العنوان ناصر رضوان.. والقوة ١٧
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1997
مشاهدات 73
نشر في العدد 1258
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 15-يوليو-1997
أصدرت محكمة عسكرية تابعة للسلطة الفلسطينية في غزة حكمًا يوم الخميس ٣ يوليو بإعدام ثلاثة من رجال الأمن التابعين للقوة ١٧ «الحرس الخاص لرئيس السلطة»، أحدهم ضابط برتبة مقدم بتهمة تعذيب وقتل مواطن فلسطيني كان معتقلًا لدى الجهاز، كما أصدرت المحكمة نفسها حكمًا بسجن ضابطين برتبة نقيب في القوة ١٧ أحدهما لخمس سنوات والآخر لستة أشهر.
وكان اثنان من أفراد القوة ۱۷ قد اعتقلا الشاب ناصر رضوان «۲۸عامًا» من منزله في غزة يوم ۲۳ يونيو واقتاداه إلى أحد سجون السلطة في المدينة، حيث أقدما مع أفراد آخرين من بينهم المقدم فتحي فريحات على ضربه ببنادقهم على رأسه حتى تهشمت جمجمته، ثم نقلوه إلى أحد المستشفيات وهو يعاني من نزيف في الدماغ، وأفادت المصادر الطبية بأن الشهيد ناصر وصل للمستشفى وهو في غيبوبة كاملة واعتبر ميتًا من الناحية الإكلينيكية وظل على حاله إلى أن توفي بعد أسبوع.
وحسب إفادة التقرير الطبي فإن سبب وفاة رضوان يعود لحدوث نزيف في الدماغ سببته إصابات بالغة في الرأس، كما أشار التقرير إلى وجود علامات تعذيب وضرب مبرح في أنحاء متفرقة من جسده، وشوهدت اثار كدمات رضية على الساعد الأيسر والساق اليمنى وآثار ربط بسلك على الساق اليسرى، وحسب التقرير كان الشهيد ملتحياً لكن لحيته مقصوصة وكذلك شعر رأسه!
والشهيد ناصر متزوج وأب لثلاثة أطفال وهو من أنصار حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وليس عضوًا فيها، ويدعي أحد المجرمين وهو الرقيب محمود زايد الذي شارك في القبض على الضحية وحكم عليه بالإعدام أن الضحية عاكس زوجته إلا أن المحكمة رأت تضاربًا في أقواله، ولم يصدر حتى الآن ما يشير إلى السبب الحقيقي من وراء اعتقال الشهيد ناصر.
وبالسؤال عن زوجة المتهم محمود زايد الذي يعمل مرافقًا للمقدم فريحات تبين أنها تعمل في كباريه زهرة المدائن (!) وهو أول ناد ليلي يفتح في غزة، كما أنه أحد إنجازات سلطة عرفات الفاسدة للترفيه عن ثوار فنادق تونس العائدين إلى غزة، وقد لوحظ بأن هناك قرارًا مبينًا من قيادة السلطة الفلسطينية بإصدار الحكم بتجريم المتهمين بهدف امتصاص الغضب الشعبي الذي نتج عن حادث مقتل ناصر رضوان، كما أن مسؤولي أمن السلطة شاركوا في تشييع جنازة الشهيد التي شارك فيها مئات المواطنين وأعداد من قوات الأمن والشرطة وذلك على ما يبدو لاحتواء الموقف، وقد هتف المشيعون الشبان بعدد من الصيحات منها «الانتقام.. الانتقام يا كتائب عددًا من كبار القسام»، و «يا عرفات ابعد عنا .. خذ كلابك وابعد عنا»!
وبعيدًا عن سبب اعتقال الضحية الذي تؤكد عائلته على تدينه واستقامته رحمه الله، فإن ما جرى يفوق ببشاعته كل تصور فتكالب هذا العدد من ضباط وأفراد أمن «الرئيس» على مواطن أعزل مقهور وممارسة شتى صنوف التعذيب عليه وتهشيم جمجمته جريمة تفوق فيها هؤلاء «الدخلاء» على محققي جهاز الشاباك اليهودي.
وكلما أتينا على ذكر ممارسات الأجهزة الأمنية في سلطة الحكم الذاتي وعددها عشرة أجهزة بالتمام والكمال لا بد من التأكيد على أن اتفاقات أوسلو التي جاءت بعرفات وجماعته إلى غزة ليس لها إلا وجه واحد وهو الوجه الأمني فمفاوضو منظمة التحرير الفلسطينية في أوسلو لم يجدوا ورقة يقنعون بها رابين بأهليتهم لحكم ذاتي محدود في أجزاء من قطاع غزة والضفة الغربية إلا بزعمهم بأنهم أخبر من الجنود الإسرائيليين وأقدر على ترويض شعبهم وإخماد انتفاضته وسحق حماس من الوجود، وهكذا جاؤوا إلى غزة حاملين معهم عقليتهم العرفية وبنيتهم إثبات «حسن سلوكهم» للحكومة الإسرائيلية.
والحديث عن الجريمة التي أرتكبها بعض ضباط وأفراد القوة ١٧ الذين استأسدوا على مواطن أعزل في غزة مناسبة للعودة إلى الوراء قليلًا وإلى بيروت السبعينيات بالتحديد حين كانت تلك القوة متنفذة ومهيمنة على الشارعين الفلسطيني واللبناني هناك، كانت تلك القوة بقيادة أبو حسن سلامة، فتى عرفات المدلل وكان معروفًا عنه بأنه «بلاي بوي» أو «الولد اللعوب»، ويعرف ثوار الأمس أن ذلك «القائد»، دخل في مزاد علني في أحد أندية بيروت الليلية لنيل قبلة من ملكة جمال لبنان في ذلك الوقت والتي تزوجها بعد ذلك.
ويروي أحد الأصدقاء الذين أثق بصدقهم وكان فتحاويًا قبل أن يتوب إلى الله بأنه شاهد المدعو «رسمي الغول» الذي تولى قيادة القوة ١٧ بعد مقتل رئيسه ومعه بعض مرافقيه يطوفون على محلات بيروت لجمع «الخاوات» من أصحابها، ووصف كيف شاهد الجماعة يخرجون من أحد المحلات ضاحكين مقهقهين وخرج صاحب المحل على إثرهم فزعًا مرعوبًا، وقد اغتيل «الغول» في لبنان بعد قليل من خروج القوات الفلسطينية عام ١٩٨٢م.
وكان فساد هذه القوة وضلالها يزكم الأنوف، فعندما جاء بضع مئات من الإيرانيين بعد ثورة الخميني ليلتحقوا بالثورة الفلسطينية في لبنان وكانوا من المتدينين المتحمسين لتحرير القدس لم تجد قيادة المنظمة إلى القوة ١٧ ليكونوا في ضيافتها بدلًا من تحويلهم إلى قواعدها في الجنوب، والنتيجة أن مسؤولي هذه القوة "أكلوا" مخصصات الإيرانيين ورواتبهم التي كانت تدفعها لهم القيادة الفلسطينية باعتبارهم ثوارًا في صفوفها، كما تضايق الإيرانيون من أفراد القوة ۱۷ الذين كانوا يسبون الذات الإلهية والدين على مسمع منهم عند كل شاردة وواردة، ولم تنته المشكلة إلا بعد أن أرسلتهم قيادة فتح إلى قواعدها في الجنوب لبضعة أشهر قبل أن يقفلوا عائدين إلى بلدهم.
من تلك الطينة جاء قاتلوا ناصر رضوان رحمه الله، ومنذ دخول السلطة إلى مناطق الحكم الذاتي عام ١٩٩٤م قتل على أيدي رجالها أكثر من ٣٠ فلسطينيًا ۱۲ منهم قتلتهم الشرطة الفلسطينية على باب مسجد فلسطين في غزة بعد صلاة الجمعة في شهر نوفمبر عام ١٩٩٤م، وقتل في سجون السلطة تحت التعذيب ١٥ فلسطينيًا كان آخرهم ناصر رضوان رحمه الله وتقبله في الشهداء.
هذا عدا حوادث القتل التي لا تنشر أو الحوادث التي لا يُعرف مرتكبوها أحد السجناء ويدعى سامي عبدربه «٤٠ سنة» توفي في شهر فبراير الماضي وهو في أحد معتقلات مخابرات السلطة العامة، وكان عبدربه متهمًا بالعمالة لإسرائيل، لكن السلطة اتفقت مع عائلة القتيل على تسوية الأمر داخليًا بدفنه بصمت مقابل الإفراج عن مجموعة من عائلته المعتقلين والمتهمين أيضًا بالعمالة، ولذلك تتكتم عائلة عبدربه على الحادث.
وحتى لو صحت اتهامات السلطة للقتيل بالعمالة لإسرائيل لكان ينبغي محاكمته أمام محكمة نظامية لا قتله تحت التعذيب، فأهلية السلطة ناقصة خصوصًا في موضوع أتهام الآخرين بالعمالة لإسرائيل وكأنها بريئة من هذه التهمة!.