العنوان المجتمع التربوي- العدد 1181
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1995
مشاهدات 90
نشر في العدد 1181
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 26-ديسمبر-1995
- واجب الدعاة في تكوين رأى عام يستأصل الفساد
بقلم: محمد أبو سيدو
يتنازع الإنسان في هذه الحياة عاملًا الخير والشر وكثيرًا ما يساق إلى أحدهما بدافع داخلي أو مؤثر خارجي ومن أبرز ما يظهر في واقعنا هذه الأيام تمزق المجتمعات الإسلامية، وأخذ الروابط صورة العصبيات الجاهلية، وتنافس الناس على الدنيا، وتسلل المنافقون وأعداء الله ليخططوا لتمزيق هذه الأمة وكما يقول الشاعر:
سموك يا عصر الظلام سفاهة
عصر الضياء وأنت شر الأعصر
وتقدمتّ منك الحضارة حسبما
قالوا فيا وحشية المتحضر
وتنورت فيك العقول وإنما
يقع الخراب بِزلة المتنور
والعلم قد يأتي بكل بَليِّةٍ
ويسير نحو الموتِ بالمستبصر
وتفرقوا شيعًا فكل قبيلة
فيه أمير المؤمنين ومنبر
والقرآن الكريم جعل الوصف الخاص الذي تعلوا به أمة الإسلام على غيرها من الأمم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المذكر ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (سورة آل عمران: 110)
والنبي ﷺ وصايا في هذا المعنى: «الدين النصيحة، فسأله الصحابة لمن قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
بهذا الأصل سعى الإسلام إلى تكوين رأي عام موحد نحو غاية سامية يستأصل شأفة الفساد أني وجد وليس أضر على مجتمع من مجاهرة بعض أفراده بالاعتداء على حرمات الله والحقوق العامة ثم لا يحرك ساكنا للأفكار
إن استمرار التمزق والشقاق إثم كبير ومعصية واسعة وأمر محرم في الإسلام، لقد طغى الشقاق على بعض المجتمعات حتى اتخذت كل جماعة مسجد خاص بها فزرعت الأحقاد وطاشت العقول وتقطعت روابط الإيمان فأين الدعاة العاملون؟ وأين مناهج البناء والتربية؟ وأين الجهود التي أكل عليها الدهر وشرب؟
لقد تزاحمت الأحداث فكانت بعض المواقف أقرب إلى الارتجال وردود الفعل ما زال الكثيرين وهم يغطون في نومهم يبحثون عن الأمجاد فيمن سبق ويتغنون بأحلام النيام ويأبون أن يبحثوا في العلل والأمراض.
إن واقعنا اليوم يفرض أن ننظر في عللنا وأمراضنا وأخطائنا وعيوبنا ودربنا ومناهجنا عسى أن نغير ما بأنفسنا فيغير الله ما بنا كما وعد -سبحانه وتعالى-.
إن الطاقة البشرية المؤمنة هي التي تبنى الرجال إذا صدقت في القول والعمل، فلابد أن نعي حقيقة الدعوة الإسلامية كما يصفها منهج الله سبحانه، وأن نعي خصائصها ويهمنا دورها وأهميتها في حياة البشر والرسالة العظمى التي تحملها للإنسان.
ولا بد أن نعي حقيقة واقعنا في منهاج الله، وندرس أمراضنا وعملنا دون أن تخدعنا أهواؤنا وزخارف المظاهر والشعارات التي لا رصيد لها في الواقع.
إن المسلمين جميعا مسئولون عما نحن فيه وعما انتهى إليه الأمر، ولذلك فإن الإسلام على المسلمين أن يتعلموا الإسلام وأن يتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
إن جماهير المسلمين قد فقدوا القوة والعزة والكرامة ويعيشون عبيدا للأقوياء وهم في غفلة قاتلة عن دينهم ودنياهم وعن أنفسهم ويوم تنفتح على الحقائق سيعلمون أنهم خسروا دنياهم وآخرتهم بما فرطوا في جنب أبها الدعاة إن عزتكم من عزة الإسلام وقوتكم من قوة الإسلام فإن شئتم أن تشعروا بالعزة والقوة فأعملوا لعزة الإسلام ولقوة الإسلام.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (سورة النساء: 59).
ويقول سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (سورة الشورى: 10)..
والرسول علمنا ﷺ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وطاعة أولي الأمر لا تجب إلا في طاعة الله.
إن أحكام الشريعة لا تتجزأ ولا تقبل الانفعال، فلا يجوز لمسلم أن يرضى بتطبيق بعض الأحكام وإهمال البعض الآخر.
فالشريعة الإسلامية تنظم المجتمع وتُوحِّد الأفراد الصالحين وهكذا فقد جاءت بالنصوص والمبادئ التي أوجدت الدول المثالية والعالم المثالي وجاءت نصوصها أرفع من مستوى العالم كله وقت نزولها ولا تزال حتى اليوم.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (سورة المائدة: 3).
ولم تأت الشريعة لوقت دون وقت، أو لعصر دون عصر، أو لزمن دون زمن، إنما هي شريعة كل وقت وشريعة كل عصر وشريعة الزمن كله حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
- طريق الأمناء لـتحقيق الوفاء مخالفة المشركين فيما أبتعد عن الحق والعدل
بقلم: د. جاسم المهلهل الياسين
وقد كان من هدي رسول الله ﷺ أن يخالف المشركين وأن يخالف أهل الكتاب، وأمر بهذه المخالفة قولًا، وسَنّهَا عملًا، ولكنه حين يتصل الأمر بالحق والخير لا يبالي أخالف موقفه أهل الكتاب والمشركين أم وافق، بل إنه ليعلن بعد الإسلام أنه شهد وهو في الجاهلية قبل البعثة في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت، لماذا؟
لأن هذا الحلف المسمى «حلف الفضول» والذي تمّ في دار ابن جدعان بين القبائل القرشية وشهده رسول الله ﷺ مع أعمامه قبل بعثته، إنما قام على أن التعاقد هذه القبائل وتتعاهد على ألا تجد بمكة مظلومًا من أهلها أو من غيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على مَنّ ظلمه، حتى ترد عليه مظلمته «سيرة ابن هشام جــ 1 ص ١٤٠ بتصرف».
ولارتباط هذا الحلف بالحق والعدل قال عنه رسول الله ﷺ: «لو أدعى به في الإسلام لأجبت» فأين مخالفة المشركين في هذا؟ لا مخالفة إلا فيما أبتعد عن الحق، وحاد عن القصد، أما ما وافق الحق، ولم يخالف الشرع فالوفاء به هو ما ينبغي أن يكون، فعله المشركون أم لم يفعلوه، ألتزم به أهل الكتاب أم لم يلتزموا، لأن الحق القائم على الشرع هو أساس الوفاء في كل عهد ولو كان مع المخالفين لنا في الدين.
وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام: «وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدّةٌ» لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم، فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله «الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي جـ ٦ ص ٣٦».
- الوفاء مع المخالفين لنا في الدين
الفضيلة لا تتجزأ، فيكون الأمر خسيسًا مع قوم، كريمًا مع آخرين، والمدار على موضوع العهد، فما دام خيرًا فإقراره حتم مع كل فرد، وفي كل حين.
عن عمرو بن الحَمق قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل أمن رجلًا على دمه، ثم قتله، فأنا من القاتل برئ، وإن كان المقتول كافرًا».
وهذا البيان الحاسم، يكشف عن روح الإسلام في معاملة من لم يدينوا به، فبينما ترى اليهود ينكرون على غيرهم حق الوفاء، ويضنون عليهم بنبل المعاملة، ويحسبون أنهم وحدهم «أبناء الله وأحباؤه» وأن الله جعل رحمته وأمانه الشعب إسرائيل فقط ترى الإسلام يدفع -بحمية بالغة- عمن منحهم ذمته وأدخلهم في عقده، ويتحدث عن الكافرين إلى المسلمين حديثًا له مغزاه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ،وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (سورة المائدة: 2). ۚ
فأنظر كيف صورت الآية وجهة نظر الكفار، وتمشت مع مزاعمهم وهم وثنيون فاعتبرتهم طلاب فضل من الله ورضوان، وطلبت من المسلمين مهما قووا أن يتعاونوا على البِر والتقوى لا على الإثم والعدوان. «خلق المسلم: للغزالي ص ٦٤».
الوفاء مُقَدّم على رضا الأصدقاء، وهذا الإمام الشافعي يطبق هذه القاعدة أعظم تطبيق مع تلميذه وصاحبه محمد بن الحكم، فقد كان الشافعي أخي محمد بن الحكم، وكانت بينهما صِلة حسنة حتى كان الشافعي يقول: «ما يقيمني بمصر غيره»، فأعتل محمد مرة حتى أشرف على الهلاك فعاده الشافعي -رحمه الله تعالى-، وقال:
مرض الحبيب فعدته
فمرضت من حزني عليه
فقال محمد في جوابه:
فأتي الحبيب يعودني
فبرئت من نظري إليه
وظن الناس لصدق مودتهما وأخوتهما أنه -أي الشافعي- يفوض أمر حلقته بعد وفاته إليه في جامع عمرو ابن العاص، ولكن الشافعي أختار أبا يعقوب البويطي لعلمه وزهده وورعه، فنظر الشافعي إلى الحق وحده، دون النظر إلى شيء آخر «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين جــ 1 ص ٢٤٠ بتصرف».
وهكذا يكون الوفاء بالعهد غير مخالف للشرع والحق، وإلا فإن هذا الوفاء يُرد على صاحبه «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
- الوفاء خُلق نادر
والوفاء بالعهد نوع من الأمانة، فهو فرع منها وجزء من أجزائها لابد من الالتزام به وأدائه على النحو الأمثل، الذي يرضي الله سبحانه، وإلا كان النكوص عنه والنكث فيه غدرًا وخيانة يأباها الله سبحانه ويأباها شرعه، ويستحق صاحبها التهديد الذي وَرَد في القرآن الكريم ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ (سورة الفتح: 10) ويستحق الموفي بعهده الأجر العظيم الذي وعد الله به المؤمنين ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (سورة الفتح: 10).
والناظر في حياة المسلمين يرى فيهم صدق قول الرسول الأمين وهو يتحدث عن رفع الأمانة كما جاء في حديث حذيفة رضي الله عنه قال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت -الأثر اليسير في الشيء مثل النقطة السوداء في بياض العين-، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا وليس فيه شيء، ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يُقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردل من إيمان» «البخاري ومسلم و الترمذي أنظر جامع الأصول 1/319».
وإذا أصبحت الأمانة نادرة وهي أصل الوفاء، فقد أصبح الوفاء أكثره ندرة، وأقل تحققًا في حياة الناس اليوم، لغلبة الأهواء على النفوس، وضعف الهمم، و فتور الإيمان في القلوب، وفي كثير من الأحيان يتصور ضعاف الإيمان أن الوفاء غرم يقع عليهم عبؤه، وتضحية ينالهم في سبيلها جهد من مال أو مشقة في نفس، فيتكاسلون ويتراخون.
وإنه لفخر وشرف أن يستمسك المسلمون بالأخلاق التي لا يتمسك بها غيرهم لأنها جزء من دينهم لا يكتمل إيمانهم إن فرطوا في هذه الأخلاق الإسلامية، ومنها الوفاء، ومن ذا الذي يفي إن لم يف المسلمون وهم يقرؤون قول الله: ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ (سورة التوبة: 111)، فإذا ما أصبح الوفاء نادرًا في دنيا الناس فإن المؤمنين مدعُوّون أن ينشروه وأن يجعلوه شائعًا بين الناس بسلوكهم ووفائهم وقيامهم بواجباتهم في كل أمر، حتى يرى الناس صورة بارزة لجانب لا غنى عنه من جوانب الخُلق الإسلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل