العنوان ليكن الشهر بداية لتحرير النفوس
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1970
مشاهدات 177
نشر في العدد 35
نشر في الصفحة 3
الثلاثاء 10-نوفمبر-1970
ليكن الشهر بداية لتحرير النفوس
إذا قيل في رمضان إنه شهر اعتدال الصحة والتخلص من كثير من الأمراض وإذا قيل في رمضان إنه شهر الإرادة القوية والتغلب على الشهوات، وإذا قيل في رمضان أنه يشعر الغني بجوع الفقير ويعلمه كيف يكون الحرمان، فإن رمضان أولًا وقبل كل شيء شهر التقوى والصلاح فرض فيه الصوم ليكون تمتينًا لعرى التقوى -تقوى الله -وتثبيتًا للصلاح-صلاح الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. (سورة البقرة: 183 ).
ولأمر ما كان نزول القرآن في شهر رمضان ليحيا هذا الشهر، كما أراد له الله بقراءة هذا القرآن قراءة واعية متدبرة متبصرة تارة في جوف الليل وتارة عند الفجر وتارة في وضح النهار وإذا كان هذا الشهر ينفرد بصلاة قيام يجتمع لها الناس ويتفرغون لها نابذين مشاغل الدنيا وراءهم ظهريًا، فإن هذه الصورة في هذا الشهر الفضيل لابد أن تتميز بالخشوع والخضوع والتأني في ترتيل القرآن والإطالة فيها حتى تمتلئ خبايا النفس وتفيض جنبات الصدر بهذا التنزيل المحكم فيعود إلى المسلم اطمئنانه وتغمره سعادة المتصلين برب الناس.
وفي هذا الشهر ينسى المسلمون أحقادهم فيتقاربون ويختفي من قلوبهم الحسد والجشع فيتراحمون وتتناجى قلوبهم بحب الخير لكل إنسان وتهون الدنيا عليهم وتكبر الآخرة في أعينهم؛ فتراهم في تكافلهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى وأولى الناس بالتراحم في هذا الشهر الفضيل ذوو الأرحام وأولو القرابات الذين يأمرهم الله بالتواصل دائمًا وفي كل حين، فليتذكروا في هذا الشهر ذوي أرحامهم وليكونوا لهم زائرين وبالهدايا منهم متقربين وبالبشاشة والطلاقة لهم مستقبلين.
وحين يكون تفكير المسلم متجهًا إلى رضاء ربه وطلب مغفرته والرغبة في جنته ولا شك يتخذ لذلك الأسباب ويبحث عن الطريق من كل باب، والصدقة باب من هذه الأبواب ولا تكون مقبولة إلا إذا كانت خالية من الرياء خالصة لوجهه تعالى في السر وفي العلن ولقد كان رسول الله في رمضان أجود من الريح المرسلة والمال هذا بابه ولا يبقى إلا بإنفاقه في سبيل الله، حتى لا يكون دولة بين الأغنياء، فليتقرب الأغنياء إلى الله بمالهم قبل أن يأتيهم يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
وأما العمل والكد والسعي فهو في هذا الشهر ألزم منه في غيره ولقد كان المسلمون الأولون في رمضان أنشط منهم إلى العمل في غيره وهاهم ينفرون خفافًا وثقالًا في سبيل الله في شهر رمضان وينتصرون في معركة الفرقان بينهم وبين أعداء الله في بدر في شهر رمضان.
فعلى الكسالى والمتنطعين أن يتركوا الاعتذار عن كسلهم وخمولهم بالصيام وليتقوا الله ربهم بإتقان العمل والإخلاص فيه في هذا الشهر الكريم.
فإذا كان صيامنا لرمضان مصحوبًا بهذه الأعمال متوجًا بالنية الخالصة خاليًا من الرياء فإنه لله وحده وهو يجزي به ويضاعف فيه الأجر كما يشاء وإذا كان المسلم يصوم رمضان لعله يكون من المتقين فلا شك أن البعد عن الفحش من القول والعمل أمران ملازمان للمؤمن لا يفارقانه في رضاه وفي غضبه في مقامه وفي سفره فليكن هذا الشهر بداية تحرير للنفوس من أثقال الذنوب وانطلاقًا لها من عقال الشهوات حتى تفر إلى الله راضية مرضية فتدخل في عباده وتدخل جنته.
رمضان قبل الإسلام.
نزلت فيه صحف إبراهيم عليه السلام وكذلك التوراة والإنجيل كما يروي الإمام الغزالي في مكاشفة القلوب.
عن دغفل بن حنظلة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن عشرة، ثم كان ملك آخر فأكل لحمًا فأوجع فاه فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان ملك آخر فقالوا: لنتمن هذه الأيام السبعة، ونجعل صومنا في الربيع، قال: فصار خمسين يومًا».
وعن السدي في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن النصارى كانوا يصومون شهر رمضان، وجعل يتقلب بين الصيف والشتاء فجعلوه بين الصيف والشتاء وكفروا عن ذلك بإضافة عشرين يومًا».
دعاء
اللهم أفض علينا من رحمتك، ما هو كفيل بدفع نقمتك، نعوز برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك ونعوز بك منك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم لا تفتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وأسبغ علينا نعمك ظاهرة وباطنة، اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم اجعل صيامنا متقبلًا، واجعل عملنا كله خالصًا لوجهك مبتغى به رضاك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيه عدد ذرات الكائنات، وعدد الأنفاس والحركات والسكنات، في جميع العصور والأوقات، واللحظات واللمحات، آمين.