; نقوش على جدار الدعوة: الحق هو الأساس والمقياس | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة: الحق هو الأساس والمقياس

الكاتب جاسم بن محمد مهلهل

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1998

مشاهدات 95

نشر في العدد 1290

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 03-مارس-1998

«اعرف الحق تعرف أهله» قول مأثور يعتبر فيصلًا بين الناس، إذ للحق الاعتبار الأول والأوحد عند العادلين المصلحين فمن استمسك به، رشد ومن انحرف عنه ضل وغوى، لذا كان هو أساس كل الدعوات الإصلاحية التي قاومت الشر والمنكر والفساد ولكن الذين يبغونها عوجًا لخلل في تربيتهم، وانحراف في مفاهيمهم، لا يعرفون الرجال بالحق، بل يعرفون الحق بالرجال فما قرره الكبراء والملأ الذين استكبروا في الأرض بغير الحق، هو الذي يتبع، سواء وافق الحق أم خالفه، فقد صار لمقررات هؤلاء وجاهة وقبول مستمدان من وجاهة القائلين ومكانة المتجبرين في دنيا الناس وليس هذا الذي نرى بعض مظاهره حولنا جديدًا على البشر، طارئًا في حياتهم وإنما هو قديم قديم، قرره القرآن الكريم في قصة نبي الله شعيب مع قومه مدين حين أرسل إليهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده وإحسان معاملة الناس بإيفاء الكيل والميزان والتنزه عن نقصانهما، وترك الفساد في الأرض، وإعطاء الناس حقهم، فكان ردهم ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ ﴾ (هود: ۸۷) فهم يرددون مقولة اليوم ما دخل الصلاة بالمعاملات المالية؟ إن الصلاة عبادة والمعاملات المالية أمور دنيوية فما الذي جمعهما في هذه الدعوة وغيرها من الدعوات؟ أتريد أن تفرض على الناس حجرًا في معاملتهم باسم الدين أم تريد أن تجعل لنفسك في الأرض سلطانًا؟ ألا تعرف من أنت؟ إنك فينا ضعيف ولولا أننا نراعي مشاعر أهلك وعشيرتك لأسأنا إليك أبلغ الإساءة، لأنك لا كرامة لك عندنا لضعفك: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ (هود:91).

إنه منطق البشر الذين يربطون قبول الحق بموازين الرجال من حيث مكانتهم الاجتماعية وسطوتهم المالية ومدى تلاؤمهم مع أعراف المجتمع وتقاليده، ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ فهم ربطوا الحق بشخصه ولم يربطوا شخصه بالحق الذي يدعو إليه ويطبقه على نفسه قبل أن يدعو إليه غيره، ﴿ َمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ﴾ (هود:۸۸) ولكنهم لا يرون فيه إلا أنه ضعيف يود أن تستقيم أمورهم المالية في صفقات أيديهم بعد أن تستقيم قلوبهم في الصلاة بذكر الله، وهم يستنكرون أن يجمع عليهم في دعوته حسن الصلة بالله بالصلاة وحسن الصلة بالناس بإحسان التعامل، إنهم يفصلون في حياتهم فيجعلون شيئًا لله ويجعلون أشياء لأنفسهم لا دخل لله بها ولا صلة لشرعه بتقنينها، وبيان حرمتها أو حلها وخاصة حين ينادي بها رجل من بينهم ليس من ملئهم ولا من المتكبرين فيهم، إنها نفس النظرة العلمانية السائدة اليوم التي ترى أن الإنسان كيان مستقل بذاته لا يخضع لغير نفسه وما يقرره، ومعيار كل شيء عنده يقاس برؤيته لمصلحته ومنافعه وإشباع حاجاته، لأنه كما تقرر الفلسفة العلمانية -مركز الكون، الأمر الذي يضعف -بدوره- دور الغيب والدين في المجتمع ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ ﴾ (هود: ۸۷) ما شاء الله!! ﴿إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾!

إن الخير والشر -عند العلمانيين- هما وصفان لسلوك بعض الناس.. وهما ما اتفقت الجماعة على تصنيفه بحيث تصبح الأخلاق مسألة اتفاق شائع وعرف سائد، وتغدو القيم الأخلاقية نسبية، بل إنها تصبح قيمًا مادية مثل: المنفعة والبقاء والإشباع واللذة والتطور إلخ «انظر قراءة أخرى لفضيحة البيت الأبيض: الوطن 10\2\98».

هذه الأسس الفلسفية العلمانية هي بذاتها التي واجهت شعيبًا عليه السلام حين دعا قومه إلى الإصلاح فأعلنوا في وجهه النكير والنذير واستكبروا في الأرض بغير الحق وكان تصرفهم مبنيًا على أن مرد الأمر كله إلى الأقوياء وإن كان فعلهم جائرًا، وعملهم بائرًا، فأي حق يمنعهم من بخس الناس أشياءهم وأي حق يمنعهم من أن يعيثوا في الأرض فسادًا؟ ومن الذي يمنعهم من أن ينقصوا الكيل والميزان؟ وعلى هذا المنوال ينسج العلمانيون المعاصرون حين يدعون -زورًا وبهتانًا- أن الدين لا شأن له بالحياة، ولا مجال فيه للاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع وأنه صلة بين العبد وربه فمن أراد الصلاة فأمامه المساجد، ومن أراد غير ذلك فأمامه الحياة يأخذ منها ما شاء هكذا يقولون.. ثم لا يكتفون بل يتعدون ذلك في كثير من الأحيان ساخرين بالدعاة وأقوالهم... ﴿إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ إنها دعوة قديمة جديدة بان زيفها وظهر كذبها، وانتقم الله من أتباعها الذين فرقوا بين الدين وحركة الحياة ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (هود:94-95) وفي هذا عبرة لكل من يتذكر ويتدبر ويعتبر...

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 276

78

الثلاثاء 25-نوفمبر-1975

صفحة الأدب الإسلامي

نشر في العدد 1181

90

الثلاثاء 26-ديسمبر-1995

المجتمع التربوي- العدد 1181

نشر في العدد 880

75

الثلاثاء 30-أغسطس-1988

استراحة المجتمع: (العدد: 880