; هذا هو طريق النهضة الحقيقية | مجلة المجتمع

العنوان هذا هو طريق النهضة الحقيقية

الكاتب الدكتور فؤاد محمد محمود

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1975

مشاهدات 86

نشر في العدد 274

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 11-نوفمبر-1975

هذا هو طريق النهضة الحقيقية

من يدرس تاريخ العرب منذ العصر الجاهلي حتى اليوم يعرف أن العرب ما تعاونوا وما اتحدوا وما عاشوا أحرارًا كرامًا أسيادًا في ديارهم، وما صاروا خير أمة أخرجت للناس إلا في ظل الإسلام الصحيح.

ويعرف كذلك أنهم ما تفرقوا وما ضعفوا وما تخلفوا وما أصيبوا بالغزو الأجنبي لديارهم والاحتلال الاستعماري لبلادهم قديمًا وحديثًا إلا وهم مبتعدون عن الإسلام الحنيف، وذلك جزاء وفاقًا لهم على تحللهم من الإسلام، الذي هو في الحقيقة والواقع جامع قلوبهم وأرواحهم وأبدانهم، وموحد صفوفهم، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا (آل عمران: 103)، ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (الأنفال: 63)، وعلمهم الأخلاق السماوية والآداب العلوية، كما قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وهو منار طريقهم، وشمس وجودهم، ومصدر حياتهم الحرة الكريمة، ومنبع قوتهم وعزتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (المنافقون: 8). وقال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبدًا أمرًا بينًا: كتاب الله وسنة نبيه».

فالعرب قبل الإسلام كان يخيم عليهم ظلام الجاهلية والأمية، ويسودهم عادات وتقاليد باطلة وأخلاق سيئة؛ يعبد معظمهم الأصنام والكواكب والنجوم والشجر وبعض الحيوانات، كما كان يفترسهم غول التمزق والانقسام والخصام، ولم تكن لهم دولة عربية تجمعهم وترعاهم، لذلك استعمرهم الفرس والروم والأحباش واستعبدوهم وسخروهم لخدمتهم وتحقيق مصالحهم، وفي ظل الإسلام الحنيف صاروا مؤمنين بالله وحده لا شريك له، وأصبحوا بنعمته وفضلة إخوانًا متحابين، متراحمين، متعاونين، متحدين في السراء والضراء، فتحرروا من استعمار الفرس والروم والأحباش، بل إنهم حطموا مستعمريهم بالأمس وسادوهم وأقاموا أعظم دولة عربية إسلامية وأرقى حضارة إنسانية في العصور الوسطى.

ولما ابتعدوا عن الإسلام الصحيح بانسياقهم في تيار الأثرة والأنانية والأهواء والشهوات تفرقوا إلى دويلات وشعوب وأوطان، فأضاعوا دولتهم العربية الإسلامية القوية وحضارتهم الإسلامية الزاهرء، وتعرضوا للغزو الخارجي، ووقعوا تحت نير الاحتلال الأجنبي في أيام الصليبيين، والمغول، والاستعمار الأوربي الحديث المصحوب بالاستيطان الصهيوني، وافتقدوا أجزاء غالية من وطنهم العربي الكبير.

ويعاني العرب اليوم من داء التخلف والجهل والضعف والتفرقة، ويقاسون من خطر غزو الاستعمار الغربي والاستيطان الصهيوني لهم في عقر دارهم، واغتصاب أجزاء عزيزة من بلادهم وديارهم؛ وذلك لابتعادهم عن الإسلام الحنيف.

لذلك بذلوا وما زالوا يبذلون محاولات كثيرة منذ مطلع هذا القرن لإقامة وحدة عربية شاملة، فلم يفلحوا حتى الآن في توحيد قطرين عربيين تحت راية القومية العربية وحدها وبالروح العربية الخالصة؛ بل إنهم لم يستطيعوا إقامة حلف عربي حقيقي فعال في مواجهة التحالف القائم بين الاستعمار الأمريكي والصهيونية العالمية، وهو يحتل فلسطين والجولان وسيناء، وينذر باحتلال أراض عربية أخرى، مع العلم بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم استطاع في ثلاث وعشرون سنة أن يوحد العرب دينيًّا وفكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا تحت راية الإسلام الحنيف؛ وذلك لأنهم ضلوا الطريق السوي الوحيد الذي يمكن به وحده اليوم أن يتعاونوا ويتحدوا قولًا وعملًا تحت راية دولة واحدة، ألا وهو طريق الإسلام الحنيف، كما فعلوا ذلك بالماضي. فبالإسلام خرج العرب على يد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه من ظلمات العصر الجاهلي إلى نور الحياة الحرة الكريمة الراقية، وتخلصوا من استعمار الفرس والروم والأحباش، وتعاونوا واتحدوا وأقاموا الدولة العربية الإسلامية العظمى، التي امتدت إلى حدود الصين شرقًا، وجنوب فرنسا غربًا، وشادوا الحضارة الإسلامية حضارة العصور الوسطى بلا منازع.

وبالإسلام الحنيف تآخى المهاجرون والأنصار في المدينة المنورة وساروا صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا لفتح مكة وتحريرها من کفار قریش.

وبالروح الإسلامية الصادقة انتصرت فئة قليلة من المسلمين المؤمنين في موقعة بدر على فئة كثيرة من كفار مكة، وانتصر خمسون أو ستون ألفًا من جنود المسلمين في معركة اليرموك بقيادة خالد بن الوليد على ما يربو على مائتي ألف من جنود الروم. وألحقت الدولة العربية الإسلامية الناشئة الهزيمة بإمبراطوريتي الفرس والروم، وبغياب الروح الإسلامية المخلصة غزا الصليبيون القدس وسائر بلاد الشام واحتلوها، وبعودة الروح الإسلامية إلى بلاد الشام ومصر والعراق آنذاك على يد عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي توحدت مصر والشام، وانهارت الإمارات الصليبية في القدس وسائر بلاد الشام.

وتحت راية الإسلام الحنيف وبروحه الوثابة الصادقة، هزمت مصر بقيادة المماليك المغول التتار في معركة عين جالوت. وبالإسلام ذاب المغول فيما بعد في المجتمع الإسلامي، وبخروج العرب الفعلي من الإسلام الحنيف أخرجهم الإسبان من الأندلس عام 1492م.

وذلك يعني أن عجز العرب اليوم عن توحيد أقطارهم وشعوبهم في دولة عربية واحدة، ذات شخصية عربية حرة، مستقلة سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، وعن تحرير الأراضي العربية المغتصبة يرجع إلى ابتعادهم عن الإسلام الصحيح قولًا وعملًا، ويدل على ذلك أننا منذ مطلع القرن الحالي ونحن في سبيل إقامة دولة عربية متحدة، فأسسنا جامعة الدول العربية سنة ١٩٤٥م لهذا الهدف القومي السامي، فلم نفلح حتى الآن في تحقيقه لأن جامعة الدول العربية ما تزال حتى اليوم جثة بلا روح وأشلاء ممزقة، كل عضو فيها يغني على ليلاه ويعزف على وتره الإقليمي الخاص.

ويدل على فشل الرابطة القومية وحدها في توحيد العرب انهيار الوحدة المصرية السورية التي قامت سنة ١٩٥٨ إلى عام ١٩٦١م؛ لأنها قامت على أساس قومي محض، ولم ينفخ فيها من روح الإسلام الحنيف.

ومثلها انفساخ ميثاق الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق، الذي وقع في نيسان ١٩٦٤م قبل أن يجف مداده، ومثله إخفاق الميثاق الرباعي الذي وقع في طرابلس الغرب سنة ١٩٧١م لإقامة دولة عربية اتحادية تضم مصر وسوريا والسودان وليبيا. ولا ننسى الاتفاق الذي جرى بين ليبيا وتونس عام 1974م لتوحيد القطرين، وقد كتب في الليل ومحي في النهار.

وأوضح من ذلك فشل حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يتبنى الدعوة إلى الوحدة العربية الشاملة في توحید سوريا والعراق، مع أن القطرين العربيين الشقيقين تحت حكمه وسيطرته، وذلك لروح الشقاق والخصام التي تسود أعضاءه وأفراده.. ونحن في محاولاتنا لتوحيد أقطار الوطن العربي الكبير تحت لواء الرابطة القومية المحضة نقلد الغرب في بناء دولة على أساس وطني قومي خالص تقليدًا أعمى، كما ولدناه في فصل الدين عن السياسة، مع أن الإسلام دنيا ودين، ويتناول جميع نواحي الحياة. فقد غاب عن بالنا أن ما يناسب الغرب من نظم وسنن وقوانين وروابط قد لا يناسبنا، وأن ما يناسبنا قد لا يناسبه؛ لاختلافنا عنه في التراث والحضارة والقيم والطباع والعادات والتقاليد. فماضي العرب يشهد على أن العرب ما اجتمعوا تحت سقف دولة عربية واحدة إلا في ظل الإسلام الحنيف، ويؤيد ذلك فشلهم حتى الآن طوال قرن من الزمان تقريبًا في توحيد قطرين عربيين تحت لواء القومية العربية وحدها، مع العلم بأن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم استطاع إخراج العرب من ظلمات العصر الجاهلي إلى نور الإيمان والعلم والإسلام، ومن استعمار الفرس والروم والأحباش إلى رحاب الحرية والاستقلال والوحدة في عشرين سنة.

وأرى أن المسلمين العرب الذين يتحلون بالروح الإسلامية الصادقة يبرأون من التعصبات الإقليمية، وهم أكثر تآلفًا وتعاونًا، وأشد حرصًا على وحدة الأمة العربية، وأكثر استجابة لنداء التضحية والفداء والجهاد بالمال والنفس من العرب البعيدين عن الإسلام قلبًا وروحًا.

يفهم مما تقدم أن الله سبحانه وتعالى قد كتب على العرب ألا يتحدوا وألا يعزوا وألا يسودوا إلا في ظل الإسلام الحنيف، فإذا تمسكوا قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا، وتعاونوا واتحدوا وعزوا وسادوا صاروا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وصاروا أقوياء قادرين على تحرير أراضيهم العربية المغتصبة، وعاشوا أعزاء أحرارًا في ديارهم، وتبوءوا مكانة دولية عالية، كما يشهد على صحة ذلك تاريخهم العريق.

وفي ظل الإسلام الحنيف يصير العرب إخوة متحابين، متراحمين، متحلين في جميع الظروف والأحوال، ويصير المجتمع العربي كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وتصير الأمة العربية كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

والتمسك بالإسلام يعني العمل بأركان الإسلام وفرائضه؛ من شهادتين، وصلاة، وصوم، وزكاة وحج، ويعني الإيمان بالله قولًا وعملًا، وطاعته والامتثال لأوامره ونواهيه، وتطبيق شرعه في الاقتصاد والحكم، ويعني كذلك التحلي بأخلاق الإسلام السامية وآدابه العالية؛ من محبة، وأخوة، وتعاون، واتحاد، وصدق، وأمان، وحق، وعدل، وشجاعة، وإخاء، وحرية، ومساواة، وتراحم، وتضحية، وإيثار، وجد، واجتهاد، وعمل، وعزة، وقوة رحيمة وما إلى ذلك، والتمسك بالإسلام يعني الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله والوطن والأمة.

والإسلام يطهر المجتمع من المفاسد والرذائل التي تجعله مريضًا، فيصير بالطهارة والنظافة سليمًا معافى قويًّا.

والإسلام يخنق صوت الأثرة والأنانية، ويطلق نداء التضحية والإيثار ونكران الذات وتقديم المصلحة على المصلحة الخاصة، وواضح أن الأنانية والنزعة الفردية مما يفرق الأمة العربية ويعرقل قيام الوحدة العربية الشاملة، كما أن الإسلام يقضي على التعصبات الإقليمية والاتجاهات الانفصالية، ويدفن بقايا القوميات من عربية وفينيقية وفرعونية وبربرية وكردية، ويهدم الحدود السياسية المصطنعة التي أقامها الاستعمار وأعوانه بين أقطار العالم العربي، كما أنه يأمر بأن تكون للأمة العربية الواحدة دولة عربية واحدة قوية؛ لا دويلات عديدة صغيرة، ولا أوطان متعددة.

وفي ظل الإسلام يقوم نظام الحكم على سيادة القانون، وحرية الرأي، والشورى، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وقال تعالى في كتابه العظيم القرآن الكريم: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (آل عمران: 159) ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ (الشورى: 38)، وقال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: يا رسول الله، وما تضييع الأمانة؟ قال: أن يوسد الأمر إلى غير أهله». والإسلام يربط المرء بالله ويملأ قلبه إيمانًا ومخافة منه، ويبعث فيه إنسانيته وضميره، ويجعله يتخلق بأخلاق الله تعالى، وبتقوى الله والأخلاق الإلهية يسلك الإنسان طريق الحق والعدل والبر والإنسانية، ويتجنب طريق الباطل والظلم والشر والحيوانية. أما القوانين الوضعية فلم تفلح حتى الآن في تحقيق ما يصبو إليه البشر من عدالة وأمن وسلام وعلاقات إنسانية، كما يدل على ذلك واقع الحياة البشرية قديمًا وحديثًا؛ لأن القائمين على تطبيقها وتنفيذها يفتقرون إلى تقوى الله ومعاني الحق والعدل والمبادئ الإنسانية، ولا تثمر القوانين العادلة ما لم يقم على تنفيذها ناس ذوو عقول مستنيرة وأخلاق كريمة، فالقاضي أولًا والقانون ثانيًا، وكم من قوانين عادلة معطلة وقوانين جائرة مطبقة.

وفي ظل الإسلام الحنيف يكون التعادل بين القيم الروحية والمادية؛ لأنه بطغيان المادة على الروح يكون الجشع والاستغلال والاحتكار والانتهازية وارتكاب المظالم والمفاسد والجرائم والشرور، والإسلام يحرم ذلك كله ويحاربه، فقد قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا (القصص: 77).

والإسلام الحنيف يصنع الإنسان المسلم ويربيه تربية صادقة، ويوجهه وجهة إنسانية خيرة، ويستثمر ما فيه من طاقات وقوى روحية ومادية لصالحه وصالح أهله، وخير مجتمعة الوطني ومجتمعه الإنساني الأكبر.

وإذا ما ربي الإنسان تربية صالة وأشرب معاني الحق والعدل والإنسانية، وتزود بتقوى الله، استخدم قدراته وإمكاناته في الخير والحق والعدل؛ لا في الشر والباطل والظلم، وسخر قوى العلم وطاقاته الهائلة العجيبة في مجالات البناء والعمران والسلم؛ لا في ميادين الهدم والخراب والحرب.

والإسلام الحق يعلم مكارم الأخلاق والآداب، وعلى رأسها التضحية والإيثار، ووضع المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة، والتعاون والاتحاد، وقد وصف الله المؤمنين الصادقين بقوله جل شأنه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (الحشر: 9)، وأمرهم بالتعاون والاتحاد، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (المائدة: 2)، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (آل عمران: 103)، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (الأنفال: 46).

ولقد كان وما يزال للعائق الأخلاقي والنزعة الفردية الأنانية اليد الطولى في إحداث الفرقة والانقسام في صفوف العرب، وفي تقسيم العالم العربي إلى شعوب وأوطان ودويلات.

وما يؤيد ذلك هو أن جميع عوامل الاتحاد الطبيعية من لغة وجنس ودین وتاريخ وثقافة ومصلحة وجغرافية متوفرة في العالم العربي أكثر من توفرها في أي مكان آخر في العالم، ومع ذلك لم يقم حتى الآن اتحاد بين أقطاره ولا بين بعض أجزائه، فالهند مثلًا تقوم فيها دولة هندية واحدة مع وجود أكثر من لغة قومية واحدة وعدة مذاهب وأديان، والولايات المتحدة الأميركية شعبها خليط من الشعوب الأوربية، ومثلها كندا وأستراليا والاتحاد السوفيتي.

وأوضح من ذلك ما نراه وما نسمعه من دعوات وحدوية وشعارات اتحادية يطلقها المسئولون العرب؛ ولكنها دعوات وشعارات لا تتجاوز حد الكلام والثرثرة، وذلك يدل على أنه يقصد بها الاستهلاك المحلي وتخدير الأعصاب والتملق والنفاق، وذلك ليس من الأخلاق في شيء.

ويمقت الله هذا النوع من الناس بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (الصف: 2).

والإسلام الحنيف يعلم الترتيب والنظام والانضباط الذي يتمثل في فرائضه ومناسكه؛ من صلاة وصوم وزكاة وحج، وفي تكاليفه وواجباته وحركاته، والبركة والنجاح حليف النظام والانضباط، والفشل والضياع قرين الفوضى والانفلات.

وذلك يؤكد لنا أنه لن يقدر للوحدة العربية الشاملة أن تقوم وتعيش إلا بأيدي عربية إسلامية، وبروح إسلامية صادقة، فتكون عربية الوجه واللسان، إسلامية القلب والروح والخلق.

فالعرب -ابتداء- يمكن توحيدهم وجمعهم تحت ظل دولة عربية إسلامية واحدة؛ لتوافر جميع عناصر الوحدة الطبيعية من لغة وقومية وثقافة ودين وتاريخ وبيئة جغرافية ومصلحة، فالواقع يقر أنه يمكن أن يقوم تعاون وتحالف بين العالم العربي والدول الإسلامية الأخرى.

الرابط المختصر :