; هذا الصمت الغريب.. المريب إلى متى..!؟ وما هو واجبنا حياله..؟! | مجلة المجتمع

العنوان هذا الصمت الغريب.. المريب إلى متى..!؟ وما هو واجبنا حياله..؟!

الكاتب عبدالوارث سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1977

مشاهدات 100

نشر في العدد 344

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 05-أبريل-1977

لو وجهت إلى فرد عادي من آحاد الناس تهمة الكذب، أو الرشوة، أو الاختلاس، أو الاشتراك في أي عمل مشين صغر أو کبر، لما تردد في الدفاع عن نفسه وتبرئتها، خاصة إذا كان بريئًا مما نسب إليه، وقد يدفع البعض الحرص على سمعته أو مكانته بين مخالطيه إلى نفي التهمة بكل وسيلة وهو يعلم أنه غير بريء منها!! ولأمر ما كان «الاعتراف سيد الأدلة» و«الرجوع إلى الحق فضيلة» و«خير من التمادي في الباطل» ودعينا إلى أن نقول الحق ولو كان مرًا.

وأن نكون قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسنا أو الوالدين والأقربين.

ومن المسلم به عند ذوي النظر السليم أنه كلما ارتفعت مكانة الشخص في قومه زاد حرصه على نقاء سمعته وبقاء مكانته وتوقع منه الناس ذلك.. أن يكون أكثر حساسية وتنزهًا لأنه في موقع القدوة، فما قد يقبل من غيره لا يقبل منه، والصغيرة في حق آحاد الناس كبيرة في حقه هو، وذلك هو ما حكم به القرآن حين قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ(سورة الأحزاب: 30) إذا كان الأمر كذلك، فماذا تتوقع أخي القارئ ممن هو في موقع من المسؤولية خطير وحساس على مستوى أمة بأكملها؟! وماذا تتوقع ممن تلك مكانته ومسئوليته حين توجه إليه واحدة أو أكثر من تهم غاية في الخطورة والفظاعة تتضاءل أمام بشاعتها تهم السرقة والرشوة والتزوير. ماذا تتوقع أن يكون جوابه أو رد الفعل من جانبه إذا اتهم بشيء مما يأتي:

۱- تخريب الأخلاق الفاضلة وتقاليد الخير في الأمة.

٢- إغواء الشباب ودفعهم إلى الانحراف وهم أمل الحاضر وحماة المستقبل.

٣- انتهاك نص في دستور الأمة يجعل الإسلام دين الدولة وشريعته مصدر قانونها.

٤- محاربة الإسلام دين الأمة وأملها في النجاة مستعينًا على ذلك بما وضعته الأمة في يديه من إمكانياتها.

٥- التعاون مع أعداء الأمة وأعداء دينها وتنفيذ خططهم الخبيثة التي وضعت لتدمر الأمة في مختلف النواحي.

تصفح أخي القارئ أيًا من المجلات الإسلامية الجادة «المجتمع، الدعوة، البلاغ، الشهاب، الاعتصام» وغيرها فلن تعدم في كل عدد واحدة أو أكثر من تلك التهم الخطيرة موجهة بصريح العبارة إلى هذا أو إلى ذاك من المسئولين بالاسم أو بالوظيفة، أو إلى الجهاز أو المؤسسة التي عهدت به الأمة إليه بمسئوليتها في كل بلد من بلادنا العربية ستجد نفس التهم والانتقادات توجه إلى ذات الأجهزة والمسئولين عنها وتأتي أجهزة الإعلام مرئية ومسموعة ومقروءة وأجهزة السياحة والرياضة وأجهزة التعليم للأسف الشديد، بمختلف مستوياتها.. تأتي هذه الأجهزة في مقدمة مصادر الإفساد والتدمير.

إن المجلات الإسلامية ليست هي الوحيدة التي يؤرقها هذا الوضع فتتحدث عنه وتصرخ في المفسدين أن أفيقوا، وإنما تجد ذلك وتسمعه من مصادر عديدة متنوعة: صفحات الرأي والشكاوى والصفحات الدينية في بعض الصحف اليومية والمجلات العامة مجلات الحائط التي تصدرها الجماعات الجادة من شباب الجامعات.. الخطباء على منابر الجمعة وفي اللقاءات والمناسبات الدينية والاجتماعية.. هذا فضلًا عن الكثير والكثير مما يدور على الألسن في المجالس والمناقشات.. المسألة إذن ليست وجهة نظر فرد أو جماعة محدودة أو «متعصبة» كما يحلو لبعض المتعاطفين أو المتواطئين مع تلك التيارات الضالة أن يسموها.. إنها في الحقيقة ردود فعل عنيفة وواسعة النطاق بين أهل الوعي والتدين الصحيح، وهي كذلك تجد لها صدى قويًا في صفوف الجماهير المسلمة، إنها تعبير بلسان البعض عن مشاعر الأمة في جملتها. إزاء هذه التهم الخطيرة والجادة، المنبعثة من أرض الواقع المر، يصاب المسئولون المتهمون بنوع من الصمت عجيب ومحير!! كأن الأمر لا يعنيهم ولا يمس لهم سمعة أو يجرح لهم شعورًا!! كأنما هي قصائد المدح تزجى لهم فيعجبون وتهدأ نفوسهم! سبحان الله! يثور المغمورون لأدنى إهانة، أما الكبار فلا يحسون ببالغ الطعون وأقذع التهم!!

هل هي لا تصل إلى أسماعهم؟! أهم لا يقرأون «أليس في مؤسساتهم موظف للعلاقات العامة يتتبع ما ينشر عنهم وعن تلك المؤسسات ويبلغه إلى المسئولين؟ إن الأمر من الاستفاضة بحيث يصعب على المرء أن يقبل فكرة أنه لم يبلغهم؟ ثم إن ثمة أمرًا آخر يؤكد أنهم يتتبعون ما يقال عنهم.. ولكنهم يردون على أمور معينة!

لو نشرت صحيفة خبرًا صغيرًا ينسب إلى واحد من أولئك المسئولين أو إلى جهازه أنه أساء إلى السلطة الحاكمة، أو حتى إلى دولة لها علاقة مع حكومته، لسارع ذلك المسئول ينفي ويتبرأ إن استطاع أو يعتذر ويعلن التوبة إن عجز عن إثبات البراءة!! حدة في السمع واليقظة هنا وصمت أو تصامم هناك!! عجيب! لو انتقدت صحيفة مسئولًا في البلدية مثلًا بشأن التقصير في نظافة الشوارع، لوجدناه يحرص على أن يبين للقراء وفي نفس الصحيفة حقيقة موقفه. أما حين يقال لمسئول في أجهزة الإعلام أو التعليم أو السياحة إنك أفسدت الشباب والأخلاق وأعنت على الأمة أعداءها فإننا لا نلقى منه إلا الصمت الطويل المحير!!

ما السر في هذا الوضع الغريب؟! أهي اللا مبالاة والتعالي بالباطل؟ ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُأهو البهت أمام الحقيقة المرة التي لا يمكن دفعها؟! إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل! أهو الخوف على المنصب وما وراء المنصب من خيرات؟! أهو انقلاب في المعايير جعل البعض يروجون للمنكر والفساد ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾، أم أن الأمر أخطر من هذا وذاك؟! لا نريد أن نسارع بإلقاء أحكام إدانة، وإن كان فيما يصدر عن تلك الأجهزة كثير مما يبرر التوصل إلى بعض الإدانات.

وإنما- والهدف هو الإصلاح والدعوة إلى الحق والخير- نهيب بكل مسئول أن يهب من سباته وأن يدرك نفسه قبل فوات الأوان فيصلح من مسيرة الجهاز الذي يترأسه، أو يخرج عن صمته ويبين للناس الحقيقة فيما يقال، وذلك ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ إن هذا الصمت الذي لا مبرر له على الإطلاق يفتح الباب واسعًا لتعميم الشكوك وأخذ الغافلين والأبرياء في زمرة المفسدين الحقيقيين. فليتق الله كل مسئول في نفسه وفي أمته ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا.

أما نحن أخي المسلم فماذا علينا إذا ما استمرت خطة الصمت والتبلد؟ سيتعاظم المنكر ويستشري الفساد وتتردى الأمة في هاوية لا يعلم إلا الله قرارها! تلك هي غاية أعداء الإسلام وأعز أمانيهم. تلك هي النهاية الأليمة إن لم نتحرك ونشفع القول والنقد والاتهام بعمل جاد ومخلص يحاصر الفساد ويوقظ الغافلين والمخدوعين! إن هذا الذي يحدث من داخل الأمة ومن داخل النفوس لهو أخطر من الغزو الخارجي، وإذا كان الحكم الشرعي أن الجهاد يصبح فرضًا عينيًا على المسلمين بالقدر الذي يكفي لرد العدو الغازي ولو أدى الأمر إلى فرضه عليهم جميعًا رجالًا ونساء، فإن محاربة الفساد الذي يتهدد الدين والدنيا تصبح في مثل وضعنا الخطير هذا صورة من الجهاد يفرض على المسلمين التعاون في القيام به بالقدر الذي يكفل حماية الإسلام والمسلمين من الدمار.

ولقد ثبت من استقراء الحوادث في دول الإسلام في العقود الأخيرة أن طغيان المنكر وطوفانه في ازدياد، وأن الداعين إلى الله مع تزايد عددهم وإصرارهم والحمد لله غير قادرين حتى الآن على إيقاف زحفه نظرًا للفارق الكبير بين الفريقين من حيث العدد والإمكانيات ووسائل التأثير. كما ثبت أن أعداء الإسلام وأدواتهم في بلادنا قلقون لتزايد المد الإسلامي، ولذلك يضاعفون جهودهم وينوعون مخططاتهم ويتفننون فيها أملًا في إضعاف هذا المد وفي الإسراع بالنتيجة التي يعملون من أجلها.. ومن هنا فإننا في ظروف تستدعي «النفير العام» أو «التعبئة» لكل حريص على دينه مخلص لأمته يرجو عند الله قبولًا ونجاة في الآخرة.

لقد فرض الله على المسلمين أن يوجدوا من بينهم طائفة متفرغة للحفاظ على سلامة الأمة ودينها عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وإذا لم تقم الأمة بذلك. أو لم توفر لهذه «الطائفة». من عوامل القدرة والقوة في العدد والإمكانيات والتأييد ما تستطيع معه أن تنجح في أداء مهمتها الشاقة تلك أثمت الأمة كلها وحقت عليها الهلكة. والآية التالية للآية السابقة تحذرنا من ذلك المصير: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ والرسول صلى الله عليه وسلم حذرنا من نفس المصير واللعنة التي حلت ببني إسرائيل لذات السبب: «كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا ولتقصرنه على الحق قصرًا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم». «رواه أبو داود» وأعم منه وأقوى حديث البخاري عن النعمان بن بشير: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها..» إلى آخر الحديث حيث يقول عليه السلام «فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا».

ماذا تفعل أخي المسلم؟

إن هذا الباب من الجهاد في الله فيه متسع لكل مسلم ومسلمة مهما ظن الظنون بإمكانياته واستهونها. تعلم دينك وتثبت من الحلال والحرام واجتهد في تقوية صلتك بالله يسهل عليك أن ترى المنكر وأن تفطم نفسك عنه. عليك بأهل بيتك وذويك وكل من لك طاقة على التأثير فيهم... نبههم إلى ضروب المنكر والانحراف في الصحافة، والإذاعة، والسينما، والتليفزيون.. في نظم التعليم. في شئون الحياة التي يمارسونها كل يوم.. بصرهم بخطرها وحذرهم منها، وافتح عيونهم على البديل الإسلامي الذي يفيض بالخير.. كم من سموم فتاكة تسري في أوصال الأمة خاصة شبابها الغض، مموهة بأسماء براقة كالفن والثقافة والتمدن والحرية الشخصية أو حرية المرأة.. باسم الديمقراطية أو الاشتراكية.. وحتى باسم العلم!! حاول أن تعطي من نفسك وذويك القدوة الصالحة العملية في أي میدان توجد فيه. تقرب من إخوانك المؤمنين وتعرف إلى الداعين إلى الله لتكثر سوادهم وتشد من أزرهم.. وفي مقابل ذلك اسم بنفسك عن التقرب أو الاختلاط مع المنحرفين والمنحلين وأرهم من نفسك عزة المؤمن بأن تقف منهم موقف المرشد والناصح لا موقف المعجب المفتون.

فإن كنت أخي المسلم ممن وضع الله في أيديهم شيئًا من نفوذ، فاستعن به على مواجهة الباطل وأهله ودعم الحق وأهله، وبقدر ما أنعم الله عليك به من جاه، أو نفوذ، أو علم، أو مال تكون تبعتك في الجهاد وفرصتك في تقديم ما ينفعك عند رب العالمين.

بهذا يتكاثر أهل الحق ويتقوون فيصبح تياره جارفًا لا يلبث أن يكتسح في طريقه تلك المستنقعات الآسنة العفنة فيطهر الورد ويعذب وتسري في عروق الأمة قوة الحق وعافية الإيمان، وتعود بمشيئة الله وبتعاون المخلصين خير أمة أخرجت للناس. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 48

137

الثلاثاء 23-فبراير-1971

مع القراء (48)

نشر في العدد 1700

540

السبت 06-مايو-2006

وجهة نظر أم فتوى؟!