العنوان يرصد الأوضاع في مناطق الحكم الذاتي بعد اتفاقية أوسلو..تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية يشيد بأداء السلطة الفلسطينية في مواجهة القوى المعارضة
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995
مشاهدات 63
نشر في العدد 1158
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 18-يوليو-1995
- التقرير يكشف عن تشكيل لجنة صهيونية عرفاتية لتبادل الاستخبارات وتوسيع التعاون للتصدي لعمليات «حماس» و«الجهاد» ضد العدو.
- التقرير يؤكد إشادة الإدارة الأمريكية بمحاكم أمن الدولة الفلسطينية بحجة أنها تعمل في ظل القانون المدني.
أكد تقرير بعثت به وزارة الخارجية الأمريكية إلى الكونجرس الأمريكي في شهر يونيو حزيران الماضي، أن السلطة الفلسطينية تبذل جهودًا جادة لمنع الهجمات المسلحة التي تنفذها القوى الفلسطينية المجاهدة في الأراضي المحتلة، واستعرض التقرير- وهو الثاني منذ توقيع اتفاق أوسلو- أداء السلطة في مختلف الجوانب الأمنية للفترة من ديسمبر «كانون أول» ١٩٩٤م، وحتى يونيو حزيران، ۱۹۹۵م وتضمن تحريضًا واضحًا للسلطة ضد القوى الفلسطينية المعارضة وبشكل خاص حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وحركة الجهاد الإسلامي».
ويحمل التقرير حركة حماس مسئولية تنفيذ أكبر عدد من العمليات العسكرية المسلحة ضد الأهداف الإسرائيلية، ويشير إلى أنها استخدمت أساليب متقدمة للقيام بذلك، وأنها اعتمدت على أشخاص انتحاريين في تنفيذ معظم الهجمات القاتلة، وفي محاولة تحريض واضحة، يؤكد التقرير أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي تهدفان من وراء تنفيذ العمليات المسلحة إلى تقويض سلطة المنظمة والسلطة الفلسطينية ويشدد التقرير على أن اعتقال رئيس صحيفة الوطن، التي تصدرها حركة «حماس» في قطاع غزة «سيد أبو سامح»، والحكم عليه بالسجن مدة عامين، قد جاء على خلفية كتاباته المغرضة والتحريض والمساس بالأمن.
ويستعرض التقرير الإجراءات الرادعة التي اتخذتها السلطة الفلسطينية لمواجهة ما أسماه بأعمال العنف والإرهاب، ويصنفها في خمسة اتجاهات
الأول: إدانة العمليات المسلحة: وفي هذا المجال يشير التقرير إلى أن مسئولي السلطة حرصوا على استنكار وإدانة العمليات المسلحة لدى وقوعها، ويؤكد على أن الإدارة مستمرة في حث السيد عرفات على أن يدين بأشد التعابير وباللغة العربية، أي حادث عنف بغض النظر عن عدد القتلى والجرحى.
الثاني: الاعتقالات: حيث يستعرض التقرير حملات الاعتقالات التي شنتها السلطة الفلسطينية في صفوف المعارضة، ويشير إلى أن السلطة ترد بصورة روتينية على الحوادث أو المحاولات الإرهابية باعتقالات واسعة النطاق للمشتبه بهم.
الثالث: الأحكام القضائية: يشيد التقرير بأداء السلطة في هذا الجانب، ويؤكد أن التحقيقات والمقاضاة والأحكام التي أصدرتها محكمة أمن الدولة تبين جدية أكبر من جانب السلطة للاقتصاص من الإرهابيين، وعلى الرغم من إدانة مختلف المؤسسات القانونية ومنظمات حقوق الإنسان لتشكيل المحكمة وللأحكام القضائية الصادرة عنها والتي تفتقد الجميع معايير العدالة، فإن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية يدافع عن هذه المحكمة العرفية، ويشير إلى أنها تعمل في ظل القانون المدني وإنما يرأسها ضباط أمنيون المحاكمة الذين يشتبه في قيامهم بأعمال إرهابية، والغريب في الأمر أن الإدارة الأمريكية التي لا تستطيع محاكمة أي مواطن قبل استكمال جميع الإجراءات القانونية مهما كانت بشاعة الجريمة التي ارتكبها- كما حدث في أوكلاهوما على سبيل المثال- فإنها لا تجد بأسًا من الإشادة بمحاكمات تمت في جنح الليل وخلال ساعات معدودة دون استماع لشهود أو حضور محامي دفاع.
الرابع: قرار نزع الأسلحة: حيث يشير التقرير إلى قرار السلطة الفلسطينية في ١١/٥ بنزع الأسلحة ومعاقبة أي شخص يملك سلاحًا غير مرخص بعد انتهاء الفترة المحددة لتسليم الأسلحة، وشدد التقرير على أن نهجًا مستمرًا في هذا المجال سيكون مؤشرًا هامًّا آخر على تعهد السلطة الفلسطينية تجاه نهج جدي وهيكلي التعزيز الأمن.
الخامس: منع العمليات العسكرية قبل وقوعها: في هذا الجانب يؤكد التقرير أن السلطة الفلسطينية اتخذت عددًا من الخطوات المهمة للحؤول دون وقوع أعمال العنف ومعاقبة المسئولين، ويشير إلى تأكيدات رئيس أجهزة الأمن الفلسطينية في غزة «نصر يوسف» بأنه كلف بإعداد خطة عمل المكافحة الإرهاب، وإلى تصريحات وزير الشرطة الإسرائيلي «موشيه شاحال»، بأن الشرطة الفلسطينية أحبطت عددًا من الهجمات، وفي تقييمه لأداء السلطة في هذا المجال يتحدث التقرير عن أن لدى وزارة الخارجية الأمريكية أدلة على أن السلطة الفلسطينية تقوم بمجهود جاد لمنع الهجمات الإرهابية وتخصيص المزيد من الموارد لاستباق أعمال العنف، ويشير إلى أن عرفات قد أعلن بأنه ملتزم بإنهاء أعمال العنف التي تقوم بها حركتا حماس والجهاد الإسلامي ضد الإسرائيليين سواء شنت هذه الأعمال من الأراضي الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، في غزة، أو في الضفة الغربية.
ولكن على الرغم من إشادة التقرير بجهود السلطة الفلسطينية لمنع تنفيذ العمليات الجهادية ورغم تبرئته لعناصر منظمة التحرير من تنفيذ أية عمليات مسلحة ضد الأهداف الإسرائيلية، إلا أنه يؤكد أن إجراءات السلطة في هذا السياق ستبقى غير كافية ما لم تتوفر الضمانات على استمرارها وتحولها إلى سياسة ثابتة، حيث يؤكد التقرير «أن العنصر الأساسي لقيام سياسة أمنية فعالة هو استمراريتها وثباتها ويجب على السلطة أن تفعل المزيد.. لضمان أن تكون سياساتها منتظمة وجزءًا من هيكل قانوني». ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة تتوقع أن تواصل السلطة اتخاذ خطوات ملموسة لاستباق ومنع وقوع العمليات المسلحة، ويؤكد أن الإدارة الأمريكية ستواصل إلحاحها على السلطة كي تعتمد أسلوبًا منظمًا وقابلًا للاستمرار لمكافحة العنف والإرهاب، والقيام بصفة خاصة بتعزيز الخطوات التي اتخذت فعلًا لاستباق العنف والتحري عن المسئولين عن أعمال الإرهاب والعنف.
يؤكد التقرير في هذا الجانب إلى أن الشرطة الفلسطينية تتبادل معلومات استخبارية بصورة روتينية مع أجهزة الأمن الصهيونية، ويشير إلى أن عرفات وبيريز اتفقا في لقاء عقد يوم ٩/٣/١٩٩٥م عند نقطة الحدود بإيرز «على تشكيل لجنة أمنية مشتركة رفيعة المستوى لتبادل الاستخبارات ولتوسيع التعاون الذي يستهدف منع هجمات إرهابية».
كما يشير التقرير إلى بيان أصدره وزير البيئة الإسرائيلي يوسي سارين، نيابة عن رئيس الوزراء رابين أشاد فيه بمستوى التعاون الأمني المشترك مع السلطة الفلسطينية، كما يؤكد التقرير أن مسئولًا صهيونيًّا رفيع المستوى أبلغ المسئولين الأمريكيين في ١٩/ ٥ /١٩٩٥م، أن الشرطة الفلسطينية أنجزت الكثير في فترة قصيرة، بهذا المجال، ويقيم التقرير التعاون الاستخباري بين الشرطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية بأنه على مستوى «طيب».
التطبيع وإنهاء المقاطعة:
يستعرض التقرير في هذا المجال الجهود التي بذلت لإنهاء المقاطعة الاقتصادية المفروضة على الكيان الصهيوني، وبخاصة الاجتماع الذي عقد في طابا، وشاركت فيه مصر والأردن والكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية، ويشير التقرير إلى أن المجتمعين اتفقوا على اتخاذ كل التدابير الممكنة لإزالة آية عقبات تقف في سبيل تحرير وفتح أسواق المنطقة أمام التجارة والاستثمار، ويرى التقرير أن الجهود الرامية إلى دمج «إسرائيل» في المنطقة اقتصاديًّا مثل المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما كان لها أن تنجح لولا «العلاقة الجديدة بين إسرائيل والفلسطينيين».
ويخلص التقرير إلى أن الإدارة الأمريكية تعتقد أن عناصر وأفراد السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية الذين يعملون بإمرة عرفات يتقيدون بالتعهدات التي تم التعهد بها في سبتمبر أيلول ۱۹۹۳م، وتلك التي يتضمنها أو الناجمة عن تطبيق إعلان المبادئ بحسن نية ويؤكد التقرير أنه إذا بقيت التدابير مثل تلك التي تم اعتمادها في الفترة التي يشملها هذا التقرير، معمولًا بها فسيكون لها تأثير دائم على الأمن والاستقرار، وأن الحكومة الأمريكية ستواصل حض السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية على ضرورة الوفاء بكل تعهداتها، بما في ذلك تعديل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية بأسرع ما يمكن.
عرفات شخصية فعالة لا بديل لها:
وفي وثيقة داخلية أعدتها وزارة الخارجية الإسرائيلية أكدت أن السلطة الفلسطينية حققت نجاحًا معقولًا خلال السنة الأولى من عملها في مناطق الحكم الذاتي، وأن رئيس السلطة ياسر عرفات شخصية فعالة ومؤثرة لا بديل لها وتشير الوثيقة إلى أن عرفات يخشى بالذات من ازدیاد نفوذ حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، وأنه نجح في مواجهة المعارضة الداخلية له وبخاصة حركة «حماس».
وفي ندوة أقامها منتدى السياسة الإسرائيلي في واشنطن في ١٥/٦/١٩٩٥م، أهاب رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين بالكونجرس الأمريكي أن يدرك أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تعد خصمًا لإسرائيل بل شريكًا لها.
من جانب آخر وصف «نوعام شومسكي» وهو خبير أمريكي في العلاقات الدولية، إقدام ياسر عرفات على توقيع اتفاقية أوسلو بأنها «كانت آخر محاولة له لرد اعتباره كرئيس المنظمة لتحرير الفلسطينية»، وأضاف شومسكي في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة «الأهرام ويكلي» القاهرية، أن «اتفاقية أوسلو منحت الإسرائيليين حرية التصرف في كل شيء»، مؤكدًا أن طموحات الشعب الفلسطيني سوف تسحق بسبب هذه الاتفاقية.
وفي ضوء هذه التقارير والتصريحات الصادرة عن المؤسسات الرسمية والمسئولين الأمريكيين والصهاينة، لم يعد هنالك مجال للعجب والاستغراب من الممارسات والإجراءات التي تقدم عليها السلطة الفلسطينية غير عابئة برأي الشعب أو برد فعله على تصرفاتها، فما يطبق الآن هو تنفيذ حرفي دقيق وأمين لبنود الاتفاقات التي وقعتها القيادة الفلسطينية المتنفذة باختيارها ومحض إرادتها، وهي تدرك تمامًا استحقاقات تلك الاتفاقات وها هو الشعب الفلسطيني يتجرع النتائج المرة لتلك الاتفاقات الهزيلة والمجحفة التي تكفي أن بعض الأمريكيين المحايدين يرون أنها ستسحق آمال وطموحات الفلسطينيين.