; نضيق بالنقد.. ونطرب للمدح! إقصاء النابهين الناصحين يخلي الساحة لغير المخلصين | مجلة المجتمع

العنوان نضيق بالنقد.. ونطرب للمدح! إقصاء النابهين الناصحين يخلي الساحة لغير المخلصين

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-2000

مشاهدات 93

نشر في العدد 1400

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 16-مايو-2000

من كمال حكم الله – تعالى -، وكمال خلقه، هذا التنوع في مخلوقاته، وفي الأشكال والألوان والألسن، وفي الأمزجة والطباع تمامًا كما تنوع البصمات الحسية والوراثية؛ فهذا إنسان متفائل بالخير دائمًا، وذاك خائف من الشر أبدًا، هذا يبشر وذاك ينذر، وآخر ينهض بالأمرين معًا، فسبحان الله في خلقه، وسبحانه وتعالى في بديع صنعه، كيف لو خلت الدنيا من مبشرين، واقتصرت على المنذرين؟ وكيف لو كان العكس؟.

 إن من حكم الله في ذلك أن الناس يختلفون في مشاعرهم، وإحساساتهم، وتفاعلهم مع ما يرد إليهم، ويعرض عليهم، فهذا تؤثر فيه المبشرات، وذاك تشده المنذرات، وآخر تنال منه المضحكات، كما تنال من غيره المبكيات أو ليس هذا وذاك مما قدره الله على عباده؛ إذ قال: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ﴾.(النجم: 43).

وحاجة الإنسان إلى ما يبشره كحاجته إلى ما ينذره، فالمبشرات وحدها قد تقعده عن السعي إلى الأمثل، والمنذرات وحدها يمكن أن تصرفه عن العمل، وتخلف في نفسه اليأس والملل، وقوام أمره أن يبقى بين الخوف، والرجاء، والوجل، والأمل.

وصدق الله – تعالى - إذ يقول: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾.(السجدة: 16)

والمجتمع البشري لا يمكن أن يصلح حاله إلا بإحياء الوظيفتين، وتفعيل الأداءين.

إن وجود أجراس الإنذار المبكر من الحريق في المؤسسات من شأنه أن يقيها غوائل الحرائق والنكبات، وكذلك حال المجتمعات.

وإن إشارة التنبيه في كثير من التقنيات يساعد على سلامتها، وعدم تعرضها للخراب والتلف، وكذلك الأمر في المجتمعات البشرية.

إنه ليس من المصلحة في شيء أن نضيق بالنقد والناقدين والمخالفين، وأن نطرب للمدح والمداحين، وأن نقربهم ونقلي ونبعد الآخرين.

أو لم يكن من خلق الأولين وسنن السابقين بإحسان قولتهم: «رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا»؟، ثم ما قولنا في ذاك الصحابي الجليل سيدنا حذيفة بن اليمان الذي كان أشبه بجرس إنذار مبكر في العهد النبوي، وبين إخوانه من صحابة رسول الله ﷺ والذي كان دأبه تعقب الشر والتحذير منه، مخافة الوقوع فيه؟.

 يقول حذيفة - رضي الله عنه -: «كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (رواه البخاري).

الإنذار والتحذير مهمة صعبة

سهل على النفس البشرية قيامها بمهمة التبشير، أما مهمة التحذير فهي الأصعب على القائم عليها كما على المقصود بها.

 فإنذار الناس من شأنه أن يغضبهم، وقد يعرض صاحبه للسوء؛ لأن تكاليف الحق كبيرة، ولكنها مهمة لا بد منها لمن سار على طريق الأنبياء، واقتفى أثر الرسول ﷺ وهو المنسوب إليه قوله: «الساكت عن الحق شيطان أخرس»، وقوله: «أمرت أن أقول الحق ولو كان مرًّا، وأمرت أن أقول الحق لا أخشى في الله لومة لائم».

 ومن الأوصاف التي وصف بها رسول الله ﷺ في القران الكريم «النذير» فقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.(الأعراف: 184)، ﴿إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾  (هود: 12) ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الأحزاب: 45).

 إن تكاليف قول الحق، والثبات عليه لم تترك لعمر بن الخطاب صاحبًا بحسب ما ورد في الأثر، ولكن لا خيار والاختيار، والخطاب القرآني واضح وصريح ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾  (الكهف: 29).

إن صعوبة مهمة المنذرين آتية من موقف المنكرين الرافضين للإنذار، المكابرين، المستكبرين الذين جاء وصفهم في كتاب الله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾.(نوح: 7)

أما الربانيون من أصحاب القلوب الحية الذين انخلعوا من ذواتهم، ونزواتهم، فإنهم الأكثر تأثرًا بالإنذار، والتحذير، والتخويف، والوعيد، وصدق الله – تعالى -؛ إذ يقول: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾

(فاطر: 18)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (المائدة: 83).

أمثلة من الواقع:

إننا حين نتكلم عن صعوبة مهمة المنذرين، فلا أقصد دائرة عموم الناس من حكام ومحكومين، وإنما أقصد كذلك ما يجري ضمن الساحة الإسلامية، وفي نطاق الإسلاميين أنفسهم.

 فالحقيقة المرة أن سياسة إقصاء النابهين بصدق، وتهميش الناصحين بحق والقائلين «لا»؛ حيث يجب أن تقال، من شأنه أن يخلي الساحة لغير المخلصين، «والمصفقين» والمداحين، والمتسللين، إلى قطار الدعوة دون قطع تذاكر، ودفع ثمن كما وصفهم الإمام الشهيد - رضوان الله تعالى عليه - وكذلك يخليها لراكبي موجة الإسلام لتحقيق مصالحهم، إضافة إلى الضعفاء العالة!.

إن الإسلام يربي أتباعه على قولة الحق والصدع به؛ لينهضوا بذلك حيال كل سلطان جائر، ولو كان مسلمًا أو إسلاميًّا، وخطأ كبير أن نصرف الذهن إلى دائرة أعداء الدين من الطغاة والجبارين فحسب؛ لأن ذلك من البدهيات وصدق الشاعر إذ يقول:

وظلم ذوي القربي أشد مضاضة

                          على المرء من وقع الحسام المهند.

إن إصلاح الداخل أهم من إصلاح الخارج، وصلاح الخاصة هو السبيل لصلاح العامة، وعدالة وشفافية القائد المسلم أدعى وأولى من أولئك الذين لا يمثلون الإسلام، ولا يزعمون ذلك من القادة والحكام.

ولو لم يكن ذلك كذلك لما كان من معنى أو قيمة لكل الخطب التي ألقاها الخلفاء الراشدون، والتي تحض الرعية على تقويم اعوجاج أمرائها، ولو بحد سيوفهم.

إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولو كان هذا المخلوق حبيبًا قريبًا، فالحق أحق أن يتبع، والقاعدة أن «يعرف الرجال بالحق، لا أن يعرف الحق بالرجال».

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل