; نحو قصة هادفة | مجلة المجتمع

العنوان نحو قصة هادفة

الكاتب عبد الرحمن العمصي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1972

مشاهدات 90

نشر في العدد 104

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 13-يونيو-1972

نحو قصة هادفة

                                                            بقلم: عبد الرحمن العمصي

 

لا شك أن دعاة الخير، الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، المحبين لأن تنتشر الفضائل في المجتمع، وأن تمحى الرذائل، يريدون أن يكون للقصة هدف أو أهداف تدعو إليها وتنطوي عليها، وعبر نافعة يأخذها القارئ منها، تتجلى هذه الخصلة في تحدثنا عن «المغزى» في القصص التي ندعو غيرنا لقراءتها.

لقد كان السابقون يرددون جملة تعبر عن حرصهم على إبراز الهدف أو «المغزى» إذ يقولون في وصف قصة ما: «لو كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر».

وما زال هذا المنحى في الكتابة، يلاحقنا في أغلب الأحيان.

ونحن نكتب القصة، لست أنكر طبعًا أن يكون للقصة هدف -بل هذا ما أريده- ولا استنكر أن تكون القصة ذات مغزى مقصود، بل إن الأدب يكون فارغًا إذا لم يكن له هدف يؤديه.

ولكن يجب أن تستوفي القصة الهادفة عناصرها التي ترتفع بها إلى مستوى القصص الفني، فلا تكون مواقفها جامدة، ولا تصرفاتها متكلفة ولا مقصودها عاديًا مبتذلًا، تضيق به النفس العزوف عن الوعظ المكشوف، المتطلعة إلى الجدة في العرض والطرافة في التصوير، وأمام الرغبة في أن تقوم القصة بتهذيب الأخلاق وتربية النفوس والتبصير بالمثل العليا، قد ينساق كاتب القصة الهادفة، وراء الفضائل، يتغنى بها، والشرور والآثام، يحمل عليها، ويخضع لهذا الغرض سياق القصة، يزيف لها المشاهد ويتكلف المواقف، وينتهي إلى النتائج، مع أن تحليل المواقف ومعالجة نوازع النفس البشرية، والدوافع والرغبات الإنسانية، دون وعظ وخطابة، تعطي ثمرتها بصورة أكثر عمقًا، وأشد إقناعًا.

«والقَصص الفني هو القصص الذي لا يقتصر على الجانب الواعي من حياتنا اليومية، والصورة الظاهرة من مجتمعنا، بل الذي يتغلغل فيما وراء الوعي وينفذ إلى باطن الحياة والمجتمع، حتى تتجلى له تلك الطوايا التي إليها مرجع الحفز والتوعية.

والقصاص الفنان هو الذي يبصرنا بالحقيقية الخافية، والباعث المكنون يرينا من أنفسنا ما نسر، ويصارحنا من أمرنا بما نكتم، فإن لم يفعل ذلك، فهو أقرب إلى أن يكون صاحب عظات طنان، تهتز لها المنابر والمنصات، فيصفق لها السامعون ما شاءوا أن يصفقوا، وقلوبهم جميعًا في شغل، بما يضطرم فيها من أشتات النزعات والغرائز» (۱).

إذن فتناول المواقف بالتحليل، الذي تتبدى فيه النفس الإنسانية على سجيتها، دون جنوح إلى الافتعال والوعظ المكشوف، أنفع وأجدى وأقرب إلى نفس القارئ من التوجيه المباشر، إذ يستخلص القارئ من ذات نفسه، معاني وعظات أكثر بكثير، مما قد يوجه له من نصائح، ويكون بما يستخلصه مقتنعًا متأثرًا لإحساسه، بأنه هو مصدر ما يستلهم، وإن لم يمل على هذا الفهم إملاءً.

في كثير من أعمالنا القصصية جنوح إلى الإغراق والمبالغة والتهويل، نحن كثيرًا ما نلزم المرء صفة واحدة لا تنفك عنه، ولا يملك عنها مصرفًا.

نعمد إلى الخير أو الشر، فنفرض كلًّا منهما فرضًا، على من نختاره له من أبطـــــــال القصص، فإن طاب لنا أن نصور أبوة ظالمة، أو بنوة عاقة أو أمومة سادرة، أخرجناها شخصيات ينبع منها كل شر، ويتأصل فيها كل إثم، وحملنا عليها من النقائص ما يظهرها في مظهر بشع، ونزعنا منها كل عاطفة كريمة، وأبعدناها عن كل تصرف رشيد، غير مسوغين كل موقف، بما لا بد منه للنفس البشرية، حين تنحرف أو تطغى، فالإنسان يولد على الفطرة ولا بد من أمور كانت سببًا للانحراف، وعلة له.

وإذا أردنا أن نصور شخصًا، إما أن نبنيه ملاكًا طاهرًا، لا يفعل إلا خيرًا، ولا ينطق إلا حكمة، وإما أن نظهره سفاحًا مجرمًا، لا يخفق قلبه بخير، ولا ينبض بإحساس كريم.

لا بد أن ندرس الأبطـــال على نحو من التحليل والتعليل، نستبطن ما أحاط بكلٍّ منهم، حتى ألهمه تقواه أو فجوره.

في قَصصنا العربي الحديث شوائب، تتفاوت بين الكتاب قلة وكثرة، ومن أبرز هذه الشوائب:

 غلبة الأحكام العامة المطلقة على الشخصيات والمعاني، وإغفال التنازع بين الغرائز والمشاعر في نفس الإنسان.

والنعمة على الضعف البشري تارة، أو التحيز له تارة أخرى، وإعلاء صوت الكاتب على صوت الشخصيات، فيما يبدو من مشاهد وأحوال، وإيثار السرد والإخبار على التصوير وتهيئة الجو، واضطراب الموضوعات، في دوائر محدودة متشابهة، من مشكلات الحياة والمجتمع.

والافتتان بالإغراق في الحوادث والتصرفات، دون تمهيد وتدريج، والقصد إلى الوعظ الظاهر في تكلف، أو المجون السافر في ابتذال، وتحلق الجماهير فيما تعارفت عليه من أخلاق وأوضاع وتقاليد، والولـــــــــع بالخواتيم الحاسمة المثيرة، التي تنتصر للحق وللخير، وتعز الفضيلة والمثل الأعلى.

(۱) محمود تيمور في كتابه الأدب الهادف

الرابط المختصر :