العنوان التنسيق والتعاون مع القوى الأجنبية لمحاصرة الصحوة الإسلامية
الكاتب توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1995
مشاهدات 81
نشر في العدد 1140
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 28-فبراير-1995
·
بعض
الوطنيين استدرجوا إلى سياسة معادية للإسلام رسمتها القوى الصهيونية والاستعمارية
وهم يجهلون أهدافها
·
حلف
الأطلنطي يعلن على لسان أمينه العام أن ضرب الحركة الإسلامية صار هدفه الأول بعد
انهيار الشيوعية
إن معاداة الصهيونية وحلفائها للصحوة
الإسلامية أصبحت دلائلها تتزايد كل يوم، حتى أصبح ذلك سياسة ثابتة معلنة لبعض
الدول بل والمجموعات الدولية، وإنني وكثيرين غيري يعتبرون التواطؤ مع هذه القوى
الأجنبية ضد الصحوة الإسلامية -أيًا كانت التسمية التي يطلقونها عليها للتمويه-
تحديًا للإسلام وهجومًا عليه وخيانة لأمته وشعوبه لا نجد عذرًا ولا مبررًا بعد
اليوم.
لقد أشرت مرارًا إلى أن بعض الوطنيين سواء
كانوا في السلطة أو في مجالات الإعلام أو الثقافة أو الفن قد استدرجوا إلى سياسة
معادية للإسلام ذاته، جاهلين الأهداف البعيدة للقوى الأجنبية التي رسمت هذه
السياسة، لكن الوقت قد حان لكي يقتنعوا بضرورة تغيير هذا الاتجاه الضار والخطير،
لأنه أصبح الهدف الأول للسياسة الصهيونية والاستعمارية.
سأواصل التنبيه إلى الخطأ آملًا أن يقتنع
البعض بخطئهم ويغيروا سياستهم.
لقد أشرت في ختام مقال من مذكراتي التي تنشر
في «المجتمع» وهو رقم (38) إلى أنني أعتقد أنه في عام 1954م بالذات بدأت تظهر لدي
دلائل على التنسيق بل والتعاون بين المخابرات المصرية والفرنسية.
ضرب الحركة الإسلامية هدف أجهزة
الاستخبارات
وقلت إنه كان هناك أمران [أعتبرهما] هدفًا
مشتركًا لهذا التعاون:
أول هذين الهدفين:
هو تطويق التيار الإسلامي والحركة الإسلامية المعاصرة ومحاصرتها والقضاء عليها
سواء داخل مصر أو خارجها، والقضاء على جماعة الإخوان المسلمين بالذات، لمنع
امتدادها إلى الأقطار الإفريقية؛ لأن هذا الامتداد يعرقل سياسة كل من الطرفين.
والثاني:
هو تمزيق الأحزاب الوطنية الأصيلة في الجزائر والمغرب وتونس، لإزاحتها من الطريق،
وذلك لفتح الطريق أمام التيارات المستوردة مثل الاشتراكية أو الفرانكفونية.. أو ما
يسمونه الآن «شرق أوسطية» التي تعني الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية.
واليوم اطلعت على كتاب ألفه السفير السابق
فتحي الديب الذي نشر فيه الوثائق التي تؤيد وجهة نظره في تأييد مصر ودعمها للثورة
الجزائرية، وعنوانه «عبدالناصر والثورة الجزائرية» يحاول أن ينسب أبوة الثورة
الجزائرية للرئيس عبدالناصر -ولنفسه تبعًا لذلك- متجاهلًا تاريخ حركات الكفاح
الوطني والمقاومة الجزائرية طوال عصور الاحتلال الفرنسي، ودعم مصر والجامعة
العربية لهذا الكفاح منذ بدايته، قبل ثورة يوليو بزمن طويل.
وليس هنا مجال لتقويم المؤلف ولا نقده، لأن
ذلك يحتاج لوقت أطول، وإنما أكتفي بما ورد فيه مما يؤيد الفكرة التي ما زلت أؤمن
بها، وهي اتجاه بعض الحكام الوطنيين للتعاون مع القوى الأجنبية المعادية للإسلام
في خططها الإستراتيجية لمحاصرة الحركات الإسلامية والقضاء على الصحوة الشعبية
المؤيدة لها -واندفاع من يرفعون شعارات الثورية في هذا الاتجاه لمصالح ذاتية وقتية
أو بحجة ترويجهم لمذاهب مستوردة كالاشتراكية أو الحداثة أو الشرق أوسطية التي تنكر
الأصالة الإسلامية وتعتبر الإسلام عقبة في سبيل إغراق شعبنا في مستنقعات التبعية للقوى
الأجنبية.
جهل المتعاونين مع القوى الأجنبية
بأهدافها
يؤلمني أن كثيرًا منهم يجهل أو يتجاهل أهداف
القوى الأجنبية التي يتعاونون معها، ولا يهتمون بالبحث فيما إذا كانت تتعارض مع
مصالح شعوبنا وحريتها -وقد يكونون معذورين في بادئ الأمر- لكنهم بعد ذلك عندما
يظهر ذلك واضحًا يجب ألا يواصلوا هذا العدوان على الحركات الإسلامية، وألا يقاوموا
الصحوة الشعبية التي تؤيدها، وألا يجعلوها سياسة ثابتة لأهداف حزبية وأنانية قصيرة
النظر، إننا نذكرهم بأن العدو الأجنبي هو الذي يجني ثمارها وحده، ويستغل نتائجها
على المدى الطويل بعد زوال نظمهم الاستبدادية أو تغير أسمائها وعناوينها وقياداتها.
إن التواطؤ بين مغتصبي السلطة في بلادنا
والقوى الأجنبية التي لها أهداف استعمارية أو توسعية تدفعها لمعاداة التيار
الإسلامي، هذا التواطؤ والتعاون بل التحالف بين الطرفين ينمو ويزداد ظهورًا ويصبح
سياسة مرسومة معلنة تفرضها الصهيونية وحلفاؤها على كثير من النظم الحاكمة في بعض
الأقطار العربية والإسلامية، حتى سمعنا حلف الأطلنطي يعلن أنها الهدف الأول
لسياسته، ولا شك أنه يصمم على جر بعض حكامنا للسير فيها، بل إن بعض الحكام
وأعوانهم ومستشاريهم يسبقه إلى ذلك، حتى نرى منهم من ينتقد ساسة الدول الكبرى على
تأخيرهم أو ترددهم في اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه، وفي نظرهم أن أهم هذه
الخطوات في تقديم المساعدات المالية والسياسية والعسكرية لتثبيت أقدامهم في مقاعد
السلطة مقابل عملهم على مقاومة المد الإسلامي على المستوى الشعبي.. لكن هذه
المساعدات لا تعطى إلا بالقدر اللازم لبقائهم في السلطة، إلى أن يجد الحليف
الأجنبي بديلًا أطوع لتوجيهاته، وإني أذكرهم بأن هذا البحث يجرى دائمًا ومتى وجدوا
من هو أقدر منهم على تنفيذ خططه فإنهم هم الذين سوف يقضون عليهم.
إذا كان كتاب السفير فتحي الديب موضوعه
المساعدات التي قدمها هو لزعماء الثورة الجزائرية بأمر وتوجيه من عبدالناصر شخصيًا
باعتباره المسؤول عن نشاط الحركة المصرية الناصرية في الشؤون العربية والجزائرية
بصفة خاصة، فإنه ما كان يصح له أن يتجاهل تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، ولا
تاريخ علاقات مصر والجامعة العربية بها قبل وصوله هو إلى الساحة في عام 1954م.
إنه يقتصر في مصادره على الوثائق المكتبية
التي كان يحتفظ بها في مكتبه أو في ذاكرته -وكلها خاصة بعلاقته وعلاقة المخابرات
الناصرية مع جبهة التحرير الوطني- رغم ذلك فإننا نجد فيها بعض النقاط التي تؤيد ما
ذكرناه من وجود تنسيق مع المخابرات الأجنبية والفرنسية بصفة خاصة، وذلك لتحقيق هدف
واحد هو محاصرة الفكر والتيار الإسلامي عامة والإخوان المسلمين خاصة -باعتبار ذلك
هدفًا مشتركًا للطرفين- وإن كان كل منهم له مصلحة تختلف عن مصالح الطرف الآخر، والفرق
هو أن مصالح النظام المصري كانت حزبية وقتية، أما الطرف الآخر فإن أهدافه إستراتيجية
بعيدة المدى، وما زالت باقية حتى الآن بل إنها تتطور وتنمو وتزداد.
أدلة التنسيق مع المخابرات
الأجنبية ضد الحركة الإسلامية
في الصفحة (72) يشير تحت رقم (5) أنه «عرض على
الرئيس عبدالناصر النقاط التي اتفق عليها مع صالح بن يوسف.. وقد طلب منه عبدالناصر
تسليم مذكرة بها إلى علي صبري ليتفاهم مع السفير الأمريكي لممارسة ضغط أمريكي على
فرنسا لقبولها (وكانت العلاقات مع أمريكا في ذلك الوقت في أوج قوتها). هذا هو ما
قاله في يوم 8/ 1/ 1955م، ولم يكن قد مضى على بدء الثورة المسلحة الجزائرية إلا
شهران فقط.
هذا يؤكد أن التنسيق الذي سارت فيه الحكومة
الناصرية كان يشمل أمريكا.. أو بالأصح المخابرات الأمريكية، في بداية الثورة
المسلحة في نوفمبر عام 1955م.
في الصفحة (73) يشير إلى اجتماعه مع عبدالخالق
حسونة -الأمين العام للجامعة العربية- ومساعده عبدالمنعم مصطفى لتنسيق العمل معهما
في شؤون شمال إفريقيا كتعليمات الرئيس عبدالناصر وزكريا محيي الدين، وكان هو يمثل
المخابرات والحكومة الناصرية لدى الأمانة العامة للجامعة -ويذكر أن الاجتماع شمل
عدة بنود نجد منها البند رقم (11) الذي عبر عنه بما يلي:
الاستمرار في بذل الجهد لتكوين اللجنة الممثلة
لجبهة التحرير، لتضم كافة الأحزاب والهيئات على أن يمارسوا من جانبهم الضغط عن
طريق الحد من المعونة المالية (المقصود هنا المنح التي كانت] تعطى للطلاب
المبعوثين بواسطة جمعية علماء الجزائر وبعض العاملين في مكتب المغرب العربي).
وهذا ما يؤكد ما أشرت إليه من أن إقالة عبدالرحمن
عزام وتعيين حسونة كان الهدف منه جعل الأمانة العامة جهازًا تنفيذيًا لسياسة
المخابرات الناصرية، فيما يتعلق بصرف المعونات للأحزاب والهيئات والمنح للطلاب
المبعوثين للأزهر الشريف.
كما يؤكد ما أشرت إليه في مقال سابق من أن
حسونة قد اتخذ قرارًا بقطع المعونة عن جميع العاملين في مكتب المغرب العربي، وأنه
ذكر لنا عندما قابلته مع الدكتور محمد صلاح الدين، أن هذا القرار لم يكن عنده،
وأنه منفذ فقط لأوامر جهات أخرى، فهمنا أنها تمثل مجلس قيادة الثورة.
والآن يذكر لنا فتحي الديب أن من أول مطالبهم
في هذا اللقاء بتاريخ 12/ 1/ 1955م هو «الاستمرار» في سياسة الضغط التي بدأت قبل
ذلك.
البند الرابع في هذا الاجتماع ص (75) يشير إلى
«طلبهم من الجامعة العربية ما أسماه» رفع وصاية الشيخ البشير الإبراهيمي «رئيس
جمعية العلماء الجزائريين» عن الطلبة الجزائريين -والتنسيق معنا -أي مع المخابرات
المصرية- في مجال الإنفاق على الطلبة الجزائريين للحد من ضغوط البشير ومساعده
الفضيل الورتلاني (المشكوك في اتجاهه).
ولم يتفضل المؤلف ببيان سبب الشك في اتجاهات
الشيخ الفضيل «واعتقادي أن المقصود علاقته بالإخوان المسلمين».
أما الشيخ البشير فلم يذكر سببًا لرغبتهم أو
رغبة حلفائهم الأوروبيين والأمريكيين في إبعاده عن الطلبة الجزائريين، مع أن جمعية
العلماء كانت المؤسسة الثقافية والتعليمية التي علمت هؤلاء الطلاب في مدارسها
بالجزائر، ورشحتهم للدراسة في الأزهر وساعدتهم وما زالت ترعاهم لأنهم تلاميذها،
وتحرص على تغذيتهم بالثقافة والفكر الإسلامي.
معنى ذلك في نظري أن الحصار لم يكن خاصًا
بالإخوان المسلمين بل إنه عام يشمل جميع الإسلاميين سواء كانوا يعملون في مجال
السياسة أو في مجال التعليم والثقافة.. مثل جمعية العلماء الجزائريين والشيخ
البشير الإبراهيمي.
في نفس الصفحة (75) تحت عنوان «مساعينا لتوحيد
جبهة الهيئات والأحزاب الجزائرية»، يشير إلى الاجتماع الأول مساء يوم 19/ 1/ 1955م
بمنزله وهدفه كما قال: «إتمام توحيد الهيئات الجزائرية، وانتهى بلا أية نتيجة،
والسبب كما قال هو «إصرار الشيخ البشير على حضور مساعده الفضيل الورتلاني غير
الموثوق به (!)، والشاذلي مكي ممثل مصالي حاج»، فلا يقتصر هدفهم على عزل الطلبة عن
الشيخ البشير الإبراهيمي، بل أيضًا عزل الشيخ عن الفضيل الورتلاني وعن مصالي حاج
أيضًا.
كما يشير في ص (76) إلى الاجتماع الثاني لنفس
الغرض يوم 22/ 1/ 1955م، واستمر أربع ساعات دون الوصول إلى نتيجة؛ «لإصرار الشيخ
البشير على ممارسة حقه في الإشراف على الطلاب الجزائريين وهو ما لم نقبله»، إن
المخابرات المصرية ترى أن تشرف هي على طلاب الأزهر بدلًا من جمعية العلماء ورئيسها
الشيخ البشير الإبراهيمي.
معنى ذلك أن من أول أهداف المخابرات المصرية
كان إبعاد الإسلاميين عن الإشراف على الطلاب الذين علموهم ورشحوهم للبعثات وما
[زالوا] يرعون شؤونهم، وأن استبعاد الشيخ الفضيل كان هدفه محاصرة الشيخ البشير حتى
يقبل التخلي عن الإشراف على الطلاب، وأن يمتنع عن تزويدهم بالفكر والثقافة
الإسلامية -ويتركهم فريسة للدعاية الاشتراكية للناصرية.
والغريب أنه في نفس الصفحة أشار إلى اجتماع
مساء يوم 17/ 2/ 1955م، (أي قبل ذلك بيومين فقط) اتفق فيه الجميع على توقيع ميثاق
جبهة تحرير الجزائر -وذكر في أول قائمة الحاضرين والموقعين الشيخ محمد البشير
الإبراهيمي -رئيس جمعية العلماء الجزائريين-، والثاني الفضيل الورتلاني -عضو جمعية
العلماء الجزائريين، ويلي ذلك أسماء ممثلي الأحزاب والهيئات الأخرى، وهذا يؤكد
إصرار الجميع على ثقتهم برئيس جمعية العلماء وممثله الشيخ الفضيل، ودليل آخر على
ما يكنه جميع الموقعين على الميثاق من احترام وتقدير لجمعية العلماء وأعضائها،
ورغم ذلك تستمر محاولات المخابرات لإقصائهم أو وضع حد لنفوذ الجمعية في توجيه
الطلاب والشباب.
إقصاء جمعية علماء الجزائر هدف
المخابرات الناصرية والأجنبية
رغم هذا الإجماع الجزائري والمغاربي على تأييد
الشيخ البشير يوم 17/ 2 فإن المخابرات المصرية بدأت بعد ذلك بيومين فقط تنفيذ
سياستها الذاتية لإقصاء الشيخ الفضيل أولًا ثم حرمان الشيخ الإبراهيمي من الإشراف
على الطلاب.. أي إنها كانت تسير في خطة مزدوجة وفي خطين مختلفين تمامًا لابد من
الإشارة لهما:
فالسياسة الإعلامية:
تهدف إلى إظهار انضمام جميع الهيئات وتأييدها لجبهة التحرير من أجل تشجيع الشعب
كله للمشاركة في الجهاد الإسلامي، ولذلك كان أول قائمة الموقعين على ميثاق جبهة
التحرير هو الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ الفضيل الورتلاني، وذلك في يوم 17/ 1/
1955م.
أما السياسة الفعلية:
للمخابرات المصرية فهي تهدف إلى إقصاء الفكر والتيار الإسلامي كله عن ساحة
المقاومة حتى تكون قيادة العمل العسكري لمن ترضى عنهم المخابرات المصرية، وهذه
السياسة هي التي نفذوها في يومي 19، 20 /1/ 1955م.
إن هذا يؤكد ما قلناه من أن محاصرة الإخوان
والفكر والتيار الإسلامي كانت هدفًا مشتركًا لجميع أجهزة المخابرات المصرية
والأجنبية.
وأرجو من القارئ أن يستعرض شريط الأحداث منذ
ذلك التاريخ إلى اليوم -ليرى أن الهدف الإستراتيجي الأجنبي ما زال قائمًا- وأن
التنسيق والتعاون بين أجهزة المخابرات لتحقيقه لم يتأثر بما يحدث في بلادنا
ومنطقتنا بين الدول من خصومات ومنازعات أو حتى انقلابات في المستوى السياسي -لأن
سياسة أجهزة المخابرات لا تتبع السياسة المعلنة للدول دائمًا- بل لها خططها
وأساليبها، التي تسير فيها وتواصلها في أغلب الأحيان حسب تكوين الأفراد العاملين
بها واتجاهاتهم بل ومصالحهم الشخصية، ولو أدى ذلك إلى الإيقاع بين الدول أو إثارة
الحروب والمنازعات بينها، بل وتدبير الانقلابات.
إنني أود هنا أن أذكر القارئ بأن أجهزة
المخابرات عمومًا أو بعض عناصرها على الأقل لا تلتزم في عملها بالقيم أو الأخلاق
-ولا تستطيع أن تستبعد من نشاطها العملاء المزدوجين الذين يعملون لحساب عدة جهات
في وقت واحد كلما كان ذلك ممكنًا، ثم إن الأجهزة ذاتها عندما تتعاون مع غيرها من
أجل هدف معين لا مانع لديها من أن تبيع بعض المعلومات (التي حصلت عليها ممن
يتعاونون معها) إلى جهة ثالثة ضمن صفقة مخابراتية تحصل بها على ما تحتاج إليه في
عملها، وأنا أعتقد أن الجنرال محمد أوفقير في المغرب كان من أشهر أصحاب العمالة
المزدوجة وبرع في ذلك -كما سأوضحه فيما بعد ضمن مذكراتي التي تنشر على صفحات
«المجتمع»- حتى إنه استطاع أن يحصل من بعض عناصر المخابرات الفرنسية على مساعدته
في اختطاف ابن بركة وهو في باريس تحت رعاية الجنرال ديجول وحمايته، مقابل مساعدته
لهم في اختطاف الزعماء الجزائريين الستة الذي كان يمكن أن يؤدي إلى اغتيالهم لولا
ظروف سياسية عليا أوقفت ذلك، ولا نستبعد تواطؤ [بعض] عناصر المخابرات المصرية في
ذلك الوقت في أي من هاتين العمليتين أو في operation اغتيال صالح [بن] يوسف، ولو كانت مساهمتها محدودة، مثل إبلاغ بعض
الجهات بموعد السفر وخط السير ومحل الإقامة، وهو أمر مهم في عملية اغتيال صالح
[بن] يوسف، واغتيال ابن بركة، وسوف أشير إلى ملاحظاتي في هذا الصدد عند الكلام عن
محاولة لاختطافي في «بيروت» عام 1965م، والذي سوف أتعرض له بالتفصيل فيما بعد.
إنني لا أستبعد أن يكون بعض عملاء المخابرات
المصرية من [نوع] من يعملون لجهتين أو عدة جهات في نفس الوقت، وأن تكون مهمتهم
الأولى هي مواصلة الإيقاع بين الحكومة الناصرية والإخوان والإسلاميين عمومًا، وذلك
بتقديم معلومات كاذبة أو صحيحة تزودهم بها مخابرات «إسرائيل» أو فرنسا أو أمريكا،
ويتم التنسيق بهذه الوسيلة بطريق غير مباشر دون علم المسؤولين في الدولة، على
الأقل في بادئ الأمر، كما أنني أشير إلى أن بعض كبار الموظفين أو المسؤولين في
الدولة مثل عبدالرحمن عمار يؤدون خدمة كبرى للمخابرات الأجنبية بتوريط الحكومة في
سياسة لصالح القوى الأجنبية، لكنها تكون في نظر بعض الحكام أو الزعماء أو الرؤساء
أو الوزراء في صورة سياسية داخلية بحتة، أو منافسة، أو مشكلة حزبية، أو حتى شخصية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل