; نحو أدب إسلامي الجهاد بالكلمة | مجلة المجتمع

العنوان نحو أدب إسلامي الجهاد بالكلمة

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1977

مشاهدات 67

نشر في العدد 343

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 29-مارس-1977

في خضم الصراع المرير الذي يشهده عصرنا، لا بد للمسلم من صحوة حقيقية، صحوة يدرك معها أنه بحاجة لاستغلال طاقاته كلها دفاعًا عن کیانه أولًا وقيامًا بأمانة الرسالة التي أوكله الله بها ثانيًا، لأنه مسئول أمام الله عن نفسه، وعن دعوته، ولن يحميه من الله عذر إلا إيمان خالص، وعمل جاد ونية صادقة.
وأعداء الإسلام في كيدهم للإسلام ودعاته يستغلون كل شيء: الكلمة والصورة والهمسة، والمادة، والجنس، ويستخدمونها بطريقة تخدم أغراضهم، وتقهر الحق الذي يحمله المسلمون، وتقضي على قبس النور الذي يشع في قلوبهم. 

ومع هذا، فلا زلنا- ونحن أصحاب الحق وحملة الرسالة- غافلين ومقصرين، نجابه أعداءنا بوسائل بدائية- أحيانًا- ونستسلم لألاعيبهم فلا نقاومهم أحيانًا أخرى.
وهكذا يتغلغل فينا الهوان، ويستشري الفساد، ويزداد الباطل زهوًا وتمردًا، ويتعاجب المبطلون والمفسدون، ويتفاخرون بما يقدمون من جديد، ويرمون ذراري المسلمين بالتهم المسمومة ليميتوا فيهم أي أمل في الثبات والصمود بله الانتصار فإذا تجاوزنا كثيرًا من الأسباب والوجوه التي يظهرها الصراع، فإننا لا نستطيع أن نغفل عنصرًا أساسيًا للصحوة الإسلامية المرتقبة بإذن الله- وهي ضرورة الوعي الشامل القائم على الإيمان الراسخ والتصور الواضح والسلوك المتميز.
أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية، في أول سورة من سور القرآن الكريم، هذا مع أن الرسول الذي جاء بها لم يكن كاتبًا بالقلم، وما كان ليبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى لو كان هو الذي يقول هذا القرآن، لولا أنه الوحي، ولولا أنها الرسالة «1».
وهكذا بين لنا- سبحانه وتعالى- دور الكلمة التي تحمل مع الإنسان مسئولية الحياة حيث تغدو في قيمتها الإنسان ذاته، وتحمل شخصيته لأنها تعبر عن عقيدته، وعن أصدق مكنوناته، فإذا صدرت عن مؤمن صادق كانت كلمة طيبةً مثمرة، وكانت أدبًا إسلاميًا.
والمدنية الحديثة- بفلسفاتها المختلفة، وبألوانها المتنوعة- لم تغفل دور الكلمة بل استخدمتها استخدامًا خبيثًا، وأعطتها دورًا مهمًا للتبشير بأفكارها وحمل تصوراتها للناس. وكانت مؤثرة أيما تأثير في نقل أفكارها للناس، وحملتهم على اعتناق المبادئ المختلفة بعد أن استخدمت ألوانًا ناجحة من فنون الأدب ولا سيما القصة والمسرحية.
فلماذا لا يلتفت المسلم إلى الكلمة؟ 

لماذا لا يقرأ تلك القراءة الواعية، المتبصرة، الهادية؟ 

لماذا لا يخطو باسم الله تلك الخطوات الجادة في تشكيل التيار الأدبي الإسلامي، واضحًا، متميزًا, أصيلًا، عميقًا، هادفًا، ملتزمًا؟

لماذا يخشى وعورة الطريق، وصعوبة البدء، وآلام المخاض والولادة؟ ألا يعرف أن ذلك جهاد في سبيل الله ينال فيه ثواب الله، ويفوز بمرضاته إذا صدق النية والعمل؟ 

وهل يطمع المسلم بأكثر من الفوز بمرضاة الله- عز وجل-؟

أليس ذلك- في عصرنا هذا خاصة- لونًا من ألوان الجهاد الذي ينبغي أن تقدم في سبيله أشياء غالية؟

ألم يتحمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الأذى والعذاب والسخرية والمطاردة والتآمر حين نفذ أمر الله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 

(سورة العلق:1)؟

إن المسلم يملك الأداة الطبيعية، وربنا سبحانه أعطانا مثلًا، وجعل ذلك في أيدينا أمانة ومسئولية وعلينا حمل الأمانة والقيام بالمسئولية.

والمدى فسيح رحب، حيث لا يحد المسلم حدودًا ضيقة، ولا أمدًا محددًا، إلا ما حدده الله له، فالكون مجاله، والأرض والسماوات رحبت لتطلعاته وأشواقه وخطواته.

ولكن لا بد من رسم الإطار الواضح لخطوات الأدب الإسلامي، ولا بد من وضع المعالم الواضحة لمسيرة الأديب المسلم، لأننا نرى في الساحة ألوانًا أخرى متسلحة بتأثيرها القوي- مهما كان مزيفًا- وإغراءاتها الكثيرة، ولو كانت باطلة، وللوصول إلى هذا لا بد من تعاون كل العاملين في هذا المجال، وهم كثير، ولكنهم يحتاجون إلى عزمة إيمان، وصدق العمل. وجرأة الحق. 

ومعذرة إذا قلت هذا، فكمْ من دارس متخصص يخشى على نفسه من هجمة الباطل، أو فوات فرصة تحين له في حمل لافتة كتب عليها « شهادة تخصص » فلا يجرؤ على ارتياد هذا الطريق، ويخضع نفسه لمقاييس الجاهلية وإرادة المزيفين، ويمضي شطرًا من عمره الناضج في دراسة خاسرة عند الله، حين يختار من الموضوعات ما لا يفيده في آخرته لأنه لا يخدم إسلامه.
كمْ من الناس خسروا أنفسهم بعد أن خضعوا لأهواء المبطلين، فدرسوا ما فرضه عليهم المهيمنون على عالم الأدب في ديار العرب والإسلام، حتى 

بات ما فرض عليهم شيئًا من ذواتهم، وأصبح لديهم ما يسمى بالتعصب للذات، والعناد الشيطاني، وآثروا دنياهم.

ولا يخفى على أحد أن أكثر المهيمنين على ناصية الأدب، والمتملكين لوسائل النشر من أعداء الإسلام، أو من المنهزمين أمام مدنية العصر الحديث لذلك فهم مأخوذون بدعاوي الفلسفات الحديثة والمعتقدات الأرضية وتصوراتها في الأدب والفن.
وأرادوا أن يُخضعوا كل الدارسين لتصوراتهم ومقاييسهم، وأوهموا الناس أنها مقاييس ثابتة أصيلة.
وكمْ رفعوا من مبتذل ساقط، وكمْ نصبوا من صنم لا يستحق أن ينظر إليه، ولا يستغرب هذا لأن العقائد الباطلة تحمل رسالة، وتؤمن بمهمة تؤديها عن هذا الطريق وغيره. 

ولكن الغرابة أن نخضع لهذه المقاييس ونخاف أن نقول الحق, نخاف أن نتهم بالرجعية، فلا نقول شيئًا إلا حسب مقاييسهم وبمصطلحاتهم ذاتها، ونناقش في هذا ونتعصب.
متى نتحرر؟ متى ينهض المسلم بعبء المسئولية؟ فينشئ الأدب الأصيل على أساس التصور الإسلامي للحياة. وبمقاييس إسلامية لقد هزء صغير يتردد اسمه في مجالات الدراسات والنقد. من هذه الدعوة لإنشاء أدب إسلامي، مع أنه ينسى خضوعه..  للمقاييس الماركسية في الأدب. 

وتناسى أن الماركسية، وهي عقيدة سخيفة مبتوتة الجذور، سطحية التفكير، متناقضة لحقائق الحياة، أنشأت تصورًا خاصًا لها في الأدب والحياة.
فلماذا يعجب من أن ينشئ الإسلام تصورًا له في الأدب؟
هل ينكر الإسلام ذاته؟ أم ينكر أنه عقيدة تشمل الحياة؟ أم أنه يعتقد بشمول الماركسية وضيق الإسلام؟

بعد هذا، هل يفيق الواهمون والغافلون فيرتادون الطريق وهل يدع المسلمون غفلتهم وهم يرون حولهم من أعوان الباطل يرفعون الرايات ويضللون الناس ويحاربوننا بكل الوسائل؟

 هل يبدأ رواد الأدب جهادًا حقيقيًا، ويتخلون عن الألقاب ولا يخشون الصعاب، ويبتغون مرضاة الله- عز وجل- فيساهمون في إنشاء أدب إسلامي حديث؟
وحبذا لو يتنادى عدد من المخلصين لعقد مؤتمر للأدباء المسلمين أو تتبنى ذلك هيئة غير رسمية «۲» بعد إعداد هادئ صحيح، وتحضير مسبق حتى لا تكون الخطوة واحدة من المظاهر الخاوية

ويكون لهم ثواب العاملين، بسنة خير يتبعها الناس من بعدهم.
فإلی إنشاء هذا التيار المتميز فليعمل أصحاب المواهب والاختصاص والله ولي التوفيق.
1-  انظر في ظلال القرآن ج 2 سورة العلق.
2-  لعل جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت أهل لأن تقوم بهذا الدور بعد تأليف لجنة تحضيرية تدرس المشروع، وتدعو له إن قبلت الاقتراح.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

314

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 4

583

الثلاثاء 07-أبريل-1970

السّطور الخضر

نشر في العدد 2101

958

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

شيء من الترويح!