; من الحياة.. نحو برنامج رمضاني للبيت الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. نحو برنامج رمضاني للبيت الإسلامي

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2008

مشاهدات 68

نشر في العدد 1815

نشر في الصفحة 56

السبت 16-أغسطس-2008

أي عمل تربوي يمر بثلاث مراحل مرحلة التخطيط والتهيئة ومرحلة التنفيذ ومرحلة التقويم واستثمار شهر رمضان يعد عملاً تربوياً، بل إنه مدرسة تربوية شاملة متكاملة؛ ومن ثم فقد تحدثت في مقالي السابق عن ثمانية أعمال يستعد بها البيت المسلم لاستقبال شهر رمضان وتلك هي مرحلة التخطيط أو التهيئة، أما مرحلة التنفيذ، فتلك التي أتناولها في هذا المقال وسوف أعرض لها في شكل جدول أعمال؛ يشكل برنامجاً للبيت المسلم مراعياً أن يتصف بالمرونة، ليتيح لكل بيت أن يختار ما يناسبه ويحتاج إليه من أعمال واطلاع، وفيما يلي ملامح هذا البرنامج الرمضاني.

أولا: الأعمال اليومية

1- استحضار النية وذلك قبل الصيام، أو قبل أي عمل من أعمال رمضان: لقول الرسول صلى الله عليه وسلم، «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (رواه البخاري ومسلم)، فقبول أي عمل صالح مرهون بشرطين ،النية والإتباع والمقصود بالإتباع هنا أداء العمل كما وصفه الشارع حتى أن بعض العلماًء جعل مدار الدين على حديثين الحديث السابق حديث النية وحديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  «أنه قال من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (رواه مسلم)، وبيان ذلك أن الحديث الأول ميزان للأعمال الباطنة والحديث الثاني ميزان للأعمال الظاهرة، وأن الحديثين اشتملا على شرطي قبول الله عز وجل العمل من عباده.

وقد أيد الله عز وجل ذلك في الآية الأخيرة من سورة الكهف، حيث يقول،﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾(الكهف:110) والنية لغة القصد والإرادة، وهذا يعني أن النية من أعمال القلب، فلا يُشرع النطق بها، لذلك فعلى المسلم أن يحسن النية في كل عمل يؤديه في شهر رمضان وفي غير مضان، وعلى رب الأسرة أن يُذكر رعيته بالنية وتصحيحها باستمرار، وأن يبصر زوجته وأولاده بأهميتها ووجوبها.

2-المحافظة على الصلاة وخاصة صلاة الفجر

فالصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنب العبد الكبائر كما أنها تسمو بالعبد روحيا وترتقي به إيمانياً وهي زاد العبد ووقايته فينبغي المحافظة عليها وخاصة صلاة الفجر فكثير من المسلمين في عصرنا الحالي أضاعوا صلاة الفجر، مع أن صلاة الفجر صلاة مباركة مشهورة، أقسم الله بوقتها في كتابه الكريم فقال: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ (الفجر:1)، وإهمال صلاة الفجر يعكس خللاً كبيراً في حياة المسلم ينبغي علاجه إن لصلاة الفجر أثراً عظيماً في المسلم إذ تقذف طمأنينة وإشراقاً فيبارك الله في قلبه ونفسه وجسده، لأن القلب والنفس والجوارح جميعها تحركت أول ما تحركت طاعة لله عز وجل، ومن ثم وجب على رب الأسرة أن يصطحب أولاده معه إلى المسجد دائما لأداء الصلاة.

وسائل معينة على أداء صلاة الفجر

على رب الأسرة أن يكون قدوة في ذلك، وأن يرغب أولاده في الإلتزام بأداء صلاة الفجر حاضرة في جماعة بالمسجد وأن يهيئ لهم أسباب ذلك ووسائل المواظبة عليها والمعينات على أدائها ومن أهم المعينات التي يمكن للبيت المسلم أن يأخذ بها مراجعة فضلها ووجوبها وعقوبة إهمالها والتذكير بأنها من علامات الإيمان التي تميز بين المؤمن والمنافق والمقارنة بين أحوال أهل الدنيا في التزامهم مثلا بموعد السفر ساعة الفجر وإهمالهم صلاة الفجر ومن المعينات أيضاً تنظيم الوقت والنوم المبكر على وضوء مع ترديد الأذكار والنية قبل النوم والعزم على أدائها حاضرة بالمسجد والتعاون مع الجيران أو الزملاء بأن يوقظ بعضهم بعضاً واستخدام المنبه للإيقاظ وذكر الله تعالى عند الاستيقاظ، وأن يدعو العبد ربه أن يعينه ويوقظه لصلاة الفجر، ونضح الماء في وجه النائم من أفراد البيت المسلم، وذلك بعد الاتفاق على ذلك والتهيئة له وإضاءة السراج فور الاستيقاظ وتجنب الإكثار من الأكل قبل النوم، واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في آداب النوم، والإخلاص لله في الطاعات والعبادات ومن المفيد هنا أن تكون هناك جلسة عهد وميثاق واتفاق قبل شهر رمضان يتفق فيها الزوج مع زوجته وأولاده على برنامج رمضان والوسائل المعينة على أداء صلاة الفجر، وغيرها من العبادات من هذا الشهر المبارك، وحبذا كتابة المعاهدة والتوقيع عليها، ويبين لهم رب الأسرة أن هذا عهد وميثاق مع الله عز وجل قبل أن يكون بينهم بعضهم بعضا ويكتب الصيغة التالية نعاهد الله عز وجل نحن فلان وفلان ويذكر أفراد أسرته بادئاً بنفسه على ثم يوقعون ويمكن تسمية هذه الوثيقة وثيقة الطاعة في شهر الخير وينص فيها على العينات والوسائل وكيفية تنفيذها وجوائزها

3-الإكثار من ذكر الله تعالى: فالقارئ لآيات الذكر في القرآن الكريم يلحظ أن الله عز وجل لم يأمرنا بالذكر فقط، بل أمرنا بالإكثار منه ومن ذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذكروا الله ذكرًا كثيراً﴾   (الأحزاب:41).

فذكر الله تعالى شفاء وسكينة وطمأنينة قال سبحانه،﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(الرعد:28) وبالذكر يجدد أفراد البيت المسلم إيمانهم يقول صلى الله عليه وسلم: «جددوا إيمانكم قالوا وكيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ قال أكثروا من قول لا إله إلا الله» (رواه أحمد).

وسائل عملية تطبيقية في الذكر

يمكن لرب البيت استخدام بعض الوسائل العملية التطبيقية التي تعين أفراد بيته على الذكر، ومن ذلك أن يقدم لهم كتيباً صغيراً يحتوي على هذه الأذكار المأثورات، ويتلوها معهم من الكتيب ومع تكرارها والمواظبة عليها يمكن أن يحفظوها ويرددوها من الذاكرة، ويمكن لرب الأسرة أيضاً أن يعود أفراد بيته أذكار الطعام والشراب، وأذكار الخروج من البيت ودخوله وغير ذلك من الأذكار المأثورة، ولذلك وسائل كثيرة، منها ترديد هذه الأذكار من قبل رب الأسرة والزوجة والأولاد، ومنها لصق الأوراق المتضمنة لهذه الأذكار في أماكنها المناسبة فدعاء دخول المنزل يمكن أن يوضع على الباب من الخارج، ودعاء الخروج من البيت يمكن لصقه على الباب من الداخل 

وهكذا حتى نهيئ لأولادنا جواً روحياً إيمانياً وبيئة إسلامية يعيشونها ويألفونها ويشبون عليها.

٤-المكوث في المسجد حتى الشروق: من أعظم الطاعات المكوث في المسجد بعد صلاة الصبح في ذكر وعبادة وتلاوة للقرآن الكريم، ثم أداء ركعتي الضحى، فعن أنس بن مالك مرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من «صلى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة»، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تامة تامة، تامة» (رواه الترمذي).

5- إتقان العمل فكثير من الناس يعتبر رمضان شهراً للراحة، فيتكاسل فيه عن العمل، ويعطل بذلك مصالح العباد على حين أن سلفنا الصالح كانوا يجتهدون في شهر رمضان ويؤقتون جهادهم في شهر النصر العظيم شهر رمضان المبارك وقد أكد ديننا العظيم قيمة إتقان العمل، ومن ذلك قول الله تعالى، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:10) ويقول  «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (السلسلة الصحيحة).

فعلى رب الأسرة أن يوصي نفسه ورعيته دائماً بإتقان العمل، وأن يبين لهم أثر ذلك عليهم وعلى المجتمع في الدنيا والآخرة، كي يرغبهم في التجويد والإتقان.

٦-الصدقة وتلاوة القرآن الكريم كاملا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة (رواه البخاري). فعلى رب الأسرة أن يربي في نفسه ورعيته الشعور بالإحساس بالمحتاجين واليتامى والفقراء والأرامل والمساكين، وأن يفهمهم أن المال مال الله عز وجل استأمننا عليه ورزقنا إياه وسيحاسبنا عليه يوم القيامة، وأن للمحتاجين حقاً في هذا المال ويجدر به أن يربيهم على الكرم والسخاء وخاصة في شهر رمضان، فلرب دينار كفكف دمعة يتيم، وأنقذ حيرة أرملة، وأغاث ملهوفاً، وأطعم جائعاً، وكسا عارياً، وأدخل الفرحة على حزين ومن الوسائل العملية التي تدرب أفراد البيت المسلم على الصدقة والمواظبة عليها أن تخصص حصالة لذلك أو أكثر، ربما تكون إحداها لليتامى والثانية للمحتاجين والثالثة لأوجه الخير الأخرى وهلم جراً. 

7-لقاء البيت (البرلمان الأسري): وهو لقاء أسبوعي يجمع جميع أفراد البيت المسلم، ويبدأ بتلاوة ما تيسر من القرآن، ويكون له برنامج ثقافي بالإضافة إلى وسائل تقوية الإيمان كالتفكر مثلا أو تدبر بعض آيات القرآن الكريم، أو أحداث السيرة أو حتى أحداث الحياة اليومية المعاصرة، كالتفكير في المرضى أو الموتى، أو الدعاء لهم وغير ذلك من وسائل تقوية الإيمان وأوصي نفسي وإخواني من أرباب البيوت المسلمة بأن نغذي هذا اللقاء بمشوقات يحبها أولادنا، حتى ترغبهم في المواظبة عليها، كأن نسند إليهم أدواراً، أو نناقش قضايا تهمهم، أو تحضر بعض الأطعمة أو الأشربة أو الهدايا والجوائز التي يحبونها.

ويطيب لي أن أضع بين يدي القارئ البرنامج الثقافي المقترح في لقاء البيت، وهو برنامج كما ذكرت يتصف بالمرونة، ليعطي أفراد البيت حرية اختيار ما يناسبهم، وفي الوقت ذاته برنامج روعي فيه أن يكون عملياً قابلاً للتطبيق والتنفيذ  (انظر 

الجدول).

الأسبوع

القرآن الكريم

الفقه

السيرة أو التاريخ

مناقشة أمور خاصة

التلاوة

حفظ وتفسير

الأول

من بداية الحزب الأول إلي نهاية الحزب الخامس عشر

يتفق أفراد البيت المسلم علي سورة تناسب قدراتهم على الحفظ وترصد جوائز ويحدد موعد أسبوعي للتسميع.

مراجعة أسرار الصوم ويمكن الاستعانة بكتابات ابن القيم أو كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي أو كتاب زاد علي الطريق للأستاذ مصطفي مشهور أو كتابات الدكتور يوسف القرضاوي

يختار أفراد البيت المسلم غزوتين أو موقعتين من تلك التي وقعت في شهر رمضان وتدرس كل غزوة أو موقعة علي مرتين أسبوعين ومنها بدر  فتح مة ، ليلة القدر، باط الشهداء، عين جالوت إلخ.

يتفق أفراد الأسرة على مناقشة بعض الأمور التي تهمهم وخاصة احتياجات الأولاد ودراستهم ومستقبلهم ومشكلاتهم ويتقدم الفرد بطلب لرب الأسرة أو أمين سر اللقاء ليضعه على الجدول لتدريب الأولاد علي مهارات الحياة

الثاني

من بداية الحزب السادس عشر إلي نهاية الحزب الثلاثين

مراجعة زكاة الفطر من كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق

الثالث

من بداية الحزب الحادي والثلاثين إلي نهاية الحزب الخامس والأربعين

مراجعة فقه الاعتكاف من كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق

الرابع

من بداية الحزب السادس والأربعين إلي نهاية القرآن الكريم

مراجعة عيد الفطر من كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق

8-إصابة السنة في الإفطار والسحور:

 فمن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم التعجيل بالإفطار والحرص على السحور وتأخيره، وقد رغب صلى الله عليه وسلم في ذلك بقوله «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر» (رواه البخاري)

وهذه المعاني ينبغي أن يبصر بها رب الأسرة رعيته، أو يرغبهم في إصابة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 ٩ -صلاة التراويح وقيام الليل: ففي ذلك زاد للعبد يعينه على أداء واجبه، ولقد أمر الحق تبارك وتعالى رسوله بذلك ليجهزه لتبليغ الرسالة والأمانة، قال تعالى  ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ  قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا  نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾  (المزمل:5) ومن المهم هنا أن يحرص الزوج على اصطحاب زوجته وأولاده لصلاة التراويح والتهجد، وأن يجعل بيته محراب عبادة فيقوم الليل مع أسرته ويواظب على ذلك.

 10- المحاسبة والاستغفار: فقد حثنا رسولنا الرحيم على الالتزام بذلك، ومن هديه الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت وواجب رب الأسرة هنا أن يبصر أفراد أسرته بأهمية المحاسبة ويخصص وقتاً لذلك، وأن يبدأ مع أولاده بأشياء بسيطة كالصلاة مثلاً، وأن يوفر ورد المحاسبة لكل فرد، وأن يدريه على تسجيل الأعمال ومحاسبة نفسه.

ثانيا: الأعمال الأسبوعية

  1. دعوة الأقارب أو الأصدقاء أو زملاء العمل أو الجيران على الإفطار مرة واحدة على الأقل أسبوعياً، ويراعى فيها الاعتدال، فلا إسراف ولا تقتير، كما يراعى التبسط حتى لا يرهق الرجل زوجته فتقصر في العبادة

  2. حضور مجلس علم مرة واحدة على الأقل أسبوعياً. 

  3. قراءة كتاب، أو فصل، أو موضوع من كتاب من الكتب القيمة، حسبما يتيسر لكل فرد.

  4. تقشف يوم في الأسبوع في الإفطار أو السحور فيفطر أفراد البيت على تمر وماء وعدس وسلطة فقط، أو يستبدلون بالعدس فولاً مثلاً مشاركة للجائعين والمحتاجين والمحاصرين والتبرع بميزانية هذا اليوم في إطعام هؤلاء البائسين

  5. زيارة مريض، أو حضور جنازة، أو زيارة القبور للرجال.

ثالثا: أعمال خلال الشهر

  1. أداء عمرة عائلية أو جماعية مع بعض الأقارب أو الزملاء

  2. إخراج صدقة الفطر.

  3. المشاركة في حل المسابقات الرمضانية بالمسجد أو الجمعيات الخيرية.

  4. اعتكاف العشر الأواخر قدر الإمكان كلياً أو جزئياً

  5. اصطحاب أفراد البيت المسلم لأداء صلاة العيد

أسأل الله عز وجل أن يجعل أول شهر رمضان لنا رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقاً من النار اللهم آمين.

 

الرابط المختصر :