العنوان إلى الذين يقولون إن الشيشان شأن روسي داخلي.. هكذا تتعامل الحكومة الروسية مع «مواطنيها»
الكاتب خالد شمت
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000
مشاهدات 85
نشر في العدد 1395
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 11-أبريل-2000
■ المجاعة تفتك باللاجئين الشيشان في أنجوشيا.
■ الخيمة الواحدة يسكن فيها خمسون شخصًا.. ينامون فوق أرضيات خشبية.. ولا تدفئة من الصقيع.
■ المساعدات الروسية شبة معدومة والعون الخارجي ممنوع.
■ الكواليرا قادمة مع ذوبان الثلوج بسبب المراحيض القذرة وأكوام القمامة والحيوانات الميتة.
الأحوال الصحية والمعيشية للاجئين الشيشان داخل المخيمات الموجودة في أنجوشيا أخذة في التدهور بصورة تزايدت حدتها في الأسابيع الأخيرة بعد أن وصل إليها آلاف الهاربين من المعارك، مما دفع بالرئيس الأنجوشي روسلان عائشوف للإعلان عن تفشي المجاعة بين اللاجئين الشيشان في بلاده بسبب عدم تلقيهم أي مواد غذائية منذ أسابيع، وأوضح عائشوف أن أنجوشيا بانت في حاجة ماسة وملحة لخيام وأغذية خاصة أغذية أطفال.
استغاثة الزعيم الأنجوشي صاحبها توجيه مسؤولين انجوش آخرين انتقادات حادة للمسؤولين الروس واتهامهم بسرقة المعونات الدولية وبيعها لحسابهم الشخصي، وصول الأوضاع داخل المخيمات الأنجوشية إلى هذه الدرجة من الخطورة يعد نتيجة طبيعية للسياسة اللاإنسانية لروسيا تجاه اللاجئين، فالمساعدات الروسية شبه معدومة كذلك منعت السلطات الروسية وصول أي عون خارجي للحكومة الأنجوشية التي لم تتسلم منذ العشرين من ديسمبر الماضي رويلًا واحدًا من مبالغ وعدت موسكو بتقديمها للمساعدة في إعاشة هؤلاء اللاجئين، وبعد أن ذهبت وعود بوتين وغيره من المسؤولين الروس أدراج الرياح أعلنت وزارة المالية الروسية بوضوح عدم وجود أي إمكان لديها لتقديم مساعدات، ومن جهته يعتقد رئيس الوزراء الأنجوشي أحمد مالساجوف من خلال ما لمسه أن تصرفات المسؤولين الروس معهم متعمدة بسبب موقفهم الرافض للحرب ضد الشيشان، هذا المعنى أكده له بجلاء وزير المالية الروسي عندما طالبه بتقديم تفسير لانحيازهم للشيشان، وبعد اتهامهم للرئيس عائشوف- في الحرب الشيشانية الأولى- بدعم الرئيس الشيشاني الراحل جوهر دوداييف عاد الروس في حربهم الإجرامية الراهنة لتكرار الاتهام ضد الزعيم الأنجوشي، وأصبحت أنجوشيا برأيهم محطة لراحة المجاهدين الشيشان، وقاعدة خلفية لإمداداتهم، ولا يبدي الرئيس الأنجوشي انزعاجًا من هذه الاتهامات، وإنما يتفق مع وزرائه وموظفيه على كافة المستويات في إعلان رفضهم لما تقوم به روسيا و يجاهرون جميعًا بتأييدهم العلني للرئيس الشيشاني، وإصرارهم على مواصلة التعامل معه ورفضهم للشيشانيين المتعاونين مع الروس، وليس في هذه المواقف مدعاة للتعجب إذ كانت إنجوشيا إلى ما قبل ١٠ سنوات تمثل ۱۷%من دولة «الشيشان- أنجوسيا المتحدة» والتي انفصلت بعد ذلك وفضلًا عن اشتراك الشيشانيين والأنجوش في العقيدة والتاريخ. وبسبب هذه الروابط فتحت أنجوشيا التي يبلغ عدد سكانها ٢٠ ألف نسمة أبوابها بسماحة وكرم لما يقارب ۳۰۰ ألف لاجئ شيشاني يضاف إليهم ٣٠ ألف أنجوشي غادروا الشيشان بصفة نهائية رغم إقامتهم بها، وقد محا تدفق هذه الأعداد الكبيرة آثار انتعاش اقتصادي أحدثه عائشوف في بلاده ذات البنية الأساسية العاجزة عن تحمل هذه الزيادة السكانية الكبيرة.
صور من عذابات الشتات الشيشاني
فوق إحدى هضاب كاربولاك وهي بلدة انجوشية صغيرة قريبة من العاصمة نزران تتراص مجموعة من عربات القطارات والخيام منذ خمسة شهور وبداخلها تعيش أعداد غفيرة من اللاجئين معظمهم من المسنين والنساء ومجموعات من الأطفال والصبية من شرائح عمرية مختلفة تعيش أمهاتهن حالة بالغة من الحزن والرعب، فقسم من الأطفال أعتقلهم الجنود الروس بحجة عدم وجود جوازات سفر أو مستندات هوية معهم، وهناك مخاوف قوية من أن يكون مصير هؤلاء الصبية هو معسكرات الفرز الروسية الرهيبة حيث يتم التعامل فيها مع كل ذكر شيشاني من ١٠ - ٦٠ عامًا على أنه عدو.
ما حدث جعل الخوف يسيطر على الأمهات من احتمال عودة الروس في أي لحظة لأخذ بقية الصغار الذين لم تتح لهم أو لغيرهم فرصة استخراج مستندات ثبوتية بسبب الحصار الروسي للشيشان طوال السنوات الخمس الماضية، المدرسة الوحيدة بالمعسكر تم إغلاقها بعد أيام من افتتاحها للحاجة لاستخدام الخيمة في استقبال قادمين جدد، وبمجرد وصولهم إلى أنجوشيا يتفرق اللاجئون الشيشان، فتذهب مجموعات منهم للإقامة لدى الأقارب والمعارف والأرحام وأخرون يستأجرون بيوتًا للإقامة، أما من لا يملكون شيئًا فيحضرون إلى معسكر الخيام والقاطرات ليعيشوا فيها على ما حملوه معهم من زاد متواضع، أو ما يوزع عليهم من وجبات جافة- وفي مسرحية هزلية سيئة الإخراج يأتي الروس بقدور الطعام الساخنة، لتقوم الكاميرات الإعلامية بتصويرها عندما تزور المعسكر وفود أجنبية.
وقد أنهال الجنود الروس بالهراوات الغليظة فوق رؤوس مجموعة من النساء اللاجئات عندما حاولن شرح الأوضاع المتردية في المخيمات، وتوضيح حقيقة ما تقوم به القوات الروسية في الشيشان لمجموعة من الصحفيين الأجانب، أما عبد الرحمن ماجموديف- مشرف المعسكر- فقال لصحفي غربي نجح في التقائه بعد أن رشا ضابطًا روسيا: إن الأوضاع داخل المخيمات تتجه لكارثة محتمة فانعدام الأغذية سيؤدي المجاعة والحياة اليومية في المعسكر تسير بلا نظام، إذ يسكن في كل خيمة ما بين ٤٠-٥٠ فردًا في حين أنها مهينة لعشرين فقط، والجميع ينامون فوق أرضيات خشبية خفيفة لا تقي من الصقيع، أما الأعداد الزائدة فتُفرش لهم أغطية من القماش ليبيتوا عليها ولا وجود في الخيام لدفايات أو سخانات ولا حت للفحم اللازم للتدفئة، ومن لطف الأقدار أن الطقس هذا العام يميل رغم شدة برودته إلى الدف، أكثر من الأعوام السابقة، لكن قدوم الربيع وما يصاحبه من ذوبان للثلوج يحمل معه أخطار إصابة الجميع بالكوليرا بسبب المراحيض القذرة وأكوام القمامة والحيوانات الميتة والمنتشرة بين الخيام، وقد دفعت حاجة الأطفال لأحذية وملابس شتوية كثيرًا من الأمهات لبيع مصاغهن المتبقي، ويقوم معظمهن باستبدال الصابون بالخبز.
في ظل هذه الأوضاع تزداد الحالة الصحية سوءًا يومًا بعد يوم، وتفشي بين اللاجئين مختلف أنواع الأمراض، لكن أكثرها شيوعًا الإصابات المعوية.
طبيبة من الهلال الأحمر تعمل في المعسكر تقول إن الأدوية الموجودة هي فقط لمن يستطيع دفع ثمنها، وبينما منعت وزارة الطوارئ الروسية أي منظمة عربية أو إسلامية من دخول أنجوشيا سمحت فقط لعدد من المنظمات الغربية، مثل المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة ومنظمة هابرت الدنماركية بالعمل وتوزيع كميات محدودة من المعونات والمواد الغذائية والأدوية على اللاجئين بمعدل مرة واحدة كل أسبوعين، وتثني هاتان المنظمتان على الجهود الكبيرة المبذولة من الحكومة الأنجوشية رغم محدودية إمكاناتها.
اختلال التركيبة الاجتماعية: عشرات من اللاجئات الشيشانيات ممن أصبحن أرامل بعد أن فقدن أزواجهن في الحرب يبدين استعدادهن ليكن زوجات ثانيات أو ثالثات لرجال انجوش، وكثيرات تزوجن بالفعل، فيما سافرت مجموعة من نساء المعسكر إلى مدنهن وقراهن في الشيشان لرؤية ما حل بمنازلهن، وغادر قسم من لاجئي القطارات إلى مدنهم وقراهم لكنهم لم يصلوا، ويتفق اللاجئون بالمعسكر على أن هؤلاء إما قتلوا أو اعتقلوا على أيدي الجنود الروس، ومع كل وافد جديد تتواتر الأخبار حول المذابح الأخيرة التي اقترفتها القوات الروسية في بلدات سربودسكي، ومزدوك، وفي حلقات النقاش يستغرب اللاجئون من تصديق العالم لبوتين المخادع، ولا يشك واحد منهم في الرغبة الدفينة للروس في تصفية وإبادة الشعب الشيشاني، ويؤكد جميع من في معسكر الشتات الأنجوشي قدرة الشيشان على حل كافة مشكلاتها إذا ما تركتهم روسيا وشأنهم.
الرأي نفسه يعبر عنه رئيس وزراء أنجوشيا أحمد مالساجوف بصورة أعم، إذ يجزم بأن الروس لن يستطيعوا العيش في هدوء إلا إذا تركوا جمهوريات القوقاز تتفق فيما بينها دون تدخل، وفي إشارة للضغوط والتهديدات الروسية على بلاده لتسريع عودة اللاجئين إلى الشيشان عن طريق شحنهم بالقوة في القطارات التي يقيمون فيها وإعادتهم، أشار مالساجوف إلى أن حكومته ستكون مسرورة بعودة الشيشانيين إلى بلادهم لكن الأوضاع الخطيرة التي تنتظرهم هناك تجعل أنجوشيا ترفض إعادتهم بهذه الطريقة.