; نظريات منهارة: سارتر ونظريته قد تجاوزها الزمن وعارضتها الفطرة الإنسانية | مجلة المجتمع

العنوان نظريات منهارة: سارتر ونظريته قد تجاوزها الزمن وعارضتها الفطرة الإنسانية

الكاتب انور الجندى

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1975

مشاهدات 5

نشر في العدد 260

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 29-يوليو-1975

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾

إن أي نظرية يتقدم بها فيلسوف أو مصلح تتمثل فيها حقائق هامة:

أولًا: أن هذه النظرية هي فرضية افترضها هذا الفيلسوف بناءً على نظرته إلى الأمور.

ثانيًا: أنها نظرية تتصل اتصالًا تامًا بالتحديات الخاصة بشخصية هذا الفيلسوف وبيئته وعصره ومجتمعه وظروف معينة قائمة.

ثالثًا: أن الإنسان على أعلى درجة من التفكير والنظر لا يستطيع أن يخرج عن أبعاد وجوده البشري والعقلي والنفسي، ولا يستطيع أن يشرع للمجتمع الإنساني كله.

ومن ثم فإن كل ما يقدمه الفكر البشري هو فرض يقبل الخطأ والصواب، ويصلح لمجتمع ولا يصلح لآخر، وينفع في عصر ولا ينفع في جميع العصور، ولقد اعترت النظريات والمناهج أسباب القصور وحل بها النقص واحتاجت إلى الإضافة والحذف على مدى قريب من ظهورها وذهب بعضها وانطوى عجزًا وفسادًا، وليس أدل على ذلك من الفرويدية والوجودية والماركسية وهي أبرز أيديولوجيات العصر التي اضطربت وعجزت في بيئاتها الخاصة واضطرت أصحابها إلى تعديلها بالإضافة والحذف ومحاولة الربط بين الوجودية والماركسية من ناحية، وبين الفرويدية والماركسية من ناحية أخرى على نحو يومي لإنقاذ المراكب الغارقة، وعلى بعد ما بين الأيديولوجيات الثلاثة من تناقض واختلاف.

ونحن نعرف أن الوجودية «صيحة أزمة» تعالت في فرنسا بعد انهيارها في الحرب العالمية الثانية حين هوت تحت سنابك خيل الألمان سريعة الانحلال الخلقي. فجاءت الوجودية التي دعا إليها سارتر ليطلق للشباب أمر التهالك على الشهوات تحديًا للخطر الماحق الذي يعيش تحته العالم، وبعد أن أفقدت الحرب أمم أوروبا زهرة شبابها التي تجاوزت المائة مليون.. ولقد كانت وجودية سارتر وجودية ملحدة نابعة من الفكر المادي وإن حاولت أن توجد للإنسان منطلقًا عاصفًا حيث جردته من مسؤوليته الفردية والتزامه الأخلاقي وأحالت ذلك كله على المجتمع. ومن ثم انطلقت تلك الصورة المدمرة في كل أرجاء العالم توحي بالتفكك والتحلل والتمزق والضياع. ولقد صدق جاك بيرك حين قال إن الوجودية ظاهرة زمنية عابرة لن يلبث الإنسان أن يتخطاها، وهي ليست روحًا وأنا لا أستنتج منها نتيجة متفائلة بل واقعًا يجب أن يعترف به» وهي في تقديرنا علامة على دخول أزمة الإنسان المعاصر في مرحلة الانحدار، ودخول أوروبا والغرب والفكر الغربي كله مرحلة التمزق الذي فرضته عليه الفلسفة المادية التي قادها فلاسفة اليهود التلموديون، وإن كانت لا تخلو من تمثل أخطر ما أطلقته التعبيرات المسيحية حول نظرية «الخطيئة الأصلية» ذلك السوط الذي ما زال يلهب ظهور الفريقين ويسوقهم إلى الدمار النفسي.

ولا ريب أن فلسفة سارتر الوجودية الملحدة هي بديل (الإيمان) الذي عجز الغرب عن الحصول عليه عجزًا مطلقًا، ولا ريب أن البشرية حين انطلقت لترسم لنفسها طريقًا بعيدًا عن طريق الله، فإنها ستظل تائهة في مضارب الصحراء، وما دام الإنسان قد شرع لنفسه ورفض الأسس التي قدرها الحق- تبارك وتعالى- لينظم المجتمع البشري فإنه ليس هناك قواعد ما يمكن أن تفرق بين الحق والباطل؛ ذلك لأن الإنسان لا يمكن أن ينظم لنفسه، وإذا أراد ذلك تداخلت أهواؤه ومطامعه وشهواته، وأصبحت الأمور كلها نسبية وليس لها ضوابط أو حدود أو قيم ثابتة راسخة تحاكم إليها، أو ليس هناك من نقطة بداية ونقطة نهاية وإنما يصبح الكون دائرًا في دوامة لا نهاية لها ولا غاية منها وقد جهل الإنسان سر وجوده وهدفه في الحياة ورسالته في الأرض ومسؤوليته وجزاءه وحسابه، وتلك هي الحيرة التي تذوب فيها البشرية نفسها اليوم بعد أن خالفت عن منهج الله، ومن ثم تصبح حياة الإنسان وليس لها طعم، حياة القلق والتمزق والألم والإحساس بالغثيان والضياع؛ ذلك لأنها فقدت المعنى الذي وضعه الحق- تبارك وتعالى- لها، والذي هو سر الحياة نفسها، الأمل والإيمان والهدف والمسؤولية والرسالة التي وجد الإنسان لأجلها في الحياة.

إن الوجودية تثور على مفاهيم سحق الإنسان التي تقدمها الماركسية ولكنها مع الأسف تسحق قلب الإنسان، ولا تراه إلا من وجهة النظر المادية الصرفة، وهم حين ينكرون أن يصبح الإنسان ترسًا في آلة، يحيلونه إلى شعور بالضياع والفراغ، ويفرغونه من معناه الاجتماعي ويجعلونه أنانيًا لا هم له إلا مطامعه التي تقوده إليها غرائزه كالحيوان في الغابة.

وما تزال الوجودية تدفع أهلها من قيد إلى قيد ومن تمزق إلى مزيد من التمزق نراه الآن في الهيبية والخنافس.

وحين يقولون إن الوجودية تحرر الإنسان نجد كتابات أهلها لا تحمل إلا اليأس القاتم: فهم يقولون عن أنفسهم إنهم جيل بلا أمل، بلا عمق، بلا مستقبل، وأن عمقهم هو الهاوية وحبهم هو الوحشية، وحياتهم علب من الورق فارغة وقابلة للتمزق، وليست الوجودية إلا تعبيرًا عن هذا الهوان، أين هذا من الإسلام الذي يقدم للبشرية الأمل وللنفس الإنسانية السكينة والإيمان، حيث يرفض اليأس والقلق والشك والحقد، وهو لا يترك الناس صرعى في أوهامهم، ولكنه يقدم لهم الترياق، يقدم لهم العون، ويطلب لهم المبررات، ويفتح لهم الآفاق التي تخفف الشهوات، ويحررهم من قيود الحيوان ويراوح بينهم دين السماء والروح والمعنويات، وهو لا يحرمهم رغائبهم الجسدية ولكنه يبني فيهم الروح والعقل.

إن أخطر ما تقدمه الوجودية، التشاؤم وهو طابع عام لكل معطيات الفكر الغربي البشري، الضال عن الإيمان بالله والروح والمعنويات.

إن مصدر التشاؤم في الفكر الغربي هو عدم الاقتناع العقلي لوراثة البشر لما يطلق عليه «الخطيئة الأصلية» هذه التي ينكرها الإسلام إنكارًا كاملًا ولا يرى أن إنسانًا مسؤول عن خطأ الآخر ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ. وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾ (النجم: 39-41).

ومن خلال أيديولوجية الخطيئة الأصلية السوداوية التشاؤمية تنتشر على أوسع نطاق في الفكر الغربي نظرة (لامعقولية الحياة) وعبث الوجود، ثم جاءت الوجودية لتكون أعلى مراتب التشاؤم.

وهذه كلها أفكار غريبة عنا كل الغرابة، مختلفة عن طوابع الفكر الإسلامي والمجتمع الإسلامي، ولا تتصل بسبب إلى ثقافتنا أو قيمنا أو عقائدنا، وهي توحي بأن الفكر الغربي والمجتمع الغربي يمر بمرحلة انهيار كامل يتمثل في الأسرة والفكر والمجتمع. وأن طوابع المادية الخالصة قد صرعته تمامًا، وأن إنكاره للروح والدين والخلق والإيمان قد دمره تمامًا.

ولذلك فهي تبدو غريبة عنا دخيلة علينا متناقضة مع جوهر الإنسان، ومع فطرته، وأغرب ما فيها أنها حين تعتز بحق الفرد في الوجود- وهو مفهوم إسلامي- فإنها تغطي عن أعظم معطيات الإنسان والركن الركين في وجوده على الأرض، وليس المسؤولية الفردية والالتزام الأخلاقي الذي يحاسب على أساسه ويقرر جزاءه، ولا ريب أن إفسادها يتمثل في أنها ترى أن الإنسان يكون نفسه مستقلًا عن الدين والتقاليد والمجتمع، وأن الزواج نظام عتيق، وأن الطلاق لا يبقى بإرادة الزوج فضلا عن إنكارها «قوامة الرجل» ودعوتها إلى حرية الصداقة، وإسقاط الدين كله من حساب الحياة، وهي لأنها تعارض الفطرة الإنسانية لم تجد قدرة على البقاء وتساقطت جوانبها، إلا من تلك النزوات التي يقوم بها المنحرفون، ولا ريب أن المفاهيم الوجودية كلها إنما هي تعبير فكري ونفسي وأخلاقي عن الفراغ الروحي المخيف.

ذلك أن رفض فكرة الالتزام، وفكرة الرقيب النفسي «الضمير»، وفكرة الفضيلة، وفكرة الخير، وفكرة الإيثار، وفكرة العدل، وفكرة المسؤولية، إنما تجرد الإنسان من كل قدراته ومعطياته التي تجعله قادرًا على أداء دوره الحق في الحياة، وإن أخطر ما تدعو إليه الوجودية هو «أنانية» الفرد في مواجهة المجتمع بإنكار دوره في العطاء والبذل والإنفاق والعطاء للآخرين، ومن فسادها قولها إن الإيثار يعني أن يصبح الإنسان مجرد أداة للآخرين، بينما يدعو الإسلام إلى أن الإيمان هو انتقال الإنسان من الأنانية إلى الغيرية.

ولا ريب أن موقف سارتر من الألوهية موقف أشد عنفًا وخطرًا مما يقول به الملحدون أو المشركون، فهو يضع الذات الإلهية في مقام التزاحم مع الإنسان، وأن وجود أحدهما يلغي وجود الآخر، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، والإنسان ليس في الحقيقة إلا خلق الله وعبده وفضل من فيض فضله وعطائه.

وإذا قيل إن الوجودية تحمل مفهوم الحرية، فإنما هي الحرية بمفهوم تحرير الإنسان من مسؤوليته وإطلاق أهوائه إلى أبعد مدى، وكيف يستقيم أمر نظرية تدعي أنها علمية حين تنكر وجود الحق- تبارك وتعالى؟ وكيف يمكن أن تعلل وجود العالم؟ وكيف يمكن القول مع الوجودية بأن العالم وجد بلا داع ويمضي لغير غاية ونحن نقرأ قول الله- تبارك وتعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 115)؟

ولا ريب أن الفرد هو موضوع هام شغل الفلاسفة وأصحاب الأيديولوجيات، ولكن أهم ما هنالك: هو مسؤوليته وموقفه من الجماعة، وتلك هي القضايا التي تتلاعب بها أهواء الفكر البشري، حين تراه سيدًا مؤلهًا، وحين تراه حيوانًا، وحين تراه ترسًا في آلة، وقد برأه الإسلام من ذلك كله ووضعه في موضعه الحق، واعترف برغائبه المادية وأشواقه الروحية جميعًا، فليس الفرد مؤلهًا ولا معبودًا ولا حيوانًا ولكنه من أعظم ما خلق الله لو استقام على الطريقة واهتدى إلى الحق، وقد حدد الإسلام موقفه من ربه ومن الكون ومن المجتمع وحدد مسؤوليته ورسالته وجزاءه، وعلاقته بالدنيا وبالآخرة وبالوجود كله، على نحو تعجز كل الفلسفات والمذاهب عن الوصول إليه، أما الغرب فإنه حين أنكر الألوهية والدين والوحي فإنه ذهب وراء الأهواء كل مذهب في سبيل تشكيل مفهوم للحياة وللإنسان.

ولكن الإسلام وهو وحي الله ورسالة السماء كان أصدق من كل هذه المذاهب والأيديولوجيات وأقربها إلى الفطرة وأبعدها عن الغلو والاضطراب، ومن ثم فهو أصلح المناهج للبشرية على مدى العصور وعلى اختلاف البيئات؛ لأنه قدم الشريعة المحكمة الخالدة القائمة على إطار ثابت مع القدرة على التغير والحركة والتطور، رابطًا بين العقل والقلب، والروح والمادة، والدين والعلم، والدنيا والآخرة.

ولقد سقطت الوجودية وتجاوزها الزمن؛ لأنها خالفت الفطرة ولم تستطع أن ترضي العقل، ولم تعترف بالروح، فهي تجعل الإنسان في عزلة عن الجماعة أنانيًا غاية الأنانية أولًا، وتجعله يستطيب إبراز القبيح من جوانب الطبيعة الإنسانية ثانيًا، وتجعله يفصل نفسه عن ربه وعن السماء وعن الدين ويتنكر لكل القيم الخالدة ثالثًا، ولأنه يؤوس قنوط قلق ممزق لا يجد قرارًا ولا راحة ولا طمأنينة ولا أمنه النفسي، بينما الإسلام هو ما عكس هذا كله، نورًا وهدى.

الرابط المختصر :