العنوان نظرية الأمن الصهيونية في مشاريع السلام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1982
مشاهدات 81
نشر في العدد 589
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 05-أكتوبر-1982
ريغان.. رفض المشروع بسبب المستوطنات
اليهود يرفضون كل بند يتعارض مع نظرتهم في الأمن ضمن مشاريع السلام
القوى الكبرى تتدرج مع الأنظمة العربية في تطويع المبادرات السلمية وفقًا لما تقتضيه الصهيونية
الاستسلام العربي عامل أساسي للنظرية اليهودية في الأمن
إسحق شامير لا للتنازلات الإقليمية
الأنظمة العربية تنازلت منذ عام ١٩٤٨ حتى ١٩٨٢ تنازلات مرحلية تزامنت مع مراحل تحقيق النظرية اليهودية
نكرت التصريحات الصادرة عن رجال الحكومة اليهودية ورجال المعارضة الحزبية اليهود بشكل واضح على موضوع نظرية أمن إسرائيل في كل حديث يتناول التعليق على مبادرات السلام العربي - الإسرائيلي ومشاريعه ولعل إيمان جميع حكومات العدو المتتابعة بهذه النظرية وصل إلى حد يجعل المسؤولين الإسرائيليين وأحزاب اليهود في الأراضي المحتلة يتخذون بنود النظرية الأمنية الصهيونية مقياسًا وميزانًا يزين المبادرات والمشاريع الخاصة بحل ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط ليقبل اليهود بالتالي ما يشاؤون ويرفضون ما يريدون من بنود المبادرات بعد وزنها في ميزانهم الأمني الخاص.
ومن هنا يرفض الإسرائيليون كل مشروع يدعو إلى إخلاء الأراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧ لأن النظرية الأمنية تقتضي وجود موانع جغرافية بين العرب واليهود.
وهم يرفضون كذلك إزالة المستوطنات لأن المستوطنات ما هي إلا مقدمات للامتداد اليهودي البشري كما تقتضي النظرية الأمنية من جانبها التوسعي.
وهم يقسمون الميزان العسكري في المنطقة بحيث يكون الفاصل واسعًا بين التفوق الإسرائيلي والعنف العربي في موضوع التسليح والاستعداد الأمني.
كذلك فإن اليهود ولا بد وأن يرفضوا بالتالي إقامة الدولة الفلسطينية الحرة في الوقت الذي سيركزون جهدهم على إحياء الدويلات الطائفية التي يمكن أن تشكل أساسًا من أسس الحزام الأمني حول الأرض المحتلة.
النظرية اليهودية ومشروع التقسيم:
قبل أن تأخذ الدولة اليهودية شكل الاغتصاب الكامل في فلسطين المحتلة. وقبل أن يصدر القرار ١٨١ عام ١٩٤٧ القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين اتفق اليهود مع المنتدبين الإنكليز على شكل التقسيم وضمان تنفيذه من خلال تصويره أمام العالم إجراء سلميًا لا بد من تحقيق السلام في العالم أولًا وفي المنطقة ثانيًا. وبهذا المفهوم توصل اليهود إلى الحصول على قرار من الأمم المتحدة يخدم نظريتهم الأمنية. وقد جاء في البند «ج» منه:
«يعتبر مجلس الأمن تهديدًا للسلم أو قطعًا أو خرقًا له أو عملًا عدوانيًا.. كل محاولة ترمي إلى تغيير التسوية التي يهدف إليها هذا القرار بالقوة»
وبهذا اعتبر العرب هم المعتدون على الأمن الدولي والسلام العالمي عندما رفضوا عام ١٩٤٧ و ١٩٤٨ إقرار هذا النص. بينما تمكن اليهود من جعل الأمم الأخرى تتبنى جزءًا من نظريتهم في الأمن مستفيدين من سيطرة أصدقائهم على الأمم المتحدة. وهكذا صار كل عمل وطني في فلسطين يوصف -عالميًا- بالإرهاب لأنه عدوان على السلام العالمي في ذهن الأمم المتحدة وعدوان على نظرية الأمن الصهيونية في الذهنية اليهودية.
النظرية والمشاريع الأخرى
لننتقل من عام ١٩٤٧ حيث كان اليهود يتمثلون دور المدافع عن السلام العالمي إلى أعنف مراحل العدوان اليهودي على أمتنا والتي تتمثل اليوم في غزو لبنان ومذابح المخيمات الفلسطينية الآمنة.
ففي الشهور الثلاثة الأخيرة طرحت مبادرات كثيرة للسلام بين الأنظمة العربية والكيان اليهودي المغتصب كان أبرزها:
۱- مشروع ريغان للسلام.
٢- المشروع العربي الذي أقرته قمة فاس الثانية.
٣- المشروع الفرنسي - العربي المشترك.
وبتأمل نصوص هذه المشاريع نجد أنها اشركت في جملة من الأمور التي تحقق للموقف اليهودي كثيرًا من المطالب. ومنها:
۱- اعتراف الأنظمة العربية بشرعية الوجود اليهودي وحكومته على الأرض العربية. ٢- إنهاء العرب لحالة الحرب مع الكيان اليهودي المغتصب.
٣- اقتراب الأنظمة العربية من روح كامب ديفيد ووضع أيديهم بأيدي رجال الإدارة الأمريكية.
٤- تحويل حركة المقاومة الفلسطينية من العمل العسكري إلى العمل السياسي.
وهذا غيض من فيض. وعلى الرغم من هذه التنازلات التي تحقق أجزاء أساسية لليهود من نظريتهم الأمنية.
فإن هذه المشاريع ما زالت مرفوضة لدى حكومة العدو اليهودي بجملتها وذلك لأنها لم تنطلق أساسًا من مفهوم متكامل للنظرية الأمنية اليهودية.
فاليهود يعتقدون أن الانسحاب اليوم من الضفة وقطاع غزة خلال مدة عشر سنوات أو خمس أو ثلاث مخالف للجانب التوسعي الذي يتطلع إلى إنشاء دولة إسرائيل الكبرى. ولذلك فإن حكومة العدو رفضت المشروع العربي الصادر عن قمة فاس لأنه يذكر انسحاب إسرائيل من الضفة على مراحل.
ومشروع ريغان رفض مند اليوم الأول من قبل حكومة بيغن لأنه آثار قضية المستوطنات البشرية اليهودية في الأراضي المحتلة وهذا مخالف للجانب البشري فأحد عوامل التوسع والاستيطان والامتداد في الأراضي العربية.
والمشروع الفرنسي – العربي المشترك رفض من قبل الإسرائيليين لأنه يريد معالجة القضية الفلسطينية واللبنانية من المفهوم المصري لبنود كامب ديفيد التي تربط مسألة الحكم الذاتي الفلسطيني بأطراف أخرى من الإسرائيليين كالأردن ومصر بينما يقتضي المفهوم الذي فهمه بيغن من نظرية الأمن الصهيونية بقاء الفلسطينيين تحت حكم اليهود في الضفة والقطاع من خلال تطوير حكم ذاتي من روابط القرى العميلة.
وهكذا تطرح المشاريع في كل مناسبة. لكن اليهود يصعدون من مطالبهم في كل مرة بغية الوصول ما أمكن إلى أعلى حد من المكاسب التي تتطلبها النظرية الصهيونية لأمن إسرائيل.
نموذج جديد
في نهاية الأسبوع الماضي وقف إسحق شامير الوزير اليهودي على منصة الأمم المتحدة ليعلن أمام العالم رفض الكيان اليهودي لكل أطروحات العالم في موضوع السلام في لبنان أو في الشرق الأوسط ومن ذلك مبادرة الرئيس الأمريكي ريغان. وقد انطلق شامير من فهمه للنظرية الأمنية اليهودية في رفضه جميع المشاريع لأنها تنص على الانسحاب الإسرائيلي أو قل الانسحاب الجزئي أو المرحلي من بعض الأراضي العربية المحتلة. وفي إطار هذا المفهوم يمكن للمرء أن يفهم أقوال شامير التي طرحها في الأمم المتحدة والتي قال في بعضها:
«إنه لا سلام بدون أمن وأن الاستقطاعات الإقليمية تتنافى مع الأمن»
«إن تحقيق السلام في الشرق الأوسط لا يتحقق من خلال ممارسة الضغط على إسرائيل لإجبارها على انسحابات إقليمية أخرى».
«ليس هنالك ما يدعو إلى طرح مفاهيم واتجاهات جديدة ليست جزءًا من اتفاقيات كامب ديفيد».
وهكذا تتنصل حكومة العدو من كل ما لا يحقق كمال النظرية الأمنية واكتمالها في أي مشروع للسلام. ليرى بعد ذلك كل من الأمريكان والعرب أنفسهم أمام وضع اضطراري لتعديل مشاريعهم بحيث تكون مقبولة لدى الطرف الإسرائيلي وذلك كما حصل في صفقة كامب ديفيد وتنازلات أنور السادات المتلاحقة.
الموقف العربي:
من المؤسف جدًا أن نقول إن موقف الأنظمة العربية المنفصل دائمًا عن مواقف الشعوب العربية ورغباتها تطور منذ عام ١٩٤٨ تطورًا عكسيًا بما يخدم النظرية الأمنية الصهيونية.
فالعرب الذين أعلنوا رفضهم المطلق في بدء قيام الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨ تتهافت أنظمتهم اليوم على أشكال السلام الذي كانت تنادي به إسرائيل قبل سنوات.
والكيان اليهودي الذي أتقن لعبة استدراج الأنظمة العربية يرفض اليوم المطالب العربية التي كانت بالأمس مطلبًا يهوديًا بل كانت هي الحد الأعلى التي كانت مرحلية النظرية الأمنية عند اليهود تقتضيها.
ونظرة فاحصة للمشروع العربي الذي تمخض عنه مؤتمر فاس تجعلنا نقف على الحقيقة المرة.. حقيقة اقتطاع الأراضي المباركة من جسد الأمة ومنحها لقمة سائغة للمغتصب اليهودي.
وتاريخ العلاقة اليهودية مع الأنظمة العربية في حالتي الصراع والسلام تفضح أشكال المساومات التي انغمس فيها بعض حكام العرب بدعوى الحرب مرة والسلام مرة أخرى فأوصلوا الأمة إلى حال مزرية من العجز ليكون الهدف بالتالي وضع الشعوب أمام الواقع المر والخيار الخياني بالتنازل عن الأرض ومنحه شرعية الاعتراف والوجود.
ووقائع التاريخ العربي الحديث بدءًا من دور الأنظمة في معارك ١٩٤٨ و١٩٦٧ و۱۹۷۳ ليست إلا معارك ترويض للشعوب العربية التي ووجهت فيما بعد بطرح فكرة الاستسلام للعدو الصهيوني على أساس الحرص على السلام العالمي من خلال ترسيخ السلام في المنطقة.
وكبار الزعماء العرب اليوم هم الذين يكررون فيما يصرحون به عبارات «السلام العادل» ويذيعونها على شعوبهم في حملة لإقناع هذه الشعوب بضرورة التنازل اليوم عن شعارات الأمس.
بكل هذا يقدم المستسلمون الخدمة الجليلة للنظرية الأمنية اليهودية ويحققون المطلب اليهودي ويحطمون كل إمكانيات المناعة وعناصرها الأمنية ليبقى اليهودي مستفيدًا في كل لحظة للتوسع على حساب الأراضي العربية والشعب المسلم وإلا فكيف يفسر المرء النقاط التالية:
۱- إجماع الأنظمة العربية على إلغاء الفكرة العسكرية في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتكرر على الأمة العربية.
٢- إجماع الأنظمة على القبول بمفاوضة العدو الصهيوني على الحق العربي.
٣- إجماع الأنظمة على منح العدو مشروعية الوجود في دولة معترف بها على أرض فلسطين.
٤- القبول بأفكار «ريغان» المطروحة في مشروعه والتي تلخص أفكارًا يهودية قديمة فإن شمعون بيريز طرحها قبله.
٥- القبول بالقرار الإسرائيلي الأمريكي بإخراج الفلسطينيين من لبنان وترك الحبل على غاربه لقوات الاحتلال وأعوانها المارون ليفعلوا ما يشاؤون.
٦- القبول بجميع قرارات الأمم المتحدة على الرغم من أن معظم بنود هذه القرارات كانت من المطالب اليهودية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات أيضًا.
٧- التدرج في التنازل من مشروع إلى آخر بما يقرب وجهة نظر الأنظمة العربية من وجهة النظر الصهيونية صاحبة الأمنية»
أخيرًا
وأخيرا فإن المراقب لأحداث المنطقة يلاحظ أن الحكومات اليهودية المتتابعة تتبع تكتيكًا سياسيًا عسكريًا مزدوجًا ترقى خلاله من مرحلة إلى أخرى ساعية إلى تحقيق حلمها الأكبر في تحقيق الدولة اليهودية الكبرى. هذا الحلم الذي يحصنه اليهود ويحمونه اليوم بنظرتهم الأمنية التوسعية التي لا يقبلون أن يتنازلوا معها عن أي مطلب يطلبونه أو يصلون إليه. بينما العرب والقوى المشرفة على المنطقة تتنقل مع اليهود من حال إلى حال لتلبي مطالبهم وتحقق لهم اكتمال أشواطهم في مراحل متتالية متعاقبة على حساب الكرامة العربية والشرف العربي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل