; ميلوسوفيتش زعيم آخر من ورق | مجلة المجتمع

العنوان ميلوسوفيتش زعيم آخر من ورق

الكاتب محمد حمزة

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999

مشاهدات 61

نشر في العدد 1356

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 29-يونيو-1999

حين يهل علينا شهر يونيو، يحمل معه الهواء الساخن والذكرى الأكثر سخونة.. ذكرى نكسة يونيو عام ١٩٦٧م، كنا صغارًا حين خرجنا إلى الشوارع نصرخ بما يملى علينا من شعارات، ردًا على خطاب التنحي الشهير في التاسع والعاشر من يونيو ١٩٦٧م، ثم خرجنا إلى ميدان شبرا الخيمة الكبير -ميدان المؤسسة العمالية- لنشاهد الزعيم وهو يخطب عن إسرائيل والعدو والجرح والثأر.. ثم ماذا؟ لا شيء، فقد بقيت سيناء والجولان والضفة والقدس بيد الصهاينة، واحتفظ الزعيم بالسلطة -بناء على طلب الجماهير، وأبقى من خلفه ورثة الثورة، ليتنافسوا على انتزاع ملك مصر- الجمهورية. 

تذكرت ذلك كله وأنا أتابع استسلام ميلوسوفيتش المغامر الصغير، كان مديرًا في شركة التكنوجاز الصربية، ثم مديرًا لأحد البنوك في العاصمة، جعل من كوسوفا خياره السياسي وراهن على الصعود إلى سلم السلطة من خلالها، تمامًا كغيره من الزعماء في عالمنا الثالث، يتاجرون بأحلام البسطاء والباحثين عن الأمل والشعار والقدوة، ينقبون في تاريخ المساكين ليستخرجوا الأحلام الميتة فينفخون فيها ليحيلوها هياكل فتسحر أعين الناس فينخدعوا، راهن عبد الناصر العسكري على إزالة إسرائيل فهزمته إسرائيل عسكريًّا وانتهى مشروعه السياسي بخطاب ساخن من تلميذه -الكولونيل- معمر القذافي يعلن أن الناصرية ليست هي التجربة المثلى. 

حمل ميلوسوفيتش حلمه إلى عرافي الكنيسة.. أزاح الستار عن المجد الخفي فانبهر البطاركة.. ووجدوا في الشيوعي المناضل بغيتهم، لم يسألوا أنفسهم سؤالًا واحدًا: كيف أصبح الشيطان الشيوعي قديسًا أرثوذكسيًّا؟ كيف تأمنه «كنيسة المؤمنين»!! وهو الملحد الذي ينكر وجود الرب في علاه -سبحانه وتعالى- تمامًا كما لم يسأل أصحابنا عن المؤسسة التي ينتمي إليها مدعو الإصلاح في عالمنا الثالث ومن أين يأتي الإصلاح، بينما العقول التي تدير الصراع والتنمية هي هي لم يطرأ عليها تغيير أو تعديل أو إصلاح أو تطوير، وكيف يتأتى الإصلاح والدولة بلا مؤسسات ولا هياكل، يحملها رجل على كفيه، يقول بالليل والنهار أنا الدولة والشعب والناس...

جرت انتخابات عامة في شتاء ١٩٩٦م في يوغوسلافيا، وقام ميلوسوفيتش بإلغائها، ولم يعر اهتمامًا للمعارضة التي خرجت إلى الميادين العامة واحتملت برد ديسمبر ويناير القارص على ضفاف الدانوب.

جاء ميلوسوفيتش من السراب السياسي واستدرج القوميين وكهنة الكنيسة، وصدقه الشعب الصربي، جاء وبدلًا من أن يحافظ على مؤسسات الاتحاد الفيدرالي اليوغوسلافي، إذا به ينقضها واحدة تلو الأخرى، بدعوى التخلص من الماضي والاندفاع نحو المستقبل.. راهن على كوسوفا فخسرها وخسر صربيا والجبل الأسود.. وخسر حتى نفسه، لكن هل يعبأ الزعماء من هذا النوع بما يصيب بلادهم وأوطانهم وشعوبهم؟ والجواب الطبيعي هو كلمة «لا» كبيرة بكبر حجم المأساة وبطول مسلسل الهزائم التي نالها الزعيم الصربي على مدار أقل من عقد من الزمان. 

وثمة سؤال آخر عن المؤسسات التي تركها الزعيم الصربي وراءه- إن قدر له أن يترك المنصة والجواب.. لا شيء سوى مؤسسة عسكرية يمتلكها مجموعة من مساعديه الأوفياء ذوي الطموح اللامحدود في المال والسلطة معًا، هزموا في الحرب فامتدحهم بأنهم أعظم قادة الأمة الصربية وأوفى أبنائها!!

تمامًا كما يفعل الزعماء من هذه العينة، حزب واحد ومؤتمر واحد ورابطة واحدة، وشعب واحد وزعيم واحد ومصير واحد هو الهزيمة.

ماذا جنت الشعوب من الزعامات الوهمية سوی انخفاض في مستوى المعيشة وزيادة الديون ناهيك عن الهزائم؟

ماذا حصد الروس من سبعين عامًا، وماذا جنى المصريون من عبد الناصر سوى هزيمة يونيو وما أفضت إليه، وماذا يحصد الكوبيون من كاسترو سوى الهروب إلى مخيمات الفرز العنصري على حدود أمريكا، وما الذي جناه العراقيون من صدام والألبان من أنور خوجا، ولماذا انهارت البلاد أو سوف تنهار بعد رحيلهم؟ لأنهم ببساطة صعدوا فوق المؤسسات وارتفعوا فوق رؤوس البشر وعلى جثثهم. فإذا ما جاءت الساعة أصبحوا هم أيضًا رفاتًا وجماجم لغيرهم يصعدون عليها. 

لماذا لم تطلق ألمانيا على هيلموت كول لقب الزعيم وهو الذي وحد الألمانيتين دون قطرة دم، ومع ذلك، قال له الألمان: شكرًا، ولم يعيدوا انتخابه ولماذا لم يعد البولنديون انتخاب ليخ فاليسا، وهو الذي حررهم من ذل الشيوعية، ولماذا لم يعد الأمريكان انتخاب بوش، وهو الذي خاض أكبر حرب في التاريخ العسكري؟ 

السبب باختصار أن الزعامة الحقيقية هي نتاج مؤسسات أساسها الشعب، وهو الحكم، وهو المرجع، إن أحسنت أبقاها، وإن أساءت عزلها وليس صحيحًا أن الزعماء القادمين من سراب الأحلام وفي غيبة الوعي العام، يصنعون مؤسسات، وأنى لهم ذلك وكل مؤهلاتهم الحياتية والعلمية لا تتجاوز مؤهلات طالب في أكاديمية أو باحث مبتدئ.

كيف يرضى الصرب بأن يقودهم طموح ميلوسوفيتش وعصابة الخمسة إلى التطور وما زال يفكر بعضلاته لا بعقله.

إلى الباحثين عن الزعامة والزعماء والمتشوقين إلى رجل يعيد إلى العالم الثالث مجده: لا تنتظروه على أطلال ما تركه الآخرون.. وإلا فسوف يطول الانتظار.. إن أردتم زعيمًا فاختاروه بأنفسكم بمؤسساتكم، وليس بالأحلام.. وحتى إن جاءكم زعيم من الأحلام فارفضوه.. أنه شبح آخر.. مثل الأشباح السابقة.

حين اقترب حبل المشنقة من رقبة ميلوسوفيتش.. ترك الصرب في كوسوفا، ليلقوا جزاء ما فعلت يداه.. ضحى بالشعب والوطن- والقضية.. من أجل أن ينجو، فهل بعد ذلك من دليل على أنه زعيم من ورق؟

الرابط المختصر :