العنوان بلا حدود- قصة الانتصار الأجوف
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1996
مشاهدات 59
نشر في العدد 1187
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 06-فبراير-1996
ولم يكن أهل «بروفومايسكايا» البسطاء يعلمون قبل العاشر من يناير الماضي أنهم سيصبحون وقريتهم حديث العالم، وأنهم سيتصدرون الخبر الأول في معظم نشرات الأخبار، والأكثر من ذلك أن قريتهم ستدخل التاريخ بحطامها ودمارها كشاهد على الهمجية الروسية، والنفاق الدولي والغربي، تجاه حقوق الإنسان المسلم في الشيشان.
تابعت حادث «بروفومايسكايا» من بدايته إلى نهايته، وفوجئت بحجم من الأكاذيب والخداع والتواطؤ لا يدين الروس وحدهم، وإنما يدين المجتمع الدولي برمته، وعلى رأسه الغرب المنافق والمتشدق بحقوق الإنسان، وسوف أقف على ثلاثة مشاهد فقط تبين حجم الانتصار الذي حققته جمهورية روسيا على جمهورية «بروفومايسكايا».
المشهد الأول للرئيس الروسي بوريس يلتسين وهو يقف منتفخ الأوداج في قمة «كومنولث الدول المستقلة»؛ ليعلن انتصار روسيا في معركتها الفاصلة ضد مائتي مقاتل شيشاني كانوا يتحصنون مع بعض الرهائن في قرية «بروفومايسكايا» الداغستانية، وأن الجيش الروسي الذي خاض المعركة مستخدمًا مدرعاته وطائراته وصواريخه وقواته الخاصة، قد قضى على معظم المقاتلين الشيشان مع أربعة وعشرين رهينة فقط، وأخذ يلتسين يواصل قراءة نتائج الانتصار الكبير من خلال البيان الذي أعده الجنرال الكسندر ميخائيلوف- المسؤول الإعلامي في دائرة الأمن الاتحادية الروسية- وكان الجنرال بار سوكوف -رئيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي- قد قام قبل بداية العملية بطرد كافة الصحفيين والمراسلين الغربيين من حول القرية، وأبعدهم إلى مسافة عشرة كيلو مترات حتى لا يشاهدوا شيئًا من المعركة، ويعتمد العالم كله على البيان الإعلامي الذي أعده الجنرال ميخائيلوف، والتصريحات التي سيدلى بها الرئيس يلتسين، إلا أن محاولات الجنرال بارسوكوف باءت بالفشل، حيث تمكن بعض المراسلين من اختراق الحصار الروسي، ووصف حقيقة ما حدث من البداية إلى النهاية، حيث ينقلنا المشهد التالي إلى وصف تفصيلي للمذبحة التي ارتكبها الروس في «بروفومايسكايا»، وقد رواه مراسل صحيفة «الأوبزيرفر» البريطانية فاليري ياكوف.
يقول ياكوف: «وصلنا إلى قرية «بروفومايسكايا» يوم الأحد 14 يناير، أي قبل يوم واحد من بدء الهجوم الروسي العنيف الذي تعرضت له القرية، وحينما وصلنا كان يجب على المرء أن يتمتع بخيال جامح حتى يستطيع أن يصف حجم القوات الروسية التي انتشرت بكثافة وغزارة هناك، كما يجب على المرء أن يتمتع بخيال أكثر جموحًا حتى يقتنع بأن كل هذه القوات الضخمة قد اضطرت للقيام بهذا الهجوم العنيف خوفًا على حياة الرهائن الذين يحتجزهم الشيشان في «بروفومايسكايا» وقد رأينا بالقرب من صفوف القوات الروسية المتراصة، وعلى بعد بضعة مئات من الأمتار الثوار الشيشان حيث كانوا يعسكرون، ومعهم حافلة محملة بالرهائن، واستطعنا أن نسمع أنشودة صادرة من جهة الشيشانيين، تتحدث عن الإمام شامل ذلك البطل الشيشاني المشهور من القرن التاسع عشر، وقد استمرت الأناشيد الشيشانية دون توقف.
وفي صباح اليوم التالي الإثنين ١٥ يناير صدرت صيحات «الله أكبر» عند الفجر من القرية، وفي الساعة التاسعة إلا خمس دقائق صباحًا صدر نداء مكبر الصوت من جانب الروس مخاطبًا المقاتلين الشيشان قائلًا: «الجنرال بارسكوف- رئيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي- يحدثكم.. عليكم بالاستسلام وبإطلاق سراح الرهائن، وبالخروج واحدًا بعد الآخر غير مسلحين، وفي أيديكم الرايات البيضاء».
لكن المقاتلين الشيشان لم يستجيبوا ا للنداء.. وبعد مرور ثلاث دقائق حلقت عشر طائرات هيلوكوبتر، وطائرات روسية مقاتلة فوق القرية، وفي الساعة التاسعة تمامًا أطلق الروس صاروخًا؛ فأصاب حاملة جنود تابعة للشرطة الروسية كان المقاتلون الشيشان قد استولوا عليها، وفي الحال فتح المقاتلون الشيشان نيرانهم على القوات الروسية، وكان بإمكاننا أن نرى الرهائن وقد أصابهم الذعر داخل الحافلة؛ حتى قام المقاتلون الشيشان بإخراجهم منها في الساعة العاشرة، وقد تمكنا أن نرى بوضوح أن القذائف التي كانت تطلقها القوات الروسية لم تكن تصيب المقاتلين الشيشان، وإنما كانت تصيب الرهائن، وبعد مرور عدة ساعات من القتال أذاع الراديو الروسي تقريرًا مفاده أن القوات الروسية قد اضطرت للقيام بالهجوم؛ لأن المقاتلين الشيشان كانوا قد بدءوا في إطلاق النار على الرهائن، وقد تسبب هذا التقرير- الكاذب- في تصاعد صيحات الغضب والهياج من جانبنا ومن جانب الجنود الروس كذلك، لأننا لم نسمع صوت طلقة واحدة أطلقها المقاتلون على الرهائن، والحقيقة.. أن الذي كان يحدث في القرية لم يكن له أدنى علاقة بإنقاذ رهائن، وإنما كانت عملية إبادة حقيقية للقرية بكل الوسائل، وكانت القوات الروسية منذ بداية إطلاقها لقذائف النيران تصوب قذائفها ضد أي شيء يتحرك دون أي اهتمام بأن ذلك الشيء المتحرك هو مقاتل شيشاني أم رهينة.
ويوم الثلاثاء ١٦ يناير ذكر لنا ضباط الجيش الروسي الذين لديهم خبرة بالأعمال القتالية في أفغانستان بأن المحظوظين فقط هم الذين يمكنهم النجاة بأنفسهم من مثل ذلك النوع من القصف، سواء كانوا من المقاتلين الشيشان أم من الرهائن، وأضاف الضباط الروس قائلين بأن: «مهمتنا هي أن نبيد المقاتلين الشيشان، ولا نبقي لهم أثرًا، دون أن نضع في حساباتنا أي شيء عن الرهائن».
وفي يوم الأربعاء 17 يناير بدأ الطيران الروسي في الساعة السابعة والنصف صباحًا بدك القرية بقذائف صاروخية، أحالت القرية إلى خرائب أمام أعيننا، فالقوات الروسية ظلت ثلاثة أيام على التوالي تواصل قصف القرية بالطائرات والمدفعية بمستوى لا يقل عن قصفها للعاصمة الشيشانية جروزني، وفي الوقت الذي كانت طائرات الهيلوكوبتر تلقي صواريخها كانت القوات الروسية الخاصة تلقي قنابلها وقاذفات اللهب، مما أدى إلى إصابة مواقع القوات الروسية في الطرف الآخر من القرية، وحينما شعرت القوات الخاصة بأن قاذفات الصواريخ لم تجد، قامت بإصدار حكمها بالموت على الذين بقوا على قيد الحياة في القرية، حتى لا يكونوا شهود عيان على عملية الإنقاذ الفاشلة.
هذه هي رواية فاليري ياكوف مراسل «الأوبزيرفر» الذي كان أحد شهود العيان على قصة الانتصار الأجوف الذي أعلنه يلتسين.
أما المشهد الثالث فهو مشهد سلمان رادوييف قائد المجموعة الشيشانية الذي استطاع- بعد كل هذه المجزرة- أن يخرج سالمًا مع مائة وسبعين من مقاتليه المائتين، علاوة على ٥٦ رهينة أنقذوهم من قوات يلتسين، وأفرجوا في ٢٥ يناير عن ٤٢ منهم، واحتفظوا بأربعة عشر جنديًا من قوات يلتسين الخاصة لاستبدالهم ببعض مقاتلي الشيشان الجرحى، حيث أشاد الرهائن جميعًا بحسن معاملة المجاهدين الشيشان لهم، وأدانوا القوات الروسية.
المشهد الغائب وهو الذي كنت أتمنى أن أراه هو مشهد الرئيس الروسي يلتسين وهو يتلقى خبر نجاة رادوييف مع مائة وسبعين من مقاتليه، وأن البيان الذي أعلنه لم يكن سوى حلقة من مسلسل الأكاذيب الذي أطلقه القادة السياسيون والعسكريون الروس منذ أن أعلن وزير الدفاع الروسي بافل جراتشيف حينما غزت القوات الروسية الشيشان في ديسمبر ١٩٩٤ بأن قضية الشيشان لن تستغرق في أيدي القوات الروسية سوى يومين، لكن الحقائق ومعطيات الواقع قالت ولا تزال تقول.. بأن قضية الشيشان ربما تكون المسمار الأخير في نعش نظام الرئيس يلتسين..