; مونديال فرنسا.. ولاعبون خارج الملاعب | مجلة المجتمع

العنوان مونديال فرنسا.. ولاعبون خارج الملاعب

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1998

مشاهدات 65

نشر في العدد 1308

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 14-يوليو-1998

مونديال فرنسا كسابقاته ولاحقاته.. من مهرجانات الرياضة العالمية، يمثل حربًا كروية كونية بآلیات حضارية، يفترض فيها أن تستبعد العدوان والكراهية والكيد البغيض، ولكن عاصمة النور «؟!» أبت إلا أن تسدد ضربة حقد، من خارج منطقة الجزاء، لتهز شباك العالم الإسلامي في هدف تحريضي مقصود، حينما بادرت، بالتعاون مع شريكاتها الأوروبيات إلى مداهمة بعض الإسلاميين المقيمين في أوروبا، قبل بدء المسابقات واعتقال العشرات منهم، دونما ذنب أو جريرة، اللهم إلا ما يحملونه من أفكار وقيم حضارية سامية.

وقد تناست فرنسا لوائح حقوق الإنسان التي دونتها، لتنص على أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، فصادرت حريات أناس لم يقترفوا جرمًا ولم يرتكبوا إثمًا ليعرضوا بإجراءاتهم الاحترازية هذه، حرمة الإسلام والحضارة الإسلامية ومشاعر المسلمين لخطر التشهير الإعلامي المكثف، من خلال حملة تضبيب وتعتيم ظالمة شرسة امتلأت بالهمز واللمز لحضارة السماء السمحة، من خلال إقحامها الصفيق للإسلام والإسلاميين في أسواق الإعلان المجاني، وإظهارهم بمظهر الإرهابيين الذين لابد للعالم من التظاهر لضبط إيقاعات حركتهم، قبل أن ينفذوا مؤامرة نسف ملاعب الكرة، وتعكير صفو الروح الرياضية المتسامية فيها، مما حفر في أذهان الملايين من عشاق كرة القدم والمهتمين بها، أعمق أخاديد الحقد والشنآن، إزاء الإسلام وكأنه حضارة عدوانية، والمسلمين باعتبارهم مخلوقات معادية للحضارة والبراءة والتنافس الرياضي الشريف، من خلال سعيهم لنسف لذة الاستمتاع بالكرة وملاعبها، ويأتي التوقيت الخبيث لمثل هذا الإعلان المجاني المدروس متزامنًا مع التعبئة الإعلامية التي تشبعت بها أفكار الملايين من عشاق كرة القدم، لإقناعهم بأن الإسلام عدو للهو البري، وأن الإسلاميين أعداء لما يعشقون ويؤدون.

استقلال سيء

بهذه الصورة السيئة للاستغلال البشع افتتحت المسابقات النهائية لكأس العالم قبل افتتاحها، وما على المسلمين إلا أن ينفوا هذه التهمة، إن كانوا على نفيها قادرين، وإلا فستظل عالقة في ذاكرة أهل الأرض من ضحايا الإعلام المضلل، ومن لم يصدق فليبرهن على بطلان هذا الافتراض المغرض الصفيق.

وإذا كانت الرياضة وسيلة ترفيه سليمة وتسلية بريئة، بالنسبة لمشاهديها فإنها لدى القائمين عليها والمخططين لها خلف أسوار الملاعب تعني سوقًا لصفقات تجارية كبرى، وتسويقًا لأغراض سياسية مبرمجة، وتبشيرًا بقيم الغرب وحضارته المادية الهابطة، ومهما قيل إن مثل هذه المسابقات الدولية من شأنها إيجاد تنافس حضاري شفاف ولقاءات إنسانية سليمة فإن نصيب عالمنا الإسلامي، من هذه الأعراس الرياضية والمسابقات الحضارية لم يكن نصيبًا موفورًا، إذ سرعان ما يتخلى الغرب عن مقولاته، ويتعامل معنا بعقد تاريخية ونظرات أيديولوجية، وأحكام مسبقة لا يمكن لأوفرهم حظًّا من الثقافة أن يفلت من قبضة كماشتها الحديدية، بحيث يضن هؤلاء على أن يترشح مسلم واحد- ولو كان متغربًا- للاتحاد الدولي لكرة القدم الذي تداول فيه الرئاسة ثمانية رؤساء خلال ما يزيد على قرن من الزمان، أي منذ تأسيس «الفيفا» عام ١٩٠٤م وإلى الآن، بل أكثر من ذلك، فإن الغربيين يستكثرون على أي من بلدان العالم الإسلامي أن يستضيف دورة واحدة فقط لنهائيات كأس العالم حتى ولو كان ذلك البلد قريبًا من الغرب- كالمغرب- وقد رأينا كيف تعاضدت جهود منظمات وتظاهرت شخصيات كروية أوروبية وأمريكية كثيرة عام ١٩٨٨م لمنع استضافة المغرب للدورة الحالية لنهائيات كأس العالم بالرغم من كل الجهود التي بذلتها المغرب والدول العربية والإفريقية، وانتهى الأمر باختيار فرنسا لهذه المهمة وكأن المسلمين غير مؤهلين لاستضافة فرسان هذه الرياضة وليسوا جديرين بشرف «!!» حماية مشاهديها ولا يستحقون مشاركة الآخرين في جني بعض أرباحها التي بلغ إجماليها «حسب مصادر مطلعة» مئتي مليار دولار تضمنت فواتير الأعمال الدعائية التي تنظمها وسائل الإعلام العديدة للترويج لمختلف المناحي الاقتصادية والصناعية، وهو رقم هائل لو قدر له أن يوظف- وبأيد أمينة- في خدمة العلم والإنسان ومكافحة الجهل والفقر والمرض، لحقق معدلات مثيرة في نمو الخدمات لملايين المعذبين في الأرض.

الذي يثير الاستغراب في أجواء الرياضة الصاخبة هو ما يتقاضاه لاعب برازيلي «دي نلسون» من أجور تصل إلى أربعة وثلاثين مليون دولار سنويًّا تكريمًا لعضلات رجليه، بينما يحاصر العديد من العلماء ويضيق أفق التفكير على عقولهم الملهمة، ولنتصور كم هو عدد المشاريع العلمية التي يمكن لهذه الملايين الأربعة والثلاثين أن تنميها وتطورها فيما لو وظفه لصالحها.

هذه هي إفرازات حضارة القوة والإعلام، وإلا ففي أي معيار يصبح الجهد العضلي قيمة عليا فيما تتضاءل قيمة الجهد العلمي ليعيش أصحابه حد الكفاف إن لم تلاحقهم جحافل الأمن وجيوش المخابرات ويحصي عليهم العيون والجواسيس الأنفاس.

وإذا كانت هذه هي ملاحظاتنا على إفرازات المادية الغربية وترشحاتها، فمن حق أنفسنا وأمتنا علينا أن نصارحها بالقول: إن النهضة الشاملة التي عاشتها أوروبا قد انعكست آثارها ومعطياتها على كل مناحي الحياة، فهي تألق صناعي كما هي ارتقاء علمي وسمو فني وتطور أدبي وقفزة في دنيا الاقتصاد والتنظيم والمعلومات، كما هي في عالم الرياضة وكل أوجه النشاط الإنساني الممنهج، فيما تعيش أمتنا حالة التخلف والإحباط والتردي التي تكتنف حياتها وتلقي عليها بظلال كئيبة بائسة لا يسلم منها حيز أو صعيد، والرياضة عندنا واحدة من تلك المناحي والفعاليات والأنشطة التي تمظهر فيها التخلف بشكل ملحوظ، فاللعب لدينا- في أحسن أحواله- موهبة فطرية لم تصقلها أصابع التجربة والعلم، ولم تمسها يد التنظيم والإبداع كما لم تذب تشكيلات العمل الجماعي فيها الحالة الفردية ذات المنحى الأناني الضيق، حيث يلعب رياضينا لنفسه فقط دون سواه، ليظل التشنج والانفعال والفردية والغضب منهجًا يلف المشاهد واللاعب، على حد سواء، وليصبح التخلف عندنا منهج حياة يشمل كل مساراتها، فيما تنتظم حياة غيرنا فتصبح علمية في الخطة والتنظيم والأداء، حضارية في الآلية والتعاطي والإبداع. 

وبينما نشغل أنفسنا في رياضة نحن آخر المتسابقين في ملاعبها، نغض الطرف عن كوننا قد رضينا لأنفسنا أن نكون من أبناء العالم الثالث، إن لم يكن الرابع والخامس.. «والعالم الثالث» هو اللفظة المهذبة للعالم المتخلف.. ترى هل يثير فينا التخلف في ملاعب اللهو الرياضي الغيرة لمحو آثار التخلف في ميادين الجد العملي؟ هذا ما يحتاج إلى تفكير وهمة وعمل.. فهل نحن عاملون؟.◘

(*)أستاذ جامعي - طهران

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4425

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

157

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان