العنوان صفات أصحاب هم الآخرة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1987
مشاهدات 106
نشر في العدد 838
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 13-أكتوبر-1987
ثلاثة أقسام:
ينقسم الناس في هذه القضية إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: هم من غلب هم الآخرة عليهم فعملوا للدنيا بمنظار الآخرة، وأدركوا أن الدنيا جسر يوصل للآخرة وأن كل ما عليها من وسائل خلقها الله تعالى لتعين الإنسان على تحقيق الهدف من الخلق وهو «العبادة» فاستخدموها كوسائل، ووضعوها بأيديهم، هم يتصرفون بها ولا يتركونها هي تتصرف بهم وتوجههم حيث شاءت.
لذلك لم يهجروا الدنيا وما فيها، ولم يعتزلوا الناس، لأنهم علموا مهمتهم بوضوح، «إصلاح النفس، وإصلاح الغير» واستخدام وسائل الدنيا للوصول إلى الآخرة بسلام».
والقسم الثاني: هم الذين غلب عليهم حب الدنيا، حتي أنساهم تمامًا الآخرة، ولم يدركوا أن الدنيا جسر موصل للآخرة، بل حسبوا أن الدنيا هي الأولى والآخرة، ولم يتبين لهم أن ما عليها من وسائل تعين الإنسان على تحقيق الهدف من الخلق هو «العبادة»، بل أيقنوا أن هذه الوسائل هي الهدف من الخلق فعبدوها من دون الله، فوضعوها في قلوبهم تتصرف بهم كيف تشاء وأفنوا حياتهم من أجلها، فكان المال هدفًا، والمرأة هدفًا، والولد هدفًا، والمنصب هدفًا، والجاه هدفًا، والطعام هدفًا، والملبس هدفًا، وغيرها من الشهوات أهدافًا من دون الهدف الأسمى الذي خلقوا من أجله.
والقسم الثالث: هم المخلطون الذين لم يحبوا أن يكونوا من القسم الأول، ولا من القسم الثاني، بل أرادوا أن يصيبوا نصيبًا من هؤلاء ونصيبًا من هؤلاء، فساعة يعبدون الشهوات من دون الله، ويقاتلون من أجلها، وساعة يعبدون الله، ويصيبهم من هم الآخرة، فهؤلاء كمن يحوم حول الحمى يوشك أن يرتع فيه فهم على خطر غير مأمون، إذا لم يثبتوا على الجادة، و يتركوا التخليط. ويصف الإمام الزاهد يحيي بن معاذ هذه الأقسام الثلاثة بقوله «الناس ثلاثة: رجل شغله معاده عن معاشه، ورجل شغله معاشه عن معاده ورجل منشغل بهما جميعًا، فالأولى درجة الفائزين، والثانية درجة الهالكين، والثالثة درجة المخاطرين».[1]
وأصحاب هم الآخرة من القسم الأول من الناس هم الفائزون من بين هذه الأقسام؛ لذا وجب دراسة صفاتهم حتى نقتدي بها والتي من أبرزها:
الحزن للآخرة
فمع رجائهم لرحمة الله سبحانه وتعالى وعفوه ومغفرته إلا أنهم لا يتكلون على ذلك، بل إنه يصبهم الحزن على كل تفريط وتقصير وكل ذنب يقترفونه حتى وإن كان دقيقًا، ويحزنون على ما يصيب المسلمين وما يقع عليهم من ظلم وما يصيبهم من بلاء، فهم أصحاب نفوس مليئة بالرحمة والحساسية بسبب هم الآخرة الذي غلب عليهم.
ويمثل تلميذ الحسن البصري التابعي الجليل مالك بن دينار القلب الذي لا حزن فيه كأنه البيت الخرب، فيقول: «إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب كما أن البيت إذا لم يسكن خرب»[2] فالحزن يحيي القلب و ينشطه، ويحرك فيه مكامن الإحساس والشعور، وانعدام الحزن، يميت الشعور والإحساس، فيتبلد القلب حتى يموت، ويصبح كما قال فيه الإمام مالك «كالبيت الخرب» المهجور، الذي تأوي إليه الدواب والحشرات وشياطين الجن، ويكون موضعًا لقضاء الحاجات والنجاسات؛ فيمتلئ بالنتن وكل رائحة كريهة حتى يبتعد عنه كل ذي طبع سليم.
والحزن درجات، وعلى مقدار ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا، فهي عملية تنظيف دائمة تتصاحب مع يقظة قلبية دائمة، إذ يقول الإمام مالك بن دينار:
«بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج هم الدنيا من قلبك».[3]
ويصاحب هذا الحزن خوف من الله على المحاسبة يوم القيامة، فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
المحاسبة الدائمة
وكان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.. وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر»[4]
فتراه دائمًا محاسبًا نفسه على كل قول أو فعل، وهذه النفس اللوامة التي أقسم الله بها عندما قال: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة:1-2) جاء في تفسير القرطبي «قال الحسن: هي والله نفس المؤمن، ما يُرى المؤمن إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه». [5]
وكان التابعي بلال بن سعيد يحاسب نفسه على فقدان الحزن للآخرة فيقول: «واحزناه على أني لا أحزن».[6]
العمل الدائب للآخرة
فهذا الحزن الذي يصيبهم بسبب هم الآخرة لا يكبلهم في زوايا المساجد، ولا يحبسهم في بيوتهم يبكون على أنفسهم ويتركون أهل الضلال في ضلالهم دون إنكار، بل إن هذا الحزن هو أكبر محرك لهم نحو أنفسهم بالإصلاح والتزكية والمبادرة قبل فوات الأوان، ونحو الآخرين بإصلاحهم ودعوتهم، والصبر على ما يلاقون في دعوتهم من الأذى والبلاء؛ لهذا قال مالك بن دينار «إن لكل شيء لقاحًا، وإن الحزن لقاح العمل الصالح، إنه لا يصبر أحد على هذا الأمر إلا بحزن».[7]
ولا يعنى بالعمل الصالح، الصلاة والصيام وقراءة القرآن والذكر، بل العمل الصالح كل عمل يحبه الله، وأحب شيء إلى الله الجهاد في سبيله، وأعلى درجات الجهاد إراقة الدم في سبيله، وأدناها إنكار المنكر بالقلب وبين هذه وهذه درجات في الجهاد .
التأثر بمناظر الموت
وبسبب حياة قلوبهم فإنهم يربطون كل ما يرون في الدنيا بالآخرة، وأكثر ما يخوفهم منظر الموت، فيظل منظر الموت مؤثرًا في أحدهم مدة من الزمن؛ مما يزيد في تحركهم نحو الآخرة، خوفًا أن تدركهم الأنفاس الأخيرة قبل أن يقدموا من العمل ما يرتقون به أعلى الدرجات، فمما يروى عن التابعي إبراهيم النخعي أنه كان يقول: «كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عرف فينا أيامًا لأنا قد عرفنا أنه نزل به أمر صيره إلى الجنة أو النار»[8] هذه بعض أبرز صفات «أصحاب هم الآخرة» وغيرها كثير.
________________________
[1] صفة الصفوة 4/93.
[2] صفة الصفوة 3/283.
[3] الزهد- لأحمد 319.
[4] تهذيب مدارج السالكين ص 115.
[5] الجامع لأحكام القرآن- 19/93ط – إحياء التراث.
[6] صفة الصفوة 4/ 217.
[7] صفة الصفوة 3/278.
[8] صفة الصفوة 3/ 87.