العنوان نقوش على جدار الدعوة.. مقاومة الفتنة والتحصن ضدها
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1997
مشاهدات 60
نشر في العدد 1260
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 29-يوليو-1997
«والفتنة أكبر من القتل» «والفتنة أشد من القتل».
هذا تعبير القرآن عن الفتنة مما يوحي بمدى أثرها في زعزعة ثقة الأمة بنفسها وفقدان التوازن بين أبنائها، ونشر بذور الفساد في أرجائها، مما يجعلها ضعيفة البنيان تتأكل من داخلها، حتى تنهار في النهاية أو على الأقل تعيش سليبة الإرادة، فاقدة المناعة أمام كل شر وكل ضرر.
والفتنة: الاختبار بالنار، والابتلاء، والإعجاب بالشيء، والاستهتار به، والتدله بالشيء والاضطراب، وبلبلة الأفكار.
وفي التنزيل العزيز: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران:7)
والعذاب، والضلال، وفتنة الصدر: الوسواس (المعجم الوسيط - مادة فتن)، ومعظم هذه المعاني إن لحقت بفرد أو جماعة أضرت بها ما لم تكن لها حصانة من دين قويم وتقوى وصبر: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (المائدة:90) ولذا جاء في القرآن التحذير من الفتنة: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:49)، وذلك لأن الأعداء لا يخطر في بالهم أن يحولوا كل المسلمين عن إسلامهم، وإنما كل أمالهم أن يصرفوا بعض المسلمين عن إسلامهم أو يصرفوا أكثر المسلمين عن بعض إسلامهم، وهذا ما اعترف به كبير المنصرين في العصر الحديث «زويمر» حين قال في مؤتمر المنصرين: «لا نطمع في أن يدخل المسلمون المسيحية، وإنما نعمل على أن نصرفهم عن إسلامهم».
ووسائل الفتنة كثيرة، ففتنة النساء، وفتنة المال، وفتنة الزوجات والأولاد، وفتنة الأقارب، وفتنة العصبية لجنس بعينه أو قوم، أو مذهب أو طائفة، أو غير ذلك من ألوان تحيط بالإنسان الذي هو موطن الاختبار في الحياة: «ليبلوكم أيكم أحسن عملًا»، والعصمة من هذه الفتنة وغيرها هي الاستمساك بحبل الله المتين: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة:43)«إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم»، وبغير هذا الاتباع للقرآن والسنة، لا حامي من فتنة ولا عاصم من ضلالة.
وكثير من الناس لا يحتكمون إلى الدين ولا يتمسكون بفضائل وقيم إلا إذا ضربتهم الفتنة بسوطها، فذاقوا ألمها وعذابها، بل إن بعض كبار الملحدين لجؤوا إلى إحياء الدين في نفوس أتباعهم لمقاومة شدة معينة أو التغلب على صعوبة بارزة، وهذا ما فعله ستالين في حربه مع ألمانيا حين حاول إحياء بعض القيم الدينية في نفوس جنده حتى يتقدموا في القتال ولا يتقهقروا، مع أنهم - جميعهم - من قبل ومن بعد أنكروا أثر الدين في الحياة، وفي عمل الرجال.
وفي عالمنا الإسلامي تجد أناسًا - في أوقات الرخاء - يعملون على إحياء الفتنة من مماتها، وبعثها من مرقدها، لتثير الأهواء بين المسلمين، فتفرق جماعتهم، وتخضد شوكتهم، وتقتل أخوتهم فيصيرون كالغنم القاصية عرضة لافتراس الذئاب «وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»، وهؤلاء ينبشون قبور الماضي القريب والبعيد، لعلهم يجدون رفاتًا ينثرونه في وجوه المسلمين ليغمضوا عيونهم، ويسدوا أنوفهم - إن استطاعوا - حتى لا يؤذوا بما فعله ناشرو الفتنة الذين لا يخلو عملهم من شر يضر الناس ولو كان عن طريق الشبهات:
كذا الماء إن حركـتـه يد
طفا عكر راسب في إنائه
وناشرو الفتنة وناثروها بين الناس لا يظهرون على حقيقتهم، بل إنهم يلبسون لكل حالة لبوسها، ويتحدثون مع كل أحد بما يهوى، دون أن تصدق وعودهم، أو تكشف كلماتهم عن حقيقة موقفهم:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب
وقد يستهين البعض بما يثار من غبار الفتنة على الساحة، على اعتبار أن أثره حقير، وفعله في النفوس هين، يمكن التغلب عليه في وقت قصير، والباطل بغير شك ضعيف الجذور، وإن انتفشت أغصانه، وامتدت ظلاله، ولكنه إن طال أمده وفترت النفوس عن مقاومته، ترسب في قعر الحياة وأحدث آثارًا ضارة في البناء الاجتماعي والسلوكي للإنسان، ولذا فإن علينا سد كل باب للفتنة مهما كان صغيرًا، ودرء الشر عن حياة الناس ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، دون استهانة بأي انحراف أو ميل عن الطريق المستقيم فبداية الانحراف تبدأ بخطوة «ومعظم النار من مستصغر الشرر»، وكم كان الشاعر صادقًا في قوله:
لا تحقرن صغيرًا في مخاصمة
إن البعوضة تدمي مقلة الأسد
وللشرارة حفر حين تنظرها
وربما أضرمت نارًا على بلد
وصدق الله القائل في كتابه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال:25).