عدد المسلمين المتعمقين الواعين في المجتمع الإسلامي في ذلك الحين. إن الذين كانت حياتهم الواقعية ترجمة حية للإسلام أخذ عددهم في انحسار وتقلص؛ بينما الذين كان ينقصهم الفهم الحقيقي للإسلام وكان لا يتلاءم سلوكهم مع الإسلام قد تصاعدت نسبتهم إلى درجة أصبح معها من المستحيل تخليص المجتمع الإسلامي من المضاعفات المنبثقة من فقدان الوعي الإسلامي الصحيح فيهم، وأصبح معها من المستحيل المحافظة على المجتمع من آثار عاهاتهم الخلقية. ونتيجة لذلك حلت الملكية محل الخلافة، وانفرط عقد النظام الذي أقامه المسلمون الأوائل ببذل مهجهم. وطالت هذه المرحلة من مراحل تاريخنا قرونًا طويلة. ولا يسمح لي المقام أن أتناول بالبحث مخلفات هذه المرحلة وما كان وراءها من العوامل بتفصيل واف؛ وإنما أذكر لكم الآن أربعة أو خمسة من أهم نتائجها التي لا يزال طابعها ثابتًا ملموسًا على وضعنا الحاضر. وبكلمة أخرى لا تزال ملامح تلك المرحلة من «ماضينا» تتجلى في «حاضرنا».

انقسام القيادة:

إن أول ضرر من الأضرار الرئيسية التي نكبت بها الأمة الإسلامية من جراء النظام الملكي هو أن تقسمت قيادة الأمة المسلمة إلى قسمين، بعد أن كانت هذه القيادة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين رضي الله عنهم وحدة تستقطب جميع نواحي الحياة الروحية والعلمية والفكرية والسياسية حول محور واحد، حيث كانت التوجيهات السياسية والتدابير القضائية والتعليمات الإدارية والتنظيمات العسكرية وشئون الحرب أو الصلح تنطلق من مصدر بعينه. ونفس القادة الذين يوجهون هذه النواحي هم الذين كانوا في الوقت نفسه قادة المسلمين لإصلاح الأخلاق، وقادتهم في الفكر والعلم، وقادتهم في التربية الروحية.

هذه القيادة بجميع نواحيها كانت تدور حول محور بعينه، إلا أنه لما قرن الملكية اعترى القيادة انقسام وانشقت إلى شقين. ففيما يعرف بالشئون السياسية استأثر به الحكام، وفيما يرجع إلى النواحي الخلقية والفكرية والروحية انتقلت إلى رجال العلم والفقه والتصوف: أصبح فقهاء المسلمين وعلماؤهم روادهم في الشئون الروحية والخلقية والدينية، وأصبح الملوك والأمراء قادتهم في الشئون السياسية. وكان هذا الانقسام في القيادة في حد ذاته فتنة مدمرة، كان من المحتوم أن تعكس آثارها السيئة في المجتمع. ثم زادت الطين بلة طبيعة القيادة السياسية؛ إذ من مقتضاها الطبيعي أن تقحمنفسها في كل شأن من شئون الحياة، وتدس أنفها في كل أمر من أمورها. وانطلاقًا من هذه الطبيعة هبت القيادة السياسية تفرض سلطانها على كلتا الناحيتين من الحياة :الدينية والخلقية. بينما كان أصحاب العلم والفقه والتصوف لم يكونوا ليرضوا، وما كان ينبغي لهم أن يرضوا بحال من الأحوال تدخل القيادة السياسية في شئون الدين والأخلاق كي لا يشوه وجه الدين، ولا يغير الفكر الإسلامي، ولا تمسخ المبادئ الخلقية. فنجم عن كل ذلك التباعد في هاتين القيادتين، واتسع الصدع بينهما، ثم شرع التناحر والتصارع بينهما بدلًا من التعاون والتلاحم، ولا نزال نشاهد هذه الظاهرة الغريبة على قدم وساق في تاريخ الإسلام المعاصر.

ومما لا يستحق الجدل أن عصر الملكية في التاريخ الإسلامي لا يقاس أبدًا بعصور الملكية في تاريخ الشعوب الأخرى؛ لأن الملكية في تاريخنا الإسلامي مع ما جاءت به مشحونة بكثير من السيئات والويلات، إلا أنك لن ترى عبر التاريخ الإسلامي تلك العصور المظلمة التي هي علائم بارزة في تاريخ الأمم الأخرى. ولا أملك نفسي في هذه المناسبة إلا لأسجل إعجابي واستحساني لما توافر في التاريخ الإسلامي من الملوك الأتقياء الصالحين، وما استطاع أي شعب أن ينجب هذا العدد الوفير من الملوك الصالحين. وبرغم إعرابي عن خالص تقديري لوجود هؤلاء الأفراد الصالحين في وسط النظام الملكي، لا أملك إلا القول كذلك أن الذي نجم عن هذا النظام من نتائجه الفطرية وآثاره الحتمية جلب على الأمة الأضرار الباهظة، أبرزها أن الحكومات الإسلامية تخلت عن فريضة الدعوة إلى الإسلام، وحمل مشاعله في الدنيا؛ بل اقتصر أمرها في أكثر الأحايين على فتح البلاد وجباية الأموال، وانتهى بها المطاف إلى ما نعانيه اليوم في وضعنا الراهن.

ونرى فيكم اليوم عددًا هائلًا من الذين هاجروا إلى باكستان من المناطق التي حكمها المسلمون طيلة ثمانية قرون كبلدة «دلهي» وضواحيها، ومنطقة شرقي بنجاب، ومقاطعات الهند الوسطى، وولاية حیدر آباد الدكن، كان الحكم في هذه المناطق كلها بيد المسلمين، ولو كانت حكوماتهم التي تعاقبت عليها داعية إلى الإسلام رافعة لواءه، وجاعلة نصب أعينها تبليغه في أرجاء المعمورة لتوطدت فيها دعائم الإسلام، ولكان هو وحده يعم أرجاءها، ويبدل الوثنيين فيها بالموحدين. نعم، لو كان الأمر كذلك لما انتهى الأمر بكم اليوم إلى هجرتها تاركين دياركم وأموالكم فيها. ولكن لجوءكم إلى باکستان يصرخ، بلسان الحال: أن حكام تلك المناطق لم يؤدوا مسئولياتهم نحو الإسلام، ولم يوفوا بحقه كحكام مسلمين مخلصين. وإذا قدر الله للإسلام أن ينتشر في تلك الأقطار على رغم ذلك فلم ينتشر إلا بفضل الجهود التي كرسها الفقهاء والمصلحون. أما الحكام فبدلًا من أن يكون لهم ضلع في انتشاره وامتداده، غالبًا ما وقفوا في وجهه عقبة كأداة، أو وقفوا غير مشجعين لانتشاره على الأقل. وهم بسبب استخدامهم وسائل البطش والإرهاب والقهر لتوطيد حكمهم، وانغماسهم في حياة الترف والبذخ، وظهورهم في مظهر الأخلاق الرذيلة، صاروا منفرين الناس من الإسلام. والأعمال التي كان من شأنها تحبيب الإسلام إلى القلوب لم يأتوا بها إلا في النادر القليل. وأعود فأقول: إن الحكام الذين كانوا على رصيد كبير من التقوى والصلاح أتقدم إليهم بالثناء العاطر والتقدير البالغ، إلا أن النظام الملكي في مجموعه لم يثمر إلا عواقب وخيمة وانحرافات خطيرة، ولا سيما في عهد الملوك الذين لم يبق لديهم من حركة الإسلام الأولى إلا كباقي الوشم على ظهر اليد. ومن الحقيقة بدون منازع أن كل ما تحقق للإسلام من الانتشار والازدهار ما كان إلا بفضل الجهود الجهيدة من جماعات راشدة من أهل العلم والفقه والتصوف، ولم يكن في وسعهم أكثر من أن يستميلوا الناس إلى الإسلام بطيب الكلام ونبل الأخلاق وصالح الأعمال، وينيروا لهم طريق الحق بالدروس والمواعظ وبطريقتهم المثلى. ولم يكن بمقدورهم أن يتخذوا التدابير اللازمة لتربية الملايين من البشر الذين كانوا يدخلون حظيرة الإسلام تربية إسلامية كافية؛ لأن الحكومات هي التي كانت مدعوة إلى أداء هذا الواجب، ولكنها لم تعر أي اهتمام بهذه الناحية. ولو كان هناك من حكومة تدعم هؤلاء الدعاة وتشد أزرهم وتقدر مساعيهم، أو أن تبذل عنايتها -في أقل الاحتمالات- على أوسع النطاق بتربية وتوعية الموجات البشرية التي كانت تدخل في دين الله، متجاوبة مع المحاولات الفردية من جهة هؤلاء الدعاة، لكان الأمر عكس ما تراه اليوم. ولكن لم يحدث هذا ويا للأسف! ولم يتجاوز الأمر أن يهب عبد من عباد الله يعرض على الناس الإسلام ويقدم لهم نماذجه العلمية من خلال نظافة حياته وسمو سلوكه وطهارة ذيله: النماذج الرائعة التي تضرب على أوتار قلوبهم، وتستهويها لدعوته، فإذا بهم يتقدمون إليه في غمرة من الانفعال يطلبون منه إدخالهم في نفس الدين الذي سما به إلى هذا المستوى من طهارة الخلق ونزاهة العيش. فهذا العبد الصالح -على غرار المئات من أمثاله- يلقن الناس كلمة الشهادة، ويبدل الناس أسماءهم الكافرة بالأسماء الإسلامية، ويعلمهم ما يلزم من الآداب والطرائق للحياة الإسلامية، فماذا عسى هؤلاء الدعاة أن يعملوا أكثر مما أتوا به. وكان من واجب حكومات المسلمين أن تشعر بمسئوليتها وتزود المسلمين حديثي العهد بالإسلام بما يجعلهم عنصرًا حيويًّا نافعًا في المجتمع الإسلامي. ولكن مع الأسف أن الحكومات المسلمة تقاصرت عن إدراك مسئوليتها نحوهم. نعم إن رجال الجود والإحسان في الأمة حاولوا ملء هذا الفراغ بصفتهم الفردية بوقف أموالهم وعقاراتهم في مختلف العهود؛ فأنشئت المعاهد والزوايا لتأمين المطالب التعليمية والتربوية. وكان لتلك المواقف أجمل الآثار وأعظم النتائج؛ إلا أنه ما دامت الحكومات متهاونة في أداء مسئوليتها في هذا الباب ومتخلفة عن توعية عامة السكان، فإن انتزاع المسلمين الجدد من براثن الجاهلية ورواسبها وجعلهم مسلمين واقعيين يتمثل الإسلام في حياتهم حيًّا ملموسًا كان من باب المستحيل.

الحاضر هو أيضا مطبوع بنفس الطابع

ومن الحق أن نقول: إن وضعنا الذي يرجع إلى هذه المرحلة الثانية من مراحل التاريخ الإسلامي، وما أشبه الليلة بالبارحة، فها قد تستطيعوا أن تشاهدوا عشرات الملايين من المسلمين في المدن والقرى: ما أغرقهم في تقاليد الجاهلية وأعمال الشرك، وما أفرغهم من الوعي الإسلامي، وما أصبرهم على الخزعبلات الهندية على كونهم مسلمين. وما حياتهم بآثار الديانة البوذية. وما أرضاهم بالآثار التي امتازت بها المجتمعات الجاهلية قبل الإسلام في مجتمعاتهم.

وملخص القول أن أوضاعنا الحاضرة لا تزال متسمة بنفس الطابع الذي أوجدته المرحلة الثانية من مراحل تاريخنا. وإن شئت فقل: إن الذي نحصده في -العالم المعاصر- هو ما غرسناه في ماضينا الغابر، وهذه هي سنة الله في الكون، ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 62).

ازدهار العصبيات

ومن سيئات هذه المرحلة أن فيها قرن العصبيات الجنسية والقومية والوطنية والجغرافية مرة أخرى أن أفلت نجومها بطلوع شمس الإسلام. وقد كانت هذه العصور رفعت رأسها في العصر الأموي من جديد، ثم ما فتئت تشتد وتترعرع المجتمعات الإسلامية وتنتشر فيها انتشار الأمراض المعدية كأوبئة والكوليرا، وتؤتي حصادها المر، وإذا تأملتم في صفحات ماضينا وجدتم الكثير من الإمبراطوريات ناطحت هذه الصخور فتكسرت وأصبحت أثرًا بعد عين. وهذا الداء الوبيل هو الذي هوى بالحكم الأموي إلى الانهيار، وهو الموضوع الرئيسي في قصص الصراع الذي استعر أواره بين القبائل العربية في ذلك العهد، وإليه يرجع الدور الأكبر في تدمير العرش الأموي. وما يوم سقوط الإمبراطورية المغولية والحكومات الإسلامية في ولاية حيدر آباد الدكن في الهند ببعيد. وما يوم حليمة بسر.

وخلاصة القول: إنكم حيثما سرحتم بالنظر وجدتم في دمار المسلمين وذهاب حكوماتهم العظيمة ضلعًا كبيرًا لهذا الداء الفتاك. إن المسلمين بالرغم من أن الله قد ألف بينهم وجمعهم على كلمة التقوى، وجعلهم بنعمته إخوانًا، تناسوا هذه النعمة الجليلة من وقت لآخر؛ فعاودتهم النوازع العصبية التي سوغت لهم اللجوء إلى الشعارات القبلية والألوية الجنسية والفوارق العنصرية كالعربية والفارسية والأفغانية والتركية والمغولية والهندية، فالتهمتهم غوائلها هشتهم عواديها في النهاية. وهذا هو السر في تدهور المسلمين وانفكاك أواصرهم إربًا إربًا وتمزق صفوفهم شذر مذر في التاريخ. وهو من مساوئ الملكية التي توارثها المسلمون.

إن الملوك في عصور الملكية كانوا يستغلون هذه العصبيات لتحقيق مصالحهم الشخصية تعشت حركة بني العباس تقاوم بني أمية، وتؤلب عليهم الفرس وتستغل العصبية القومية، لماذا؟ لتحقيق مآربهم وإقامة عرشهم ولا.

وهكذا هذه الداهية النكر -داهية العصبيات الجاهلية- قد أناخت لها في المرحلة الثانية من تاريخنا. وما نزال نشعر بمرارتها ونعاني من تها في «حياتنا المعاصرة».

وأسرد إليكم كالجملة المعترضة من تاريخنا المعاصر أنكم المسلمون، قد جمعتم شملكم تحت لواء الإسلام، فنصركم الله نصرًا عزيزًا، وكتب لكم النجاح والتوفيق أنحاء باكستان: بلد إسلامي مستقل فيه أحرار مكرمين، ولكن هذا الفتح المبين والنجاح الباهر، تشرعون تستذكرون أصول الجاهلية.. فهذا ينادي بالعنصرية البشتوية، وآخر يعلن بأنه بنغالي، وثالث يهتف بجنسية السندية، ورابع يدعو قومه إلى شعار البلوشية، وخامس يعتز بكونه بنجابيًّا. ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ (المدثر: 35)، وأشراط الساعة، ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ (القمر: 46).

الأثرة وعبادة النفس: 

وهناك داء آخر تولد في ذلك العصر أيضًا، وتفاقم خطبه واستفحل أمره على مر الزمان، وهو أنه قد طويت صحف جميع النواحي من الولاء الإسلامي في المسلمين، ولم يبق إلا ولاء الرجل لنفسه أو لقبيلته فقط.. بينما الإسلام قد وضع تحت قدميه جميع الأنواع من الولاء، سواء أكان للجنس أو اللون أو التراب أو اللغة، إلا الولاء لله ولرسوله ولدينه. وهذا هو الولاء الذي كان ينصاغ فيه سلوك المسلم إن فردي أو جماعي، فأخذ هذا الولاء يتضاءل في عصر الملكية رويدًا رويدًا. ولما أخذ هذا الولاء الذي كان من ركائز معنوياتهم ومقومات تفوقهم الخلقي ينخر ويضمحل، حلت محله -طبيعيًّا- الأنانية واتباع الهوى. ومن طبيعة البشر أنه إذا لم يسعفه الولاء الأعلى لا يضحي بنفسه ونفيسه في سبيل مبدأ من المبادئ مهما شرف وعظم. بل كان ما يصدر منه بعد ذلك يكون مبعثه إما مصلحته الذاتية أو مصلحة قبيلته وأسرته. وكان من جراء هذا الأمر أن نشأت في المجتمع الإسلامي فئة مرتزقة من الجنود والضباط والإداريين قد تدنوا خلقيًّا لدرجة أن كل من سولت له نفسه أن يشتري ذممهم، ويساوم ضمائرهم مقابل ثمن زهيد كان له ما أراد. وكان مثلهم كمثل الوحش الأليف الذي إذا أطعمته يتبعك، ثم إذا أغريته بأحد يعدو عليه ليفترسه ويفتك به. وخذوا -مثلًا- ما جرى في تاريخ بلادكم: على أي مدى كان الشعب المسلم يؤمن للحكومات المتعاقبة جماعات من الجنود المرتزقين.. أرى أنه لا يخفى عليكم أن دولة المراهتا التي كانت ألد أعداء المسلمين ولم تصن من تطاولها أموال المسلمين وأنفسهم وأعراضهم. إن هذه الدولة أيضًا كان في جيشهافرق من الجنود المسلمين ممن كان لهم كعب عال في ضرب المدافع وإلقاء القنابل، ولما دخل الإنكليز هذه البلاد ظفروا هم الآخرون أيضًا من الشعب المسلم نفسه بحشود كبيرة من الجنود المأجورين الذين أتموا لهم الإحتلال، وحققوا لهم ما أرادوا لدرجة أن الإنكليز أصبحوا في غنى من استقدام القوات من الخارج؛ لأنهم وجدوا من هذه البلاد نفسها من أكمل لهم الغزو العسكري، وأصبح لهم الساعد الأيمن في استتباب الأمن وتنظيم شئون البلاد. ولم يكن أحد من هؤلاء المرتزقين يستشعر فداحة دوره ويتفكر في مصلحة من يجند طاقاته وكفاءاته؟ وأي بلد نهض يغزوه من الغزاة؟ ولأجل أية جهة يتولى شئون الإدارة والتنظيم؟ هل تفكرتم لماذا كان كل ذلك؟ لأن جميع أنواع الولاء النبيلة انعدمت فيهم، وآخر ولاء كان من شأنه أن ينقذهم من النذالة والهون «وهو الولاء لله ورسوله ودينه» قد أتوا عليه أيضًا. ولم يبق فيهم إلا الولاء للنفس الأمارة بالسوء. وهل من ولاء، غير الولاء للنفس، أن يحمل صاحبه على ذلك النوع من الأعمال الخسيسة التي يرفضها العقل ويمجها الذوق؟

وعلى هذا، فإن جميع الحكومات الإسلامية من جزر الفلبين شرقًا إلى المغرب العربي غربًا شرعت تذهب أيدي سبا واحدة تلو الأخرى. وفرض الاستعمار الغربي سيطرته عليها. وليست سيطرة الاستعمار الغربي على الشعوب الإسلامية وليدة الصدفة، بل مردها إلى جذور تاريخية عميقة لا يسمح لي المقام أن أستعرضها بالتفصيل. وإنما أذكر لكم، متوخيًا الإيجاز، الدوافع التي شكلت المرحلة الثالثة من مراحل تاريخنا. أي المرحلة التي أضحت فيها جميع الشعوب الإسلامية ضحية الجشع الاستعماري بدون استثناء. وإن بقيت دولة أو دولتان بمنجاة من الاستعمار، فآل أمرها أيضًا إلى أسوأ ما كانت عليه الدول المحتلة، فبقاء تركيا أو إيران أو أفغانستان مثلًا بمنجاة من تطاول الاستعمار لم يكسبها موقفًا محسودًا، بل انحدرت إلى ما هو أسوأ حالًا وأردأ وضعًا من البلاد المحتلةنفسها.

الرابط المختصر :