الثلاثاء 18-يوليو-1972
قراءة جديدة للتاريخ
الصفحات الأخيرة من حضارتنا
بقلم: الأستاذ عبد الحليم عويس
حين حافظ المسلمون على الغنائم أضاعوا آخر أحلامهم في أوروبا
قصة الغنيمة في تاريخنا غريبة، والدرس الذي تلقيه علينا- كذلك- أغرب! لقد بدأت أولی هزائمنا بسبب الغنيمة، ولقد وقفنا- مرغمين- عند آخر مدى وصلت إليه فتوحاتنا بسبب الغنيمة- كذلك!!
فقصة الغنيمة... هي قصة الهزيمة في تاريخنا، كان قائد المعركة الأولى هو الرسول عليه الصلاة والسلام.. وخالف الرماة أمره، وخافوا من أن تضيع فرصتهم في الغنيمة.. فكانت «أُحد» وشهد الجبل العظيم استشهاد سبعين رجلًا من خيرة المسلمين.. بسبب الغنيمة.. نعم بسبب الغنيمة!! وكان قائد المعركة الأخيرة «عبد الرحمن الغافقي» آخر مسلم قاد جيشًا إسلاميًا منظمًا لاجتياز جبال البرانس، ولفتح فرنسا وللتوغل- بعد ذلك- في قلب أوروبا.
وهزم الغافقي وسقط شهيدًا في ساحة «بلاط الشهداء»، إحدى معارك التاريخ الخالدة الفاصلة... وتداعت أحلام المسلمين في فتح أوروبا، وطووا صفحتهم في هذا الطريق... وكان ذلك لنفس السبب الذي استفتحنا به دروس الهزيمة.. أعني بسبب الغنيمة.
•••
منذ تم للمسلمين الاستقرار في المغرب العربي، وإسبانيا الإسلامية، وهم يطمحون إلى اجتياز جبال البرانس وفتح ما وراءها، هكذا أراد موسى بن نصير... لكن الخليفة الوليد بن عبد الملك خشى من أن يغرر بالمسلمين في طريق مجهولة... ثم فكر على نحو جدى «السمح بن مالك الخولاني» والي الأندلس ما بين عامي «۱۰۰ - ۱۰۳ هجرية»، وتقدم فاستولى على ولاية «ستبمانية» إحدى المناطق الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط جنوب فرنسا، وعبر- بذلك- السمح جبال البرانس وتقدم فنزل في أرض فرنسا منعطفًا نحو الغرب، حيث مجرى نهر الجارون مستوليًا في طريقه على ما قابلته من البلدان، حتى وصل إلى تولوز في جنوب فرنسا، لكن. لكن لم يستطع أن يستقر فيها وقتل السمح، وتراجعت فلول جيشه تحت قيادة أحد قواده «عبد الرحمن الغافقي»، فكأن السمح لم ينجح إلا في الاستيلاء على ستبمانية.
•••
ثم واصل الوالي الجديد بعد السمح «عنبسة بن سحيم الكلبي» التقدم نحو أوروبا، وإن كان قد غير طريق السير، وتمكن من الوصول إلى «أوتان» في أعالي نهر الرون، لكنه لم يكن حذرًا، فلم يؤمن طريق عودته فانتهى الأمر بقتله، وعاد جيشه إلى أربونة في ستبمانية.
•••
لكن عبد الرحمن الغافقي، كان الشخصية الحاسمة التي أرادت التقدم نحو أوروبا حرصت عليه، وكان عبد الرحمن مشبعًا بروح الإيمان والرغبة في الثأر لما أصاب المسلمين من قبل حين قتل «السمح» وحين رجع هو بالجيوش الإسلامية إلى «ستبمانية».. وقد أعلن الغافقي الدعوة للجهاد في الأندلس كلها وفي أفريقية، وقد جاءته وفود المتطوعين من كل مكان، كما أنه من جانبه استعد استعدادًا كبيرًا لهذا الغزو.
ولقد التقى المسلمون «عربا وبربر» بالمسيحيين بين بلدتي توروبواتيه على مسيرة «باكم» من باريس، وكان قائد النصارى «شارل مارتل» وزير دولة الفرنجة وأمين القصر بينما كان «عبد الرحمن الغافقي» - يقود جيوش المسلمين.
وكانت المعركة شديدة قاسية واستمرت قريبًا من سبعة أيام وكان الجيش الفرنجي وحلفاؤه أكثر من جيش العرب، ولكنَّ المسلمين أحسنوا البلاء في القتال، وكاد النصر يتم لهم.. لولا أن ظهرت قضية «الغنائم»!!
لقد عرف المسيحيون أن لدى الجيش الإسلامي غنائم كثيرة حصل عليها من معاركه أثناء تقدمه من قرطبة حتى بواتيه..
وقد أثقلت هذه الغنائم ظهور المسلمين، وكان من عادة العرب أن يحملوا غنائمهم معهم فيضعونها وراء جيشهم مع حامية تحميها، وقد فهم النصارى هذا، ونجحوا في ضرب المسلمين عن طريق التركيز عليه، لقد شغلوهم من الخلف.. من جانب الحامية المكلفة بحراسة الغنائم.. ولم يفطن المسلمون للتخطيط النصراني، فاستدارت بعض فرقهم لحماية الغنائم..
وبالتالي: اختل نظام الجيش الإسلامي... ففرقة تستدير لحماية الغنائم، وأخرى تقاتل النصارى من الأمام. وعبثًا حاول عبد الرحمن الغافقي إنقاذ نظام الجيش الإسلامي، إلا أن سهمًا أصابه وهو يبذل محاولاته المستميتة... فوضع حدًا لمحاولات الإنقاذ... وأصبح جيش المسلمين دون قيادة.. وتقدم النصارى فأخذوا بخناق المسلمين من كل جانب، وقتلوا من جيشهم الكثير.
لقد كانت بلاط الشهداء سنة ١١٤ هجرية آخر خطوة من خطوات المد الإسلامي في اتجاه أوروبا.
ثم توقف المد، لأن بريق المادة غلب على إشعاعات الإيمان...!!
والذين يسقطون في هاوية البحث عن الغنائم لا يمكن أن ينجحوا في رفع راية عقيدة أو حضارة.
عبد الحليم عويس