العنوان عبقرية خالد لعباس محمود العقاد "الحلقة 5".. رؤية نقدية
الكاتب عبدالرحمن إبراهيم محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1972
مشاهدات 85
نشر في العدد 96
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 18-أبريل-1972
أخذ الرسول زمام المعركة كلها في يده ليمضي في القتال، وبرز في مقدم الصفوف وثبت في ذلك الهول الجارف، وتسارع إليه الأنصار والمهاجرون وهانت النفوس؛ حتى استهدفت النساء للموت غير مُبَالياتٍ.
لعل من أصدق الآيات على رحابة الأفق، وتعدد الجوانب في نفس الإنسان العظيم نبي الله محمد صلى الله علية وسلم، هؤلاء الرجالَ الذين أحاطوا به علی اختلاف أعمارهم وبيئاتهم وإحساسهم واختلاف أمزجتهم وأخلاقهم ومَلَكَات العقول وضروب الكفايات فوق اختلافهم في فهم الدين وبواعث الإسلام، ولعل في معرفة كل رجل من أولئك الرجال مزيدًا من المعرفة بعظمة المربي الكبير سيدنا رسول الله، وما من عظيم من هؤلاء العظماء إلا كان تقدير النبي إياه بقدره الصحيح، وفي هذا آية على عرفانه صلى الله عليه وسلم الشامل لخصائص النفوس، ولقد كان تقديره لخالد على التخصيص آيةَ الآيات في هذا الباب لأنه عليه السلام لم يُكْبِرْه إكبارَ السياسي الذي يستجمع القوة حواليه، إنما أكبَرَه لأنه عرف أقصى مستطاعه قبل أن يظهر من مستطاعه الكثير، وسماه سيف الله وهو قافل من معركة يتلقى فيها مع من عادوا منها النكير والتشهير ويصيح بهم الصِّبْيَةُ أينما وجدوهم: یا فُرَّارُ یا فُرَّارُ، فررتم من سبيل الله. ولو أنه رضي الله عنه قضى نَحْبَه في السنة العاشرة للهجرة أو بعد ذلك بقليل لعجب المؤرخون كيف سمي سيف الله، لكن النبي وحده من عرف أنه حقيق بهذا اللقب على أوفى مداه وسماه به قبل أن يهزم المرتدين وقبل أن يهزم الفرس والروم وقبل أن يصون للإسلام جزيرة العرب ويضم إليها العراق والشام، إذن هو البصر العلوي الذي يلمح هذه القدرة في معدنها؛ حيث ينظر الناس فيرون خالدًا مرتدًّا من مؤتة أو مُوَلِّيًا من ميدان حنين أو صانعًا ببني جذيمة ما يبرأ منه النبي عليه السلام، وخفي على المُشَهِّرين من المسلمين كما خفي على كل رؤساء الأمم أن يروا موضع النصر والظفر من غير أوقاتهما بينما بقي لِعَين الرسول المُلهَمَة وحدها أن تراه في ظلام المحنة والبلاء، ولقد أتى خالد من الأعمال وهو في صحبة النبي ما يُثبت أحَقِّيَّتَه في الوسام وجدارته بالتقدير، وذلك تفويتًا لفرصة تمادي الحاسدين مع تفاوت النظرات إلى صنيعه من بعضها فمرةً إلى جانب العذر وأخرى إلى جانب المَلَام، وبهذا ينبغي أن توزن هذه الأعمال بميزانها الصحيح لإقامة خالد من نفسه في مكانه الصحيح.
«مؤتة»
لقد اشترك ابن الوليد في مؤتة تطوعًا، وهي سَرِيَّةٌ خرجت لتأديب قوم أساءوا استقبال رسل النبي فقتلوا أكثرهم، وكان السكوت على هذه الجريمة الشنعاء إغراءً للمعتدين على التمادي في الاستهانة بالدعوة وصاحبها، ثم هو تشجيع للأعداء على الجمع لمحاربتهما، ولقد رأی علیه السلام الثأر لأصحابه فجَرَّد لتأديب المعتدين جيشًا لا تتجاوز عِدَّتُه ثلاثة آلاف، ويتولى أمرَه زيدُ بنُ حارثة «فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن رواحة« وشاءت إرادة الله أن يستشهد الثلاثة، وكأنما استحى القادة الثلاثة أن يُرَشَّحوا للموت ويرجعوا دونه، فلقد كان مدد الروم حاضرًا، وكانت الحرب بين عسكرين على هذا التفاوت البعيد عملًا غيرَ مُجْدٍ، فقاتل زيد حتى قتل مدفوعًا بحماسة الشاعر وحمية الشهيد، وأحاط القوم بجعفر وهو يحمل اللواء ويثير حوله نخوة المسلمين فأنحَوا عليه بالضرب حتى قطعت يمينه ثم قطعت شماله ثم ضم اللواء إلى عضديه ولبث يناضل عنه إلى أن مات، ودُعِي ابنُ رواحة إلى الرئاسة فطفق يصول بين الصفوف ويَهدِر بالشعر حتى قتل والمعركة في أشَدِّها.
وفي لحظة من لحظات الرعب المخيف حيث وضع مصير الناس رهنَ بصيرتهم وحيث الأهمية الفورية للعمل والقرار، دبر المسلمون أمر الرئاسة بوحي البديهة ونور العقيدة واجتمعت الكلمة على خالد بن الوليد، ولعلهم أخذوا الرجل بمقياس اللحظة ونظروا إليه من خلال رهبة الموقف فإذا هو يتولى القيادة في حينها ويصنع لساعته خير ما يُصنع في ذلك الحين، وخيرُ ما يُصنع هو الارتداد المأمون، رجل الساعة يبرز في لحظة يخيم فيها الموت على رؤوس الناس ليعيد للجيش المأخوذ ثقته وهو على حافَّة الفناء، لقد صمد ابن الوليد في الميدان حتى المساء ثم بدل مواقف الرجال تحت شعار الليل وجعل خلف الجيش طائفة يثيرون الغبار ويكثرون الجلبة عند طلوع الفجر، فإذا هو العدو أمام وجوه قد تغيرت و أعلام غير الأعلام، وإذا بالجلبة مع هذا الاختلاف تُوهِم القوم أن مددًا جديدًا أقبل على جيش المسلمين، فلما ذهب خالد يدافعهم وينحاز لجيشه لم يتبعوه حذرًا من الكمين، وأبلى ابن الوليد بلاء لم يُبلِه قط في غزواته الكبرى وقَفَلَ إلى المدينــة بسلام، وعاد الناس يقولون مع النبي إنهم الكُرَّار بإذن الله وليسوا بالفُرَّار، وهكذا صان لحملة التأديب حياتها بعد محاولة للنيل والتشفي، ومكن للدعوة مواصلة العناية بقوتها لتنمو وتشتد، ولعلك توافق الكاتب على أن الارتداد أصعب من النصر في بعض المآزق؛ لأن النصر ميسور مع اجتماع العدة له لكن الارتداد المأمون غير ميسور لكل من يريد، وهو أضعف الموقفين إلا أن تكون للقائد خبرة بالقيادة تعادل قوة العدو الذي يرتد بين يديه.
بنو جذيمة
لقد لام النبي العظيم خالدًا وبَرِئَ من صنيعه حين أحس بخطئه في مهمة ندبه لهـا ورشحه للوفاء بها، وذلك عندما بعثه إلى بني جذيمة لیری خبرهم ويدعوهم إلى الإسلام دون إشارة بقتالهم.
ويصل ابن الوليد إلى ساحة القوم على رأس جمع من الأنصار والمهاجرين وبني سليم ثم يقف ليستطلع الأمر؛ فإذا ببني جذيمة قد ظهروا في وضع ينبئ عن استعداد للحرب ورغبة في النزال، فيداخله شك فيبعث إليهم أن يكشفوا عن أمرهم ويدَعُوا أسلحتهم فيقابلوا طلبه بالصخب والثورة والتضارب، فكان أمرًا مبهمًا فما كان منه إلا أن عرضهم على السيف، الأمر الذي أنكره عليه مَن معه من مهاجرین وأنصار ومَن بالمدينة، وترتفع الأيدي المسلمة مشيرةً بالاتهام إليه ظنًّا مِن قتلِه المتعمدِ بني جذيمة بدوافع موروثة مما يعد إسرافًا في الظن أن يقتل ابن الوليد أُنَاسًا وهو يعلم أن دمهم حرام، ويتخذ من مهمة النبي ذريعة إلى شفاء ثأر قديم، لقد عزَّ على المُتَّهِمين مُدَارسةُ ظروف الحدث وملابساته، فقد كانت دواعي اللَّبْس ودوافع الطبع قائمةً في مقتل بني جذيمة على رأي العقاد، منها حال البوادي من التحفز حول مكة للوقيعة والشر، ثم استقبال القوم له بالعدد والعدة، واضطرابهم في إسلامهم والإفصاح عن نياتهم عندما طلب إليهم ذلك، وما رُوِيَ من أشعار وقصص لبعضهم مما يُشكِل الأمر ويوحي بالاختلاف، وأخيرًا قول عبد الله بن جذامة له: «إن رسول الله قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الإسلام» كل هذا يحدث في جو يموج بالريبة والشك والتربص مما أغرق الرأي الواضح والخطة المحكمة في غمام کثیف فلا سبيل إلى الكشف والاستبانة، فإذا أضفنا إلى انعدام الرؤية حداثةَ سن خالد وما فُطِرَ عليه من ميل إلى الصرامة والقسوة بدافع من عادات البيئة واضطراب الأعصاب المعروف عنه وعن أهل بيته ثم أسلوب القائد المطبوع على قتال الصحراء، وميله إلى تسليم الإذعان والانقياد دون تسليم المراوغة والمداورة، ولا يبعد أن يكون خالد قد ورث من عمومته جفوة لبني جذيمة؛ فجنح به شعوره إلى سوء الظن بهم وقلة الطمأنينة إليهم من حيث لا يقصد الانتقام، فإذا وضعنا هذا على مائدة البحث كانت خلاصة القول التي هي منقطعة عند المنصفين أن ما حدث من أمر خالد مع بني جذيمة كان خطأ غير متعمد لم يقصده قصدًا، على أن هذا الأمر له أشباه في الحروب قديمها وحديثها، وفوق ذلك جميعًا إبقاءُ النبي على خالد بعد صنيعه هذا عينُ الصواب الذي أكدته حروب الردة وحرب الفرس والروم فيما بعد، بهذا يعطي النبي المعلم نموذجًا رائعًا للتربية النبوية التي تمنح الرجال فرص المراجعة والإصلاح في أمر يشبه الأمر الذي أخطأوا فيه، ويتبدى ذلك في ذهاب خالد إلى بني المصطلق وهم من بني جذيمة ليستخبر لرسول الله خبرَهم ويتبين الحق فيما بلغه عن ارتدادهم وهو الأمر الذي ينبئ أن خالدًا لم يتعسف كلَّ التعسف في شكه الأول ببني جذيمة على اختلاف بيوتهم.
حنين
وهذه بعد أيام معدودات من تلك الحادثة، على أن ابن الوليد قد لمس موضـع الثقة من نفس النبي في هذا الحادث الكبير، ومن الخير أن نتعرف الدوافع بهذه الغزوة والأسباب التي أدت إلى غلبة المشركين وتفرق المسلمين تم تغير الهزيمة إلى نصر مؤزر في النهاية.
لقد خُيِّلَ للأعراب الثائرين عقب فتح مكة أنه من الخطأ ترك محمد وأصحابه ينعمون بنصرهم لأن في هذا استقرارًا للدعوة الإسلامية ويتيح لها التفرد بالحكم والسلطان في البلد الحرام، لهذا تَنَادَوا بالحرب واجتمع عددهم وتولى أمرَهم مالكُ بنُ عوف وهو فتى جريء يجمع بين الغطرسة وحمية الفروسية من جانب، وبين حدة الشباب وشدة الخصوم من جانب آخر.
ولقد جمع حوله من الحانقين والموتورين بما يملك من وسائل الإثارة والتحريض، فصُفَّت الخيل، ثم الرَّجَّالة المقاتلة، ثم الإبل عليها النساء، ثم صُفَّت الغنم، ثم صُفَّت النَّعَم في حراسة لئلا تفر والجيش منشغل عنها، ولعلك تلحظ أنها عزمة رجل مستميت لا يبالي ما يصنع بنفسه أو بقومه في سبيــل قهر المسلمين.
ولقد كان في جيش المسلمين كثير من المسلمين المُحدَثين ومعهم في ساقة الجيش جمع من المشركين، رجال ونسـاء ينظرون ما يكون، وكان فيهم أبو سفيان الذي قال حين رأی بوادر الهزيمة: «لا تنتهي هزيمتهم دون البحر»، كما كان الغالب على جيش المسلمين قلة الاكتراث بعدوهم فقال الصديق: «لن نغلب اليوم من قلة» على أي الحالات خرج النبي بما كان عليه واستعار من الآخرين ما يكمل النقص في الجيش المقاتل، وجعل قيادة الفرسان لخالد بن الوليد، وأخذ كل فريق أُهْبَتَه للقاء عدوه وفوجئ المسلمون بكمين من أحد الشعاب قابلهم بنَبْلٍ كأنه الجراد المنتشر؛ فأدبر الخيل وأدبر المُقاتِلة وراءها لا يلوون على شيء، وهنا يُجمِلُ العقاد أسباب الهزيمة فيقول:
أولًا: في المفاجأة غير المتوقعة من قبل المشركين.
ثم ثانيًا: في سيادة روح الاستهانة وقلة الاكتراث بين صفوف المسلمين بعدوهم.
ثم ثالثًا: ما ظهر من نقص في أسلحتهم ووجود كثير من الطلقاء على ما يضمرون من سوء نية دفعهم إلى خذلان النبي فتبعهم الناس، أضف إلى ذلك حسن اختيار المشركين مواقعهم والوقت المناسب للهجوم وتَعَرُّضَ جيش المسلمين لمواجهـة الشمس مع شدة الحر، ثم براعة المشركين في الرمي ومهارتهم في الاستطلاع، الأمر الذي يقابله عدم تمتع استطلاع المسلمين بالبراعة والتأكد والسرعة. وأخيرًا غلبة نوازع القرابة على روابط الدين، الأمر الذي دفع بعض القبائل إلى التراخي في متابعة فلول المنهزمين من المشركين في نهاية المعركة، مما يثبت رغبتهم في عدم إنزال العقوبة بهم.
ثم يشير العقاد إلى تلك الجفلة الحيوانية المعروفة في أشباه هذه المواقف، فلم تمض على حنين بضع سنوات حتى لقي الفرس من فِيَلَتِهم في حرب المسلمين، مثل هذا المصرع ومثل هذه الجفلة يوم تعمدها المسلمون بالضرب في الأعين والخياشيم، على أن المهم في الأمر أن الرسول أخذ زمام المعركة كلها في يده ليمضي وحده في القتال كيفما تصير الأمور، وبرز في مقدم الصفوف، وثبت في ذلك الهول الجارف ثبوتًا يفوق كل وصف وتسارع إليه الأنصار والمهاجرون، وتعاطفوا عطفة الإبل على أولادها، وهانت النفوس حتى استهدفت النساء للموت غير مباليات، وكان ابن الوليد قد ثنى عِنان فرسه بعد التوائه في الهجمة الأولى، ولم يزل يقاتل حتى وجده النبي وهو يتفقد الجرحى بعد المعركة؛ فبارك له وواسـاه فيعزز بذلك ثقته فيه، وكأنه يشير إلى أن خالدًا لم يكن له يد فيما حدث لأن الأمر كان فوق تدبیره.
وينتزع المسلمون النصر بعد ظهور الشجاعة النبوية وشُغْلِ المشركين بالغنائم ليأخذوا درسًا من أقيـم الدروس الروحية والإعداد العسكري، وليبقى هذا الدرس لهم مددًا على مر الأيام؛ يأخذون منه ما يعينهم على النصر في لحظات اليأس وفقدان الأمل، فما أروع الثبات على الحق، والحق جلي واضح على مر العصور.
ونعود فنقول: إن تقدير الرسول الأعظم خالدَ بنَ الوليد لم يكن تقدير المجاملة لمكانه أو لما يُرجَى من قومه الأقوياء بني مخزوم، إنما هو سيد السادة ومربي الأبطال، يقَوم الأعمال بقيمتها، ويُنزل العظماء منازلَهم، صلى الله عليه وسلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل