العنوان نحن وفوكوياما.. ونهاية التاريخ
الكاتب خضير جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1998
مشاهدات 73
نشر في العدد 1313
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 18-أغسطس-1998
«نهاية التاريخ» بحث تقدم به فرانسيس فوكوياما أمريكي من أصلٍ ياباني، الخبير في وزارة الخارجية الأمريكية، ونشر عام ۱۹۸۹م، وقد كثر حوله الجدل مؤخرًا بشكلٍ واسعٍ يتناسب وسعة التمدد، الذي يريده سياسيو الولايات المتحدة لنفوذهم وهيمنتهم على العالم أجمع، باعتبارهم أصحاب نموذج «طلائعي»، لا بد لبني البشر من قبوله شاءوا أم رضوا، وكأن العولمة التي يريدونها هي «الحتمية التاريخية» الجديدة بعد سقوط المقولات الماركسية، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وهذا ما ينص عليه فوكوياما بقوله:
أصبحت الديمقراطية الليبرالية -بعد انهيار الاتحاد السوفييتي- فكرة عالمية ولا بد لدول العالم من قبولها -شاءت أم أبت- وإن جيوب المقاومة التي نلحظها في الصين وإيران وغيرها ليست إلا مقاومة لشتات جيشٍ مندحر، وسوف لا نحتاج إلى وقت طويلٍ لدحرها، لأنها مقاومة ضعيفة وغير واقعية، ويكفي أن نصبر قليلًا لنشهد نهايتها لأن الجميع يخطون باتجاه التنمية الاقتصادية ويتبنون سياسة السوق الحرة، ويرفعون شعار «الاستهلاك أساس التطور، وهنا لا يخفي فوكوياما مخاوفه وقلقه من الإسلام، حيث يصرح مستفزًا «لا يهتم بالإسلام غير المسلمين، ولذلك يجب ألا نقلق، لأن الطلائعية الأمريكية تأخذ مكانتها يومًا بعد آخر».
ولم تنحصر خطورة المقال المذكور في التبشير بالنموذج الأمريكي وفرضه على العالم باعتباره النظام الأمثل والأكمل، وإنما تتخذ الخطورة بعدًا آخر من خلال تحديد مسارات التاريخ وحركتها التكاملية التي تنتهي بنقطة السمو، وهي أوج المسار التكاملي وذروته، تلك الذروة التي يبلغها المسار عندما يصبح النظام السياسي والاجتماعي ضرورة لا مناص منها للعالمين من خلال ما تطرحه من تأويلات في دوائر الوعي العصري في الذهن والوعي الموضوعي في ميدان الواقع، وفي هذه اللحظة أو في تلك النقطة تبدأ نهاية التاريخ، وإذا ما شكلت هزيمة نابليون بونابرت عام ١٨٠٦م انتصارًا نظريًا للديمقراطية الليبرالية في عالم الفكر المستوى الذهني، فإن حتمية المسار التكاملي قد تحققت على المستوى الموضوعي من خلال سقوط الماركسية والاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١م.
فكأن العقد الأخير من هذا القرن المؤذن بالانصراف وبالانصرام قد هيأ عوامل الحركة التاريخية في عالم الذهن ودنيا الواقع والموضوع لنبدأ عندها نهاية التاريخ التي يخشى فوكاياما مخاطرها، والتي تتمثل بالتأكل الداخلي الذي ينذر بانهيار المجتمع، وكأنه يتحدث عن دورة حضارة قد تكاملت وسادت ثم آلت إلى السقوط وبادت، ويلخص سر التأكل الداخلي بعدم استيعاب الغرب لمفهوم الحرية بشكله الصحيح، حيث يسود التأكيد على الحريات الفردية كحرية التعبير والسلوك والتملك والأمن القانوني، وهو ما يهيئ الأرضية أمام الفرد للعبثية في أي مجالٍ يشاء، وهذا هو مكمن الخطر الذي ينتهي بالنظام الاجتماعي إلى الاندثار والتفسخ تدريجيًا.
لذلك يأتي تأكيد فوكوياما على تحديد مفهوم الحرية بإمكانية الفرد في تحقيق كنه ذاته وليس نسيانه وتلاشيه من خلال وعي الذات واكتشاف النفس، وتأسيسًا على ذلك لفت أنظار الساسة في الغرب وأمريكا إلى ضرورة العودة إلى ممارسة الدولة لدورها في ضبط إيقاعات الأفراد تلافيًا لحدوث التصدع الاجتماعي الذي يترشح عن حالات الفهم السطحي للحريات، وهو ما سيخرج الليبرالية من مضمونها وموقفها الحيادي كي تمارس دورها في التوجيه والإرشاد والضبط من حيث دخولها حرم الحدود الفردية المقدسة لتحرير الفرد من أغلال نسيان ذاته وانسياقه في أجواء الحرية المفتوحة ومتاهات المجهول وصحارى الضياع المضيع للطاقات والمهدد لتماسك المجتمعات، الأمر الذي سوف يحول الديمقراطية الليبرالية إلى ولية أمر لمن تخشى ضياعهم، لتمارس بذلك دور المرشد والهادي والضابط بعد أن ظلت تعارض بشدة زمنًا ليس بالقصير كل من يتدخل في شؤون الناس، ويتهدد حرياتهم ويحدد حركاتهم حتى ولو كان ذلك المتدخل في الشؤون الفردية دينًا أو عقيدة فضلًا عن الأنظمة والحكومات.
ليت الأمر ينتهي بنهاية تاريخ فوكوياما عند هذه النقطة، وإنما راح يكتب وصفات علاجية تفسر طريقة التعامل الأمريكي إزاء الآخرين، باعتبارها المنقذ لحضارة الإنسان وحياته، حيث لا بد من الالتزام بتوجيهات الولايات المتحدة وإرشاداتها فيما يتعلق بالعقيدة والسلوك الفردي وفي ذلك يضع نهاية لتاريخ الأمم والشعوب وليس نهاية للتاريخ كما يدعي، إذ على الآخرين أن يتبعوا تعليمات فلاسفة أمريكا وأنبيائها الجدد لتحديد مناحي الحياة الأخلاقية والقيمية والسلوكية والعقيدية، وهو ما لا يتم دون فرض الوصاية التي يستحق الخارج عليها ما يستحقه الخارج على القانون وحركة التاريخ الجديدة من عقوبات قد تسخر الأمم المتحدة ومجلس الأمن لفرضها ولإسباغ صفة الشرعية الدولية عليها.
وهكذا تتحول أفكار فوكوياما إلى نبوءة جديدة تبشر بدينٍ أمريكي جديدٍ، والويل لمن لا يؤمن به أو يرتد عنه، إنها العولمة التي تخلى فيها الغرب وأمريكا عن مقولات الحياد والحرية والموضوعية وحقوق الإنسان، وانزلق إلى القالب الجبري الذي لا خيار لأحد في التمرد على قوانينه الحتمية الصارمة.
نبوءة فوكوياما هذه ليست أكثر صخبًا من حتمية ماركس التاريخية، والقائمون على تطبيقها وفرضها ليسوا أكثر بطشًا من ستالين ولينين وحكومات العنف الثوري المدججة بالسلاح والأيديولوجيا؟! ولكن التاريخ كتب نهايتها الحتمية قبل أن تفرض على الآدميين حتميتها التاريخية ونهاية تاريخ فوكوياما لا تتحدث إلا عن نهاية تاريخ الاستبداد الأمريكي البغيض، ولا تبشر إلا بالنتيجة الطبيعية لسياسات القهر وحضارة الاستعلاء المغايرة لحركة التاريخ وسننه التي كتبها الله على حضارات سادت، ثم بادت وعلى طغاة تكبروا ثم هووا في مزابل التاريخ غير مأسوف عليهم، لتبقى مسارات التاريخ ممهدة لقدوم الصالحين المصلحين الذين سيملئون الأرض عدلًا وقسطًا بعد أن ملاها الطغاة ظلمًا وجورًا.
ومن هنا قد نتفق مع فوكوياما في قرب نهاية التاريخ الاستكباري لتبدأ دورة تاريخ جديد وإنسان جديد في ظل حضارة جديدة تلتقي فيها مشيئة السماء بعطش الأرض لساعة الخلاص والانتظار والفرج القريب الحبيب، وإذا ما شهد القرن العشرون نهاية تاريخ الحتمية التاريخية في الشرق، فإن القرن الحادي والعشرين سيشهد -بإذن الله- نهاية تاريخ أرباب فوكوياما وكل خبراء السياسة الأمريكية والمبشرين بحضارتها المادية الهابطة الساقطة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل