; ما هو الأدب؟ | مجلة المجتمع

العنوان ما هو الأدب؟

الكاتب عودة الله منيع القيسي

تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2003

مشاهدات 0

نشر في العدد 1559

نشر في الصفحة 50

السبت 12-يوليو-2003

ما هو الأدب؟

د. عودة الله منيع القيسي

هذا عنوان كتاب للفيلسوف الفرنسي المعاصر "جان بول سارتر"، ترجمه إلى العربية د جورج طرابيشي عام ١٩٦١م.

وانا لا أعرض الكتب التي أنظر فيها، وإنما اناقشها وأعلق عليها وارد على بعض أفكارها، ولذلك سأتناول بعض الأفكار في هذا الكتاب ثم أناقشها:

۱- يقول المؤلف: إن هذا الإرث من اللامسوؤلية قد أوقع الاضطراب في كثير من النفوس، فهي تشكو من ضمير أدبي مثقل ولا تعرف أبدًا، بشكل جيد ما إذا كانت الكتابة شيئًا مدهشًا أو مضحكًا في الماضي كان الشاعر يعتبر نفسه نبيًا، وهذا شيء مشرف ثم أصبح فيما بعد منبوذًا وملعونًا، (ص ۱۳).

وأقول: أولًا– تعبير المترجم... ما إذا كانت الكتابة شيئِا مدهشًا أو مضحكًا، فيه خطأن أحدهما شيئًا مدهشًا أو مضحكًا.

والصواب «أم» بدل «أو»، لأن المقصود أحد هذين الشيئين وليس الشيئين كليهما.

وقوله: ما إذا كانت الكتابة.... تركيب غير صحيح، لأن الموقف موقف استفهام وليس موقف شرط، فالصواب – إذن.. أكانت الكتابة شيئًا مدهشًا أم شيئًا مضحكًا.

يقول المؤلف: «في الماضي كان الشاعر يعتبر نفسه نبيًا، ثم أصبح فيما بعد منبوذًا».

وأنا أرى كلا القولين ليس دقيقًا، لأن الشاعر كان يعتبر نفسه نبيًا في الملاحم عندما كانت المجتمعات بدائية، وقريب من ذلك شاعر المسرحيات، أما الشاعر عندنا في الأدب العربي حتى في الجاهلية، فلم يكن يعتبر نفسه نبيَا ولا حتى متنبئًا، وإلا... فأين الشاعر الجاهلي الذي كان يدعي ذلك

لم أعلم أن شاعرًا جاهليًا تنبًا، وحتى الشاعر المعروف دريد بن الصمة لم يكن يدعي النبوية، وإنما ادعى أنه «توقع ما يقع لهؤلاء الغزاة من قومه غزا قومه قبيلة على عادة القبائل في الجاهلية واستاقوا إبلهم، وبعد أن مشوا ساعة من النهار رأوا أن ينزلوا، وأن ينحروا إبلًا وأن يشتووا ويأكلوا، فأمرهم دريد الا ينزلوا لأن القوم سيلحقون بهم بل عليهم أن يجدوا في السير، ولكنهم عصوا أمره ونصيحته، فلحقهم القوم في ضحى اليوم التالي، وقتلوا منهم واستردوا إبلهم، فذكرهم دريد بأمره فقال:

أَمَرتُهُمُ أَمري بِمُنعَرَجِ اللِّوى *** فَلَم يَستَبينوا النُصحَ إِلّا ضُحى الغَدِ

وقلتُ لهم: ظُنّوا بِأَلفَي مُدَجَّجٍ *** سَراتُهُمُ في الفارِسيِّ المُسَرَّدِ

لاحظ أنه لم يقل: تنبأت لهم وإنما قال أَمَرتُهُمُ أَمري، أي: وجهت لهم نصحًا بصيغة الأمر»، وقال لهم ظُنّوا أي جعل الأمر في حدود الظن وليس حدود اليقين؛ لأنه لا يتنبأ وإنما يتوقع.

٢ – وقال المؤلف: إن هذا التناقض يتجلَّى– مثلًا– في الاعتقاد الشائع جِدًّا بأن الاشتراكية بعيدة كل البعد عن الحرية الفردية (ص ٣٢).

وأقول: الصواب أن الاشتراكية بعيدة كل البعد عن الحرية الفردية، لأن الاشتراكية هي الإفراز الاقتصادي للفلسفة الشيوعية والفلسفة الشيوعية تؤمن بأن الفرد لا قيمة له إلا داخل جماعة. وهذه الجماعة يجب أن يسيطر عليها في المرحلة الأولى– العمال من أجل العدالة في توزيع المال ثم في المرحلة الثانية– ينزع من النفس حب الملكية الفردية فيمسي كل فرد يعمل بقدر طاقته ثم يأخذ بقدر حاجته، وأقول في هذا سحق لشخصية الفرد ليذوب في الجماعة، فإذا أضفت إلى ذلك أن الاشتراكية... انتهت إلى أن يصبح الرأي للحزب الشيوعي فحسب، وأن الحزب الشيوعي فوض بهذه الحرية المكتب السياسي وأن المكتب السياسي فوض أمين عام الحزب أدركت أن الحرية هي حرية رئيس الدولة، أما المجتمع فهو فقير مسحوق لا رأي له وإنما واجبه أن ينفذ تعليمات رئيس الدولة، ومن خالف ذلك فالسجن أو القتل... بانتظاره فأين الحرية المدعاة في الاشتراكية؟

٣. ويقول: إن المعاني لا تُرسم ولا تموسق، فمن يجرؤ في مثل هذه الشروط على مطالبة الرسام أو الموسيقي بالالتزام (ص) (٥١).

وأقول، بل إن المعاني ترسم بصورة جيدة وتموسق بصورة مقبولة. ولهذا... يطالب الرسام والموسيقار بالالتزام افرض أن رسامًا يؤمن بقضية فلسطين: اليهود معتدون مغتصبون والفلسطينيون مظلومون يقتلون إنه في مثل هذه الحالة. يرسم اليهودي يحمل سلاحًا يوجه رصاصه إلى صدر الفلسطيني فيرديه قتيلًا، يظهر أولًا واقفًا ثم مطروحًا على الأرض والدماء تنزف من صدره، بل يكفي أن يقدم صورة رمزية «قائمة،» ليشير إلى قضيته.

 أما الموسيقار... فيكفي أن يلوِّن موسيقاه بلون حزين أحيانًا وغاضب أحيانًا ليشعر بأنه صاحب قضية: يحزن لقتل أهله ويغضب على اليهودي المغتصب.

٤. ويقول:.... إذا كان الأمر هكذا فسنفهم أي سخف في أن نطالب الشاعر بالتزام شعري (ص٥٨).

وأقول: إذا كنا رأينا أنفًا أن التصوير والموسيقى ينسحب عليهما الالتزام بقضية يؤمن بها الرسام والموسيقار... فإن الالتزام مطلوب من الشاعر من باب أولى فإذا كان التصوير والرسم كذلك، ثم الموسيقى ليس فيها معان واضحة... فإن الشعر لا يخلو من معان وإلى جانبها صوره والفن الذي لا يخلو من معان أولى بالالتزام لأن الالتزام يقوم على موضوع يعبر عنه بمعان وأفكار. وطبعًا لا يعني الالتزام بالشعر أن يكون بوق دعاية مباشرًا للقضية التي يلتزم بها الشاعر، وإنما يكفي أن تكون المعاني والصور التي ترد فيه توحي بتوجه الشاعر يكفي أن تكون الصور كابية قائمة وأن تشير بعض المعاني من بعيد لكي نرى أن الشاعر ملتزم بالدفاع عن قضية أصحابها، وقع عليهم ظلم، وأن إشارات المعنى تدنينا من قضية فلسطين مثلًا، إننا نضمن أن المتنبي كان في حالة حزن ونقد للذات عندما قال أبياته الثلاثة الآتية:

إِذا كُنتَ تَرضى أَن تَعيشَ بِذِلَّةٍ ... فَلا تَستَعِدَّنَّ الحُسامَ اليَمانِيا

وَلا تَستَطيلَنَّ الرِماحَ لِغارَةٍ ... وَلا تَستَجيدَنَّ العِتاقَ المَذاكِيا

وَلا تَستَطيلَنَّ الرِماحَ لِغارَةٍ ... وَلا تَستَجيدَنَّ العِتاقَ المَذاكِيا

هذا يعنى أنه عرض صورة الحسام والرماح والعتاق المحاكي عرضًا سلبيًا، أعني أنه يشعرك بذلك أنه يفتقد هذه الأدوات الحربية التي تشفي غليل الأبطال، ولكنها حِمْل ثقيل وعبء على الجبناء. وكان البيت الثالث منها يؤكد هذه الصورة القائمة، فالأسود نفسها إذا ركبها الحياء فإنها لن تستطيع أن تصيد فرائسها، فيقتلها الجوع صورة قائمة لشخص الأسود... هذه الحيوانات التي عرف عنها الشراسة وخاصة عندما تجوع، ولا يمكن أن تنبثق هذه المعاني والصور من نفس سعيدة، وإنما تنبثق من نفس حزينة كتيبة.

ومثل آخر من ديوان عبد الوهاب البياتي، واسم الديوان سفر الفقر والثورة يقول:

ما أوحش الليل إذا ما انطفأ المصباح

 وأكلت خبز الجياع الكادحين زمر الذئاب وصائدو الذباب

 وخربت حديقة الصباح

 السحب السوداء والأمطار والرياح

 وأوحش الخريف فوق هذه الهضاب

 وهو يدب في عروق شجر الزقوم في خمائل الضباب.

هذه أسطر تحملك حملًا على الجزم بأن الشاعر صاحب قضية "هي قضية وقوفه مع الجياع".. مع أن الأمل بقيام الثورة التي تشبع هؤلاء الجياع يكاد يكون معدومًا، ولذلك جاءت كل الصور كابية قائمة جالبة للوحشة والكأبة اليأس، فالليل شديد الوحشة والمصباح انطفئ، وخبز الجياع الكادحين أكله زمر الذئاب وهم المتنفذون الذين يترفهون على حساب هؤلاء الجياع الكادحين، وشارك زمر الذئاب من هم أقذر وأوحش من الذئاب إنهم صائدو الذباب أقذر الخلق وأبعدهم عن الأخلاق، إنهم عملاء زمر الذئاب هؤلاء العملاء الذين يعيشون على القاذورات على الرشوة والقوادة وكل ما ينحط بالأخلاق.

و«حديقة الصباح،» وهي الأمل الذي كان ينتظره الشاعر من هؤلاء الذين قاموا بالثورة، لكنهم سقطوا كما سقط أسلافهم، هذه الحديقة خربت، انتهى الأمل إلى اليأس، ومن عجب أن الأمطار في رمزها العام تُعمِّر ولا تخرب، ولكنها في هذه المرة مع ما يصاحبها من رياح وأمطار خربت حديقة الصباح... خربت الأمل.. والخريف موحش مع أنه فوق الهضاب أي فوق القمة الباردة، ولاحظ أن هذا الخريف لا يسري في عروق الشجر وإنما يدب في الشجر، وفي أي شجر؟ في شجر الزقوم أسوا شجر في جهنم: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (الدخان ٤٣ـ ٤٦). ‏هذا الشجر المميت في خمائل الضباب أي من هذه الخمائل اشبه بالسراب: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا (النور: ٣٩).

إنها صورة كالحة مرعبة لآمال محطمة هذا لن يأتي من شاعر غير ملتزم بقضية الجياع والكادحين.

إن الشاعر غير الملتزم قد يتلاعب بالصور التي بينها «تنافر» فلا تعرف الالتئام والانسجام، خذ قول الشاعر نجيب القسوس في ديوانه: «أغنية الفجر» عن الريح، يقول:

... والريح تصغي في سكون لانسياب الساقية

 ثم يقول عن الريح أيضًا في قصيدة نفسها:

 ... والريح تلوي قامة الأغصان أو تلوي الزهور.

سبحان الله هذان وصفان متنافران لريح واحدة واجهها الشاعر في الصباح فهي مرة رقيقة لطيفة تصغي لانسياب الساقية، وهي في الوقت نفسه ريح متوحشة مدمرة تلوي قامة الأغصان إن هذا التناقص لا ينبع من نفس صادقة فيما تطرح من شعر، وهذا هو الشعر الرديء.

تأثير الإسلام في الشعر

د. وجيه يعقوب

من المعروف أن الأدب يتأثر بالتيارات والمذاهب الفكرية المختلفة فالأدب ليس بمعزل عن الحياة. واستقراء تاريخ الأدب. قديمًا وحديثًا يؤكد هذه الحقيقة، فقد حفل الأدب اليوناني بتصوير القيم والأفكار والمعتقدات السائدة آنذاك، التي تمثلت في صراع الآلهة المتعددة مع بعضها أو مع البشر حسب عقيدتهم.. وانعكس قلق الإنسان وتمزقه وحيرته على الأدب الحديث في أوروبا وغيرها.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن تأثير الإسلام في الأدب يصبح أمرًا طبيعيًا وضروريًا، فمنذ مجيء الإسلام خالف الشعراء المسلمون كثيرًا من مفاهيم الشعر الجاهلي، وانصرفوا عن تضمين اشعارهم شيئا من العقيدة الوثنية.

واهتموا بتثبيت العادات والمعتقدات والأخلاق الإسلامية ونشرها لتحل محل العادات الجاهلية.

وإذا كان بعض النقاد والدارسين يشيعون أن الشعر بدأ يضعف في صدر الإسلام وأنصرف الشعراء إلى القرآن والجهاد وغير ذلك، فإن هذا الكلام ليس صحيحًا على إطلاقه، فقد كان الإسلام العامل الأول في ازدهار هذا الشعر وتكامله، وكان له أثره على خصائص الشعر الفنية، من حيث الألفاظ والمعاني والأفكار والصور والأخيلة.

والقرآن الكريم لم يهاجم الشعر ولم يحرمه، لكنه هاجم الشعراء الذين استغلوا هذا الفن فيما ينافي هدي الدين وآدابه، أما من أتجه بشعره إلى نصرة الحق والحض على مكارم الأخلاق، والحفاظ على ثوابت الأمة ومقدساتها، فقد أقره وأيده، واعتبر شعره وسيلة تربوية مهمة وكان الرسول r يستمع إلى الشعراء، ويرشدهم بثاقب فكره إلى المعاني السديدة، والأفكار الصحيحة فحين وفد عليه النابغة الجعدي وأنشده قوله:

بَلَغنا السَماءَ مَجدَنا وَجُدُودَنا

وَإِنّا لَنَرجُو فَوقَ ذَلِكَ مَظهَرا

وبعد أن أحس النبي r بتوجه الشاعر نحو الأسلوب الجاهلي في الفخر سأله إلى أين يا أبا يعلى؟ قال النابغة إلى الجنة. عندئذ قال له النبي r إن شاء الله.

وتعد ملاحظات الرسول r وصحابته على قلتها– حول قصائد الشعراء ذات أهمية قصوى في مجال الأدب الإسلامي، لأنها بمثابة الدليل الذي يسترشد به الأدباء والشعراء.

 ومن المعروف أن الرسول r كان يستجيد الشعر الصادق المتضمن للأهداف النبيلة المنسجم مع كتاب الله وسنة رسوله كما أشرنا.

وكانت ملاحظات عمر بن الخطاب خطوة مهمة وإضافة ثرية لملاحظات الرسول r ؛ ذلك أن عمر– t – كان له ولع خاص بالشعر، يروى عنه أنه تساءل مرة عن أشعر الشعراء فلم يجبه أحد، فأخبر مرافقيه أن أشعر الشعراء هو زهير بن أبي سُلمى، وعلل ذلك بقوله: إنه كان لا يعاظل في القول، ولا يتبع حوشي الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما هو فيه.

 وأهمية مقولة عمر t ترجع إلى أنها بادرة فنية قوية تتعلق بالبناء الفني، كما تتعلق بالصدق الأدبي فهو يعتبر الصدق مقياسًا - أو أحد المقاييس -للحكم على العمل الأدبي، فلا يصح لديه أن يصبح الشعر مجرد وسيلة للتعلق أو إثارة الغرائز، إنما ينظر إلى الشعر بوصفه وسيلة من وسائل السمو النفسي، انسجامًا مع توجيهات القرآن والسنة.

وانطلاقًا من حسه الفني الرفيع، ومسئوليته كحاكم عليه حماية أعراض الناس كان عمر t يكره رواية الشعر الثالب للأعراض، لذا كان يحاسب الهجائيين.

وقصة عمر t مع الحطيئة معروفة ومشهورة حين هجا الزبرقان بن بدر

بقوله:

 دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتها *** واقعدْ فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي

فقد استعان عمر t بحسان بن ثابت لتحديد المعنى الدقيق الذي يقصده الحطيئة، وهذه القصة تؤكد سعة أفق عمر t، ورحابة فكره؛ حيث كان يستعين بأهل الخبرة في الكشف عن معاني القصيدة التي تحتاج إلى ناقد حصيف له خبرته ودرايته بالأساليب الفنية المختلفة.

ويدل اهتمام النقاد العرب القدامى بشرف المعنى وتخيرهم اللفظ الشريف الذي يناسبه على أن الغاية الخلقية التهذيبية لم تكن بعيدة عن نظرهم وتقديرهم.

كذلك نجد النقد العربي القديم - انطلاقًا من الرؤية القرآنية والإسلامية - لا يفرق بين اللفظ والمعنى أو بين الشكل والمضمون، لأن القرآن الكريم، وهو النموذج المحتذى يزخر بالمعاني والقيم والأخلاق والآداب الرفيعة، ويعبر عنها بأروع أسلوب وأجمل بيان فلا فصل بين الشكل والمضمون، فالأدب الإسلامي أدب شكل جميل ولغة رائعة وأسلوب عذب، كما أنه أدب مضمون وقيمة رفيعة.

 

 

الرابط المختصر :