العنوان نظرة في الإحداث والتحديث
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1998
مشاهدات 55
نشر في العدد 1325
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 10-نوفمبر-1998
من كمال هذا الدين ألا تناقض البتة بين أدلته ونصوصه القرآنية، وبين أدلته ونصوصه النبوية، وإن ظهر أحيانًا ما يخالف هذه المسلمة، فإنما يعود إلى قصورنا نحن عن إدراك معاني هذه الأدلة والنصوص أو لعدم وقوفنا على كافة الأدلة والنصوص، فالقضية إذن عندنا نحن، وحاشى أن تكون في جانب هذا الدين القويم،
من ذلك مثلًا ما يتعلق بالإحداث في الدين، أو البدعة، من غير تمييز ولا تفريق بين الإحداث في التدين، وبين تحديث أمور الدين، وبين الجانب الثابت فيه والجانب الآخر المتغير، وبدون أدنى توقف امام مقاصد النصوص النبوية التي تحذر من الإحداث، والأخرى التي تشجع على التجديد والتحديث.
الإحداث في الدين
ولكي تتضح الصورة أكثر ويتحقق التمييز بين ما هو مباح ومبرور، وما هو محظور ومأزور، كان لابد من تعريف الإحداث والابتداع الإحداث والابتداع لغة مأخوذ من الاختراع والاصطناع، على غير مثال سابق، ويقال ابتدع فلان بدعة، أي اصطنع صنعة، وأتى أمرًا، لم يسبق إليه وأما الإحداث والابتداع اصطلاحًا فهو إدخال جديد على الدين، يضاهي الدين نفسه، وهو المحرم والمذموم، ولو بقصد الخير والتقرب من الله تعالى وفيه جاء قوله ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي هذا الجانب كان جماع الرأي بأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
تحديث أمور الدين
ذاك كان حكم الإحداث في الدين نفسه، في المساحة الثابتة الضيقة التي لا جواز للاجتهاد فيها لأنها من التحليل والتحريم وهو حق الله وحده.
وإزاء هذا الجانب، هناك جانب آخر يتعلق بأمور الدين:
- بالوسائل التي يخدم بها الدين.
- بالطرق التي يعرض بها الإسلام.
- بالأسباب التي تحقق له التمكين والمنعة في الأرض.
وهذه كلها تقع- والله أعلم- ضمن المساحة التي لا أقول أن الاجتهاد فيها مباح، بل هو واجب، إنها المساحة التي يمكن أن يفهم منها قوله ﷺ: «إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها»، رواه أبو داود، والبيهقي، والحاكم.
إنها المساحة التي لفت إليها رسول الله ﷺ في أكثر من حديث «من ذلك «الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها»، رواه الترمذي. وقوله ﷺ: «خذوا الحكمة من أي وعاء خرجت».
حتى إن استكشاف المزيد من معاني النصوص مع تقدم العصور لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تفعيل دور الاجتهاد هذا، والذي به يستمر إعجاز هذا الدين على مر الدهور، وإلى هذا الجانب كانت إشارة الصحابي الجليل معاذ بن جبل، عندما ابتعثه رسول الله ﷺ قاضيًا على اليمن، حيث ابتدره قائلًا: «بماذا تقضي يا معاذ أن عرض لك قضاء قال بكتاب الله، قال فإن لم تجد قال فبسنة رسول الله، قال فإن لم تجد قال: أجتهد رأيي لا ألو، فربت رسول الله ﷺ على كتفه وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله».
أنواع من الإحداث في الدين
والإحداث في الدين والابتداع فيه يمكن أن يتأتى على أوجه متعددة:
فقد يكون ابتداعًا في أصل العبادة، كرقص الصوفية خلال حلقات الذكر، أو إضافة كلمات أو عبارات على الأذان ليست في أصله، أو إدخال طقوس وشعائر على عاشوراء وليلة النصف من شعبان ليست منها وهكذا.
وقد يكون زائدًا على العبادة مضافًا إليها كمثل الرهط الذي تحدثت عنه كتب السنة، حيث قال عن أنس- رضي الله عنه- قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» متفق عليه، هذا وقد ذكر الشاطبي في كتابه الاعتصام (۱:۱۳۲) أن الزبير بن بكار قال: سمعت مالك بن أنس، وقد أتاه رجل فقال يا عبد الله؟ من أين أحرم قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ﷺ. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، فقال لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة هذه، إنما هي أميال أزيدها، قال مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله كله، إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:٦٣)
أنواع من التحديث
أما التجديد والتحديث الذي هو مناط الاجتهاد ومقصده، فإنه يتناول كل المساحات الأخرى خارج دائرة النصوص قطعية الدلالة فالتجديد في مناهج التربية دون المساس بمقاصدها وخصائصها واجب لا يجوز إغفاله.
والتجديد في ملامح الخطاب الإسلامي ومفرداته وصيغته، يتأكد وجوبه من خلال قوله الله أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم.
والاستفادة من المناسبات والفرص المختلفة لعرض الإسلام على الناس ودعوتهم إليه تعتبر تجديدًا في أمور الدين وتطويرًا لوسائل خدمته وهي واجبة وتسخير التقنيات المختلفة التي تزخر بها المجتمعات العالمية والتي تتغير وتتبدل بين عصر وآخر كوسائل الإعلام والتعليم والسياحة والبرمجة والاستقصاء والإحصاء كلها واجبة الاعتماد لكونها تقع ضمن دائرة الأخذ بالمستطاع من أسباب القوة التي أمر بها الرسول الكريم حيث قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال:60).
في ضوء ما سبق يتضح لنا أن في الشريعة جوانب رصينة ثابتة، غير خاضعة للاجتهاد والتأويل، وأخرى مرنة متسعة لاجتهاد المجتهدين زمانًا ومكانًا، وبذلك تتحقق إرادة الله في بقاء هذا متجددًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وصدق رسول الله ﷺ حيث قال: «إن الله أنزل علي القرآن أمرًا زاجرًا وسنة خالية، ومثلًا مضروبًا، فيه نبئكم، وخير ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الحق ليس بالهزل من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن قسم به أقسط ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضله الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه».
[1]- كاتب إسلامي لبناني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل