الثلاثاء 07-يناير-1975
نحو أدب إسلامي..
دور الكلمة في الحياة
لا يستطيع المرء مهما استغل دور الكلمة في الحياة إلا الاعتراف بأهميتها لأنها الوسيلة المجدية في كل مجال علمي أو أدبي، فكري أو فني، واقعي أو خيالي فهي التي تحمل ما في ضمائر الناس وأفكارهم، وهي التي تترجم عن مكنونات الإنسان وتطلعاته، وهي الجسر الذي يعبر عليه الإنسان إلى مجاهل الحياة وأقطار الأرض وقلوب الناس.
ولا أدل على دور الكلمة وأهميتها في الحياة من اختيار الله- سبحانه وتعالى- لها طريقًا ووسيلة لحمل العقيدة وتبليغها للناس، فكانت الكلمة هي الوسيلة وهي الأداة، وكانت الآيات الأولى تدل على القراءة وتحض عليها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ١-٥) .
فإلى جانب الدلالات الكثيرة التي تتركها الآيات في ضمير الإنسان عامة والمسلم خاصة، فإنها تبقى علامة على شرف الكلمة الطيبة الكلمة التي تحمل صوت الحق وترفع راية العقيدة، وتؤدي أمانة الحياة بكل شرف وإخلاص.
وكما يقول الأستاذ سيد قطب- رحمه الله- عن هذه الآيات: فهذه الآيات تبرز حقيقة التعليم، تعليم الرب للإنسان بالقلم، لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثرًا في حياة الإنسان ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الذي نلمسه الآن ونعرفه في حياة البشرية، ولكن الله سبحانه كان يعلم قيمة القلم فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية، في أول سورة من سور القرآن الكريم- هذا مع أن الرسول الذي جاء بها لم يكن كاتبا بالقلم، وما كان ليبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى لو كان هو الذي يقول هذا القرآن، لولا أنه الوحي، ولولا أنها الرسالة، وهكذا رسم الله سبحانه دور الكلمة التي تحمل مسئولية الحياة، حين تصبح شخصية الإنسان، لتحمل في طياتها الإيمان، ولتعبر عن تطلعاته وآماله، هذا الدور المهم للكلمة هو الذي جعل القرآن الكريم يبلغ هذه المرتبة السابقة من الإعجاز، حين استطاع أن يحمل رسالة الحياة كاملة ويبلغها للناس. وتنبثق منه عقيدة شاملة كاملة.
ولم يستطع المشركون أن يصدوا أسماعهم عن القرآن، بل يستطيع أعتى جبابرتهم إلا الإصغاء والتعجب أمام آيات القرآن العظيم، بما فيه من تصور جديد للحياة وأسلوب رائع أخاذ، وحقائق لا يمكن أن تقاوم.
وقصة أبي سفيان مع أبي جهل والأخنس بن شريق- وهم زعماء مكة تدل على تأثير القرآن فيهم، ومدى تغلغله في أعماقهم لولا ذلك العناد الأخرق الذي حال دون إيمانهم خوفا على الزعامة والمادة «١».
وكذلك لم يستطع أبلغ فصحائهم إلا الاعتراف بأثر القرآن عليه وعلى غيره حين تشاور الوليد بن المغيرة مع قريش فيما يدعونه على رسول الله وعلى القرآن الكريم.
ورأيناه يرفض دعاوى السحر والجنون والشعر على رسول الله- صلوات الله عليه- وعلى القرآن ويصفه «والله إن لقوله لحلاوة، وان أصله لعذق وان فرعه لجناة» «۲».
ولم تغفل الحركات الحديثة عن أثر الكلمة ودورها- ولهذا فقد صاغت أفكارها ومبادئها بصورة مؤثرة- ونشرت هذه المبادئ والأفكار بأسلوب جذاب مؤثر، ولغة مستساغة محببة، وطريقة ساحرة شيقة بحيث تؤثر في إحساس القارئ إلى جانب قناعته الفكرية- إن أمكن- ولهذا نجد الفلسفات الحديثة، والنظم الجديدة تعطي الأدب أهميته القصوى وتستخدمه بطريقتها الخاصة لنشر مبادئها والتبشير بأفكارها.
وتحاول كل فلسفة أو مذهب أن يصطنع طريقة مميزة خاصة به دون الطرق الأخرى للتعبير عن هذه المبادئ والأفكار.
فإذا كان هذا هو دور الكلمة، دورًا مهمًا في الحياة، ووسيلة لحمل الفكرة- وشرح العقيدة، والتأثير على الناس، وإذا كانت الكلمة هي المعبر الوحيد للتفاهم مع الآخرين فكيف بنا نرضى تركها دون عناية، ونهمل هذا الجانب دون أن نحسن استخدامها، أو نستفيد من طاقتها الكبيرة في مجالات الحياة الواسعة.
«١» انظر قصة الثلاثة في سيرة النبي لابن هشام الجزء الأول ص ٣٣٧ وما بعدها طبعة كتاب التحرير
«۲» العذق: الكثير الشعب والأطراف، ومن رواه غدق بالغين المعجمة والذال المهملة فمعناه كثير الماء، لجناه: أي فيه ثمر يجنى.
انظر للقصة في سيرة النبي لابن هشام، الجزء الأول ۲۸۳- ٢٨٤ وانظر وصف عتبة بن ربيعة للقرآن في المصدر السابق ص ۳۱۳ وما بعدها.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل