العنوان موضوع الغلاف - التيارات الفكرية والسياسية والعقائدية في الكيان الصهيوني
الكاتب سمير شطارة
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1999
مشاهدات 70
نشر في العدد 1349
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 11-مايو-1999
كثيرة هي الأحزاب والقوائم في إسرائيل، فهناك الأحزاب الصهيونية العلمانية، وهناك الأحزاب الصهيونية الدينية، وهناك الأحزاب الحريدية المتطرفة، وهناك حركات وأحزاب شيوعية تعادي الصهيونية، وأحزاب عربية في مناطق الـ٤٨، هذا المهرجان والتجمهر الحزبي الكبير داخل دولة صغيرة يثير في النفس كثيرًا من التساؤلات عن ماهية هذه الأحزاب وأهدافها وبرامجها، وسنحاول إلقاء الضوء على أهم الأحزاب والتيارات الفكرية والعقائدية في الكيان الصهيوني المغتصب.
تمتد جذور الأحزاب الإسرائيلية إلى ما قبل إعلان قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، فقد ظهرت بداية على شكل حركات ومجموعات، ثم أصبحت بعد ذلك أحزابًا وتيارات سياسية، وكانت قد تأسست منذ البداية في شرق أوروبا، حيث قامت جمعية أحباء صهيون، عام ۱۸۸۲م في روسيا «1»، وتشكلت «العمل الموحد» «بوعالي زيون» في روسيا أيضًا عام ۱۸۹۷م، وحزب «مزراحي»، الديني في المجر عام ١٩٠٢م، و«الحارس الفتي» «ها شومير ها تسعير» في بولونيا والنمسا عام ١٩٠٦م، وحزب «أغودات إسرائيل» عام ١٩١٢م، ونتج عن اندماج «عمال صهيون»، و«منظمة العمال الزراعيين» حزب «أحدوث هعفودا» عام ١٩١٩م، وظهر حزب «المبام» عام ۱۹۱۳م في فيينا نتيجة اندماج عدة أحزاب مع بعضها، كما ظهر للنتيجة نفسها حزب «المباي» عام ۱۹۳۰ م «2».
والملاحظ أن هذه الحركات قد ظهرت وتشكلت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وعندما ظهرت الحركة الصهيونية شجعت قيام الأحزاب الإسرائيلية من أجل كسب تأييدها وتأييد فكرتها الاستعمارية المتمثلة في الاستيلاء على أرض فلسطين، وهذا ما جاء صريحًا في مؤتمر بال عام ۱۸۹۷م، في البند الثاني من برنامجه والذي ينص على الدعوة لإنشاء منظمات دولية صهيونية تعمل على تنظيم اليهود عالميًا.
وتعتبر الأحزاب الركيزة الأساسية التي يبنى عليها النظام السياسي في الكيان الصهيوني، كما أنها تمثل دورًا مهمًا في الحياة التشريعية والدستورية، وذلك لما تقوم به من خدمات وأنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية واستيطانية للمجتمع اليهودي، فقد عملت هذه الأحزاب على تطوير برامجها من جميع النواحي، وعززت إقامة المستعمرات الزراعية والمستوطنات السكانية، كما سعت للحصول على دعم مالي كبير يغطي وينعش برامجها ومشاريعها في جميع النواحي.
درج الباحثون عند دراسة الأحزاب أن يذكروا- ولو من بعيد- خصائص هذه الأحزاب، واستكمالًا لدراستنا سوف نذكر أهم ما ذكره الباحثون عن خصائص ومميزات وسمات الأحزاب الإسرائيلية ويمكننا إجمالها بما يلي:
- التعدد الكبير: حيث بلغ عددها عام ١٩٤٨م ۱۲ حزبًا، وبعد عام واحد «١٩٤٩م» وصل عدد ما تنافس منها على الانتخابات إلى ٢٤ حزبًا، ثم إلى ۲۸حزبًا في عام ١٩٥١م، بينما وصلت القوائم الحزبية وغير الحزبية عام ۱۹۸۱م ۳۱ قائمة، وفي انتخابات ١٩٨٤م بلغ عددها ٢٦ قائمة «3»، وتعكس هذه الأحزاب المتعددة واقع المجتمع الإسرائيلي المتناقض والخليط المتنافر بتركيبته السكانية ذات الثقافات والأفكار المتعددة، مما ترتب عليه أن تبدو الأحزاب اصطناعية فيما تقوله وتفعله، فجميع قادة الأحزاب «أشكناز»، مما جعل التمييز العنصري قائمًا ضد اليهود الشرقيين «السفارديم»، وقد أدى ذلك إلى اتساع الهوة بين الفئتين «4».
- أنها خارجية المنشأ: حيث نشأ معظمها خارج فلسطين قبل إعلان قيام كيانهم الصهيوني عام ١٩٤٨م، ما عدا الأحزاب العربية والحزب الشيوعي، وبعض الأحزاب الإسرائيلية، ويرجع سبب زيادة الأحزاب وتقلصها فيما بعد إلى حدوث الانشقاقات والانقسامات أو التحالفات داخل تلك الأحزاب الموجودة «5».
- غلبة الطابع الاقتصادي والاجتماعي عليها فهذه الأحزاب تهدف إلى تصحيح نواة المجتمع الإسرائيلي في المستقبل، من خلال إقامة القواعد والمؤسسات، لذا فقد كانت هذه الأحزاب أقرب ما تكون إلى مؤسسات اقتصادية واجتماعية، إذ إنها تدير البنوك وشركات التأمين والمستشفيات وتقيم المستوطنات وتقدم المعونات وتمنح الوظائف، ولهذا فإن الناخب الإسرائيلي عندما يقدم تأييده لحزب ما، فذلك ليس تأييدًا سياسيًا بقدر ما هو تحقيق لأغراض اقتصادية أو اجتماعية «6».
- مركزية الأحزاب وسيطرة القيادة العليا على شؤونها: فقوة انتماء العضو إلى حزبه أدت بصورة أو بأخرى إلى إبراز دور قادة الحزب وتركيز السلطة في أيديهم، حتى أن أعضاء الحزب يأخذون بآراء وتطلعات القادة السياسيين، ويتم اختيار المرشحين لانتخابات الكنيست وترتيب أولوية الأسماء في لائحة الانتخابات عن طريق قادة الحزب.
- تناسيها الاختلافات والتناقضات فيما بينها للوصول إلى الحكومة: على الرغم من أن معظم هذه الأحزاب أو القوائم تتباين وتختلف فيما بينها كثيرًا، إلا أنها تتناسى خلافاتها وتجمدها في موعد تشكيل الوزارات الائتلافية، فالأحزاب الدينية تأتلف مع أحزاب علمانية واشتراكية، كما أن الأحزاب العلمانية الحاكمة تساير الاتجاه الديني في مطالبه لدرجة تخليها عن مبدأ فصل الدين عن الدولة، أو تصميمه على وضع دستور مكتوب لـ«إسرائيل» «7».
تصنيف الأحزاب
تعددت الآراء واختلفت في تصنيف الأحزاب الإسرائيلية، فلم يتفق الباحثون على تصنيف ثابت يمكن اعتماده، وذلك بسبب تنوع واختلاف ولاء هذه الأحزاب بين فترة وأخرى، مما أدى إلى صعوبة إلى أحزاب يمينية ووسطية ويسارية، إلا أنه لا بد من ملاحظة أن هناك أحزابًا من الوسط لها بعض الصفات المشتركة مع أحزاب اليمين، وكذلك الأمر بالنسبة لأحزاب تصنيفها تصنيفًا ثابتًا، فقد قسمت إلى أحزاب يمينية ووسطية ويسارية، إلا أنه لا بد من ملاحظة أن هناك أحزابًا من الوسط لها بعض الصفات المشتركة مع أحزاب اليمين، وكذلك الأمر بالنسبة لأحزاب اليمين واليسار، كما أن تركيبة المجتمع الإسرائيلي من حيث الجنس والقومية والأيديولوجية- في بعض الأحيان- تؤدي إلى نوع من التحالفات أو الانقسامات المتغيرة باستمرار رهنًا برفع التمييز العنصري عن بعض القوميات الإسرائيلية.
فقد صنف الكاتب جريجوري ماهلار الأحزاب الإسرائيلية إلى: أحزاب اليسار، أحزاب اليمين والوسط، الأحزاب الدينية، أما الكاتب بيرنشتاين فيعارض تقسيم الأحزاب السياسية الإسرائيلية إلى أحزاب يمين ووسط ويسار وقسمها إلى أحزاب عمالية أحزاب متدينة، أحزاب أخرى، ويرى بیرنشتاين أن التقسيم الأخير هو الأفضل للتطور التاريخي للأحزاب الإسرائيلية، خاصة أن الأحزاب الدينية تضم أحزابًا عمالية قوية تقف بجانب حزب المباي في سياسته وأفكاره واعتقاداته القومية. «8»
أما كمال غالي فذهب إلى تقسيم الأحزاب إلى: أحزاب محافظة، أحزاب اشتراكية «9» بينما صنفها عبد الحميد متولي إلى خمسة أقسام هي: أحزاب العمل، أحزاب المحافظين، أحزاب دينية، أحزاب ماركسية، أحزاب عربية «10».
أما ليونارد فاين فيقسم الأحزاب إلى قسمين رئيسين هما:
- من حيث التنظيم الاقتصادي تقسم إلى أحزاب اليمين والوسط.
- من حيث التنظيم الديني تقسم إلى أحزاب متدينة وعلمانية «11»
فيما صنفها نافذ أبو حسنة إلى أربع فئات: قوى الصهيونية العمومية، قوى الصهيونية العمالية، القوى الصهيونية الدينية والحراديم، الأحزاب العربية «12».
فالدور الذي تلعبه الأحزاب الإسرائيلية يجعل من الصعوبة تصنيفها تصنيفًا جامعًا، لذا قد نلجأ في هذه الدراسة إلى التصنيف التقليدي، حيث إنه أفضل هذه التصانيف، كما سيسهل علينا فهم دور وبرنامج كل حزب دونما تعقيد أو ارتباك يضطرنا إلى التوقف في منتصف الطريق، وبموجب هذه النظرة في تصنيف الأحزاب فإننا سوف نعتمد التقسيم التالي:
أولًا: الأحزاب العمالية واليسارية
وتشمل الحركات والأحزاب الصهيونية «الاشتراكية» غير الماركسية- التي تشكل المعراخ «التجمع» الذي ظهر على مسرح الحياة السياسية رسميًا عام ١٩٦٩م، والذي يتكون من اتحاد حزبين رئيسين من الأحزاب العمالية الصهيونية هما حزب العمل وحزب «المبام» «حزب العمال الموحد».
وقد كان للأحزاب العمالية تواجد واسع في المؤتمر الصهيوني الأول، ذلك أن أعدادًا كبيرة من الشباب اليهودي قد انصهرت في الحركات العمالية الأوروبية.
وترى الصهيونية العمالية أن المسألة اليهودية هي مشكلة فائض سكاني يهودي غير قادر على الاندماج وليست مشكلة الديانة اليهودية، أي أنها مشكلة الوضع الاقتصادي والاجتماعي لبعض قطاعات اليهود وليست مشكلة الانتماء الديني أو الحضاري، وهذا يعني أنها مشكلة تنتمي إلى البناء التحتي أكثر من انتمائها إلى البناء الفوقي كما ترى الصهيونية العمالية أن التركيب الاجتماعي والحضاري لليهود يختلف عن التركيب الاجتماعي والحضاري للشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها، فاليهود شعب- أو شبه شعب- لا أرض له، وهذا نتج عنه ما سماه المفكر الصهيوني الاشتراكي بورخوف بـ«الهرم المقلوب». «13»
ثانيًا: الأحزاب اليمينية «تكتل الليكود»
تدل كلمة «الليكود» على فكرة أرض إسرائيل بحدودها التوراتية، بما في ذلك ضفتا نهر الأردن وقد ظهر هذا التكتل قبيل انتخابات الكنيست الثامنة في سبتمبر عام ١٩٧٣م باسم «التكتل اليميني الإسرائيلي»، بيد أن تكتل الليكود وصل إلى الحكم في انتخابات عام ۱۹۷۷م بحصوله على ٤٣ مقعدًا.
ويتكون تكتل الليكود من بعض الأحزاب الرئيسة أهمها حيروت والحزب الليبرالي، وحركة لاعام، إلا أن معسكر اليمين الصهيوني شهد سلسلة من التحالفات حتى عام ۱۹۸۱م، حيث بدا أكثر اندماجًا وأكثر تماسكًا.
ثالثًا: الأحزاب الدينية وأحزاب الحراديم
أ- الأحزاب الدينية الصهيونية:
«المفدال» الحزب القومي الديني
تأسس المفدال في صيف عام ١٩٥٦م، ويعد المفدال من أقوى الأحزاب الدينية، كما أنه يتمتع بخبرة سياسية واسعة.
تبنى الحزب فكرة ربط الدين بالدولة، كما ركز كثيرًا على فرض سيطرته على الحياة الاجتماعية في إسرائيل، حيث مارس كل الضغوط من أجل الهيمنة الكاملة على الشؤون الدينية، وطالب باستمرار الإشراف على مناسبات السبت والأعياد الدينية وربط قضايا الإرث والطلاق والزواج «الأحوال الشخصية» والحلال والحرام بالقوانين الدينية.
ب- أحزاب الحراديم
تنطلق اليهودية الأرثوذكسية المتشدد «الحريدية» المعارضة للصهيونية ولـ«دولة إسرائيل»، في رفضها للصهيونية من منطلق استخدام الصهيونية للدين اليهودي، بحكم أن الصهيونيين يخفون الملابس الصهيونية القذرة والفجة تحت ثياب طاهرة ومقدسة، فقد أدرك الزعماء الحريديون منذ ظهور الحركة الصهيونية أنها حركة قومية علمانية، وتصدى أغلب هؤلاء للفكرة والحركة الصهيونية ليس بسبب طابعها العلماني فقط ولكن لإيمانهم أن بناء «مملكة إسرائيل»، لا بد من أن يتم على يد المسيح المنتظر.
رابعًا- الأحزاب الشيوعية
بدأ النشاط الماركسي في المنطقة العربية بصفة عامة مواكبًا لظهور الحركة البلشفية الماركسية في روسيا عام ١٩١٧م، وكان اليهود رواد هذه الحركة في مصر وبلاد الشام، وقد تأسس الحزب الشيوعي الفلسطيني عام ١٩١٩م، وانضم إليه بعض عناصر من الحركة الصهيونية الذين شكلوا فيما بعد حزب المبام، وانضمت عناصر أخرى للحركة الاشتراكية الدولية «الكومترون» التي كان اليهود روادًا لها أيضًا، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية أفرزت هذه الحركات جناحًا عربيًا سمي بـ«عصبة التحرر الوطني»، وجناحًا يهوديًا سمي بـ«الحزب الشيوعي اليهودي»، إلا أن الجناحين اندمجا عام ١٩٤٨م عند قيام الكيان الصهيوني ليشكلا معًا «الحزب الشيوعي الإسرائيلي».
لم تكن علاقة الحزب الشيوعي بالأحزاب الصهيونية التي قدمت إلى فلسطين مع المهاجرين علاقة تنافر فحسب كما هو الحال بين الأحزاب الصهيونية من أجل فرض سيطرتها على المجتمع الإسرائيلي في فلسطين أو للحصول على المزيد من المكاسب المالية.
وقد بقي الحزب متماسكًا حتى عام ١٩٦٥م، حيث دبت الخلافات الداخلية فيه مما أسفر عن انشقاقه إلى جناحين هما الحزب الشيوعي الإسرائيلي «ماكي»، والحزب الشيوعي «راكاح».
ولا يكتمل الحديث عن الساحة السياسية داخل الكيان الصهيوني دون إشارة إلى دور فلسطينيي الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م، أو من أطلق عليهم عرب إسرائيل، وخاصة أنها أسهمت في حصول حزب العمل على الثقة في الكنيست مرارًا.
الهوامش
- نرمين غوائمة: إسرائيل الأحزاب السياسية وتطلعاتها. الدار المتحدة للنشر، بيروت/ الطبعة الأولى ١٩٩٥م.ص ۱۱۷.
- أ. غازي السعدي الأحزاب والحكم في إسرائيل، دار الجليل للنشر الطبعة الأولى ١٩٨٩ م . ص ٢٤٧، وما بعدها.
- اللواء الدكتور فوزي محمد طايل والنظام السياسي في إسرائيل دار الوفاء للطباعة- الطبعة الثانية.١٩٩٢م.
- نرمين غوائمة/ مرجع سابق-ص ۱۱۸.
- نرمين غوائمة/ مرجع سابق ص ۱۱۹.
- د. حامد ربيع «إطار الحركة السياسية في المجتمع الإسرائيلي»، دار الفكر العربي للنشر- القاهرة- الطبعة۱۹۸۱م. ص ۱۱.
- نرمين غوانمة/ مرجع سابق ص ۱۱۹.
- نرمين غوانمة/ مرجع سابق ص۱۱۹، ۱۲۲.
- أ. كمال غالي «النظام السياسي الإسرائيلي».معهد البحوث والدراسات العربية - تونس/ طبعة ١٩٦٩ م ص ١١٤ – ١١٩.
- عبد الحميد متولي: «نظام الحكم في إسرائيل» معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، القاهرة- طبعة ١٩٦٣م. ص٧٢ - ٧٣.
- نرمين غوانمة- مرجع سابق ص 120.
- نافذ أبو حسنة «الحركات الصهيونية في ١٠٠عام الاتجاهات والأحزاب»، تقرير قضايا دولية العدد «٢٢٤» ص ٢٦.
- د. عبد الوهاب المسيري «الأيديولوجية الصهيونية» سلسلة عالم المعرفة- الكويت- الطبعة الأولى- ص ٩٩-۱۱۰.
على أعتاب انتخابات 17 من مايو
الدولة الفلسطينية في برامج القوى السياسية الصهيونية
القدس: المجتمع
ما تحمله الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لا يشكل مفصلًا مهمًا في الحياة السياسية الإسرائيلية، كما لا يشكل بداية مرحلة جديدة بقدر ما سيشكل محاولة لإعادة التشكيل القائم وتغييرًا في طرق التملص من استحقاقات عملية التسوية خاصة فيما يتعلق بالمستقبل الإسرائيلي، وهو ما يرتبط بمسائل اللاجئين والقدس والحدود، وتحديد هوية الكيان الفلسطيني المنتظر.
ولا شك في أن المسألة الأهم التي شغلت الأوساط السياسية الإسرائيلية في الحكم والمعارضة هي موضوعات التسوية الدائمة.
وقد احتلت مسألة الدولة الفلسطينية- باعتبارها قضية حاسمة من قضايا الوضع النهائي- مكانة بارزة في برامج الأحزاب السياسية المختلفة خلال حملاتها الانتخابية، وعلى رغم محاولة السلطة الفلسطينية تكرار موقفها الرسمي من مسألة الانتخابات الإسرائيلية القادمة وما سينجم عنها والادعاء بأنها قضية إسرائيلية داخلية، إلا تصريحات المسؤولين الفلسطينيين تكشف قلق السلطة الفلسطينية من انعكاسات الأزمات الداخلية الانتخابية على المسيرة السلمية وعلى إعلان الدولة. وكان التصريح الأبرز الذي عبر عنه كبير المفاوضين الفلسطينيين د. صائب عريقات في الخامس والعشرين من شهر يناير الماضي والذي حذر فيه من الأزمات الداخلية الإسرائيلية لأنها برأيه قد تؤدي إلى «تدمير العملية السلمية عبر توسيع الأنشطة الاستيطانية ومصادرة الأراضي وافتعال الأزمات مع السلطة الفلسطينية بعد قرار وقف تطبيق الاتفاق».
وفي نفس التصريح قال عريقات «إن الأزمات الداخلية الإسرائيلية الأخيرة تتجه بنظام الحكم في إسرائيل أكثر فأكثر باتجاه التطرف في وقت بات فيه المتطرفون في الحكومة الإسرائيلية يديرون دفة الحكم فيها».
وتؤكد هذه التصريحات أن التطورات السياسية الإسرائيلية كما يراها مسؤولو السلطة لم تعد شأنًا داخليًا وأن أي تحليل يتناول هذا الموضوع من هذه الزاوية لا معنى له فنتائج هذه الانتخابات ستترك بصماتها الواضحة على مستقبل القضية الفلسطينية ومستقبل الصراع العربي- الإسرائيلي وذلك بعد أن تتضح نتائجها في السابع عشر من مايو الحالي.
كما أن هذه الانتخابات ستكون من النوع الذي ستترك فيه نتائجها انعكاسات سياسية بعيدة المدى وقد تؤثر على استقرار وأمن المنطقة، ولذا فإن الاهتمام بهذه الانتخابات يأتي من منظور نتائجها وليس من حيث طبيعتها أو القوى التي تتنافس فيها لأنها ستجيب ببساطة: مع من سيتعامل الطرف الفلسطيني ولمدة أربع سنوات قادمة على أقل تقدير. إلى جانب تأثيرها المتوقع في تحديد سقف المفاوضات مع الفلسطينيين وبالذات مفاوضات الوضع النهائي.
وقد عبر الصحفي الإسرائيلي «داني روبنشتاين» في صحيفة هارتيس في «١/ ٦ /٩٩» عن التأثير المتوقع للانتخابات الإسرائيلية حينما أكد أن هذه الانتخابات سيكون لها انعكاس سلبي على عملية السلام، ولهذا فإن الموقف الإسرائيلي الحقيقي- برأيه- هو مغاير لذلك المعلن عنه من قبل كل الأحزاب في إطار المعركة الانتخابية، إذ ليس هناك أي طرف يجرؤ على الإعلان عن مواقفه من الدولة الفلسطينية مثلًا التي أصبح الجميع يعترف بأنها ستقوم في آخر المطاف «بما فيهم شارون، وليمور لفنات اللذان عبرا مؤخرًا عن هذه الأمور».
أما قيادة حزب العمل وعلى رأسهم أيهود باراك والناطقون بلسان حزب الوسط الجديد فيحاولون بدورهم التهرب من إعطاء موقف واضح بهذا الشأن ويخشون بشكل كبير من أن تضطر إسرائيل إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية حال قيامها، ويفضلون أن تقوم هذه الدولة بموافقة إسرائيل من أن تقوم بغير إرادتها، وهذا الأمر ينطبق على كل المسائل الأخرى وخصوصًا الانسحاب من المناطق، والتنازل عن المستوطنات، وإطلاق سراح السجناء الأمنيين، وموضوع القدس.
ومن جانب آخر، فإن الساسة الصهاينة يدركون أن حشد الرأي العام الإسرائيلي يتطلب إظهار مواقف متشددة مناهضة للفلسطينيين لأن الناخبين في الكيان الصهيوني يفضلون ذلك، ويدلل على ذلك بأن الشعب الإسرائيلي بأغلبيته الساحقة هو أكثر ميلًا للاستدارة يمينًا، وليس غريبًا أن يستخلص المرء كذلك أن هناك تناميًا للاتجاهات اليمينية المتطرفة داخل المجتمع يحاول المرشحون على اختلاف توجهاتهم استثماره.
الدولة الفلسطينية في البرامج الانتخابية
في الأيديولوجيات الحزبية الإسرائيلية وفيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني من الصعب التمييز بين يمين ويسار، وأي تصورات من هذا القبيل هي خاطئة. فالرؤية السياسية في الدولة العبرية واضحة، كما أن برنامجي الحزبين الرئيسين متقاربان إن لم يكونا متماثلين. فالطرفان يواصلان تنكرهما لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ويدعمان مواصلة سياسة القمع ونهب الأراضي التي باتت سياسة يومية متواصلة، وينطبق ذات الأمر على «مسيرة السلام» المأزومة.
وكما يبدو فإن صناع السياسة بدءًا بحزب العمل «اليساري»، ومرورًا بحزب الوسط الجديد، وانتهاء بحزب الليكود وحلفائه المتدينين والقوميين ركزوا برامجهم الانتخابية على وقف الانسحاب من القدس العربية المحتلة باعتبارها العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل، وفي رفض الحل العادل لقضية اللاجئين وفقًا لقرار الأمم المتحدة رقم «194».
ويبقى الفرق العملي بين نتنياهو وباراك إزاء الحل ينحصر في أن الأول يريد أن يؤجل استحقاقات المرحلة الانتقالية ليدفعها في المرحلة النهائية، وتكون بذلك مسك الختام بحيث يأخذ الجانب الفلسطيني ٤٠% من الأراضي المحتلة لعام ١٩٦٧م، ويكون ما يأخذه جزرًا معزولة ومتقطعة الأوصال وخاضعة للسيادة الإسرائيلية الفعلية، وليس بعد ذلك دولة فلسطينية.
أما باراك فهو مستعد للانسحاب من ٥٠٪ في إطار الحل النهائي، وضمن المواقف المعروفة لحزب العمل.
على الرغم من أن الحزب أسقط معارضته لقيام دولة فلسطينية قبل الانتخابات السابقة، إلا أنه ما زال متمسكًا بأربعة خطوط حمراء يكررها قادته، وعلى رأسهم أيهود باراك بصورة دائمة وهي: لا عودة إلى حدود ٦٧، ولا وجود لجيش «غرب» نهر الأردن، وبقاء القدس موحدة وموسعة تحت السيادة المطلقة لإسرائيل والتمسك ببقاء الكتل الاستيطانية الكبيرة في الأراضي المحتلة خاضعة للسيادة والسيطرة الإسرائيلية، والتركيز في هذا الجانب على المستوطنات في غور الأردن وعلى خطوط التماس وفي المواقع الاستراتيجية. وبمراعاة هذه الاشتراطات فلا مانع لدى حزب العمل في تسمية الكيان الفلسطيني الذي يستجيب لهذه المحددات دولة أو أي اسم آخر يختاره الفلسطينيون. ولكن في الآونة الأخيرة بدأ بعض التخوفات لدى القيادة الفلسطينية من مواقف حزب العمل. فقد شهد الحزب خلال اجتماعاته الأخيرة للتحضير للانتخابات تراجعًا في الموقف من الدولة الفلسطينية المستقلة حيث لم يعد حزب العمل يؤيد إقامة دولة فلسطينية مستقلة كبند مستقل من بنود برنامجه الانتخابي، ويؤكد ذلك تحول خطاب باراك السياسي الذي شهد خلال الفترة الأخيرة انعطافًا واضحًا نحو اليمين.
بالنسبة لليكود، فهو يرفض رسميًا قيام دولة فلسطينية ويعتبرها خطرًا على أمن إسرائيل ومصالحها الحيوية، ولكن خلال الفترة الماضية برز بعض التغيير في المواقف الليكودية، وإن لم يكن ذلك في الوثائق البرنامجية فشارون الشخصية الثانية في الليكود بعد بنيامين نتنياهو يعتبر أن الدولة الفلسطينية قائمة من ناحية فعلية ويضيف أن الحكم الذاتي الذي يقترحه «الليكود» سيؤول في النهاية إلى دولة، كما أنه أبدى قبولًا لفكرة الدولة إذا ما خضعت لقيود سياسية واقتصادية وأمنية محددة.
ويمكن القول إن مفهوم الحكم الذاتي الموسع الذي يطرحه الليكود لا يبتعد كثيرًا عن فهم حزب «العمل» للدولة أو الكيان الفلسطيني.
حزب الوسط، وعلى رغم أن مواقفه من قضايا التسوية غير واضحة كونه حزبًا لا يزال في طور التبلور، لكن يمكن الحكم على مواقفه بناء على مواقف شخصياته القيادية. فمن الملاحظ أن هناك خلافًا في الرأي حول الدولة الفلسطينية: أمنون شاحاك يعتبر أنه لا مناص من قيام دولة فلسطينية وروني ميلو يؤيد ذلك، في حين يعارض دان مريدور هذه الفكرة ويحتمل أن يتوافق موقف رئيس الحزب إسحاق مردخاي مع موقف دان مريدور.
أحزاب اليمين كلها من «المفدال» و«تسوميت» و«موليدت» و«تكوما» و«حيروت». فهي ترفض قطعيًا قيام دولة فلسطينية.
وإذا ما انتقلنا إلى موقف المجتمع الإسرائيلي عمومًا نلاحظ أن هناك إجماعًا بين الإسرائيليين على بقاء القدس شرقيها وغربيها وما حولها من مستوطنات موحدة كعاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل غير قابلة للتجزئة أو المشاركة في السيادة. وهناك إجماع على عدم العودة إلى حدود العام ١٩٦٧م، وإن كان بعض الإسرائيليين- وهم أقلية- يؤيدون مبدأ استبدال الأراضي وذلك على أساس تعويض الفلسطينيين عن الأراضي المستقطعة نتيجة وجود المستوطنات كما أن عودة اللاجئين إلى حدود الدولة العبرية هو أيضًا من قضايا الإجماع الإسرائيلي.
ولهذا يلتقي اليمين واليسار الإسرائيليين على تصور للدولة الفلسطينية يفرض عليها التبعية الكاملة لإسرائيل من خلال انتزاع الجزء الأكبر من الأراضي وبشكل لا يجوز معه أن يربط الفلسطينيون معه سعيهم لإعلان الدولة بالتفاوض مع إسرائيل.
الأردن والدور الرئيس في الحل..
والحل المطروح من وجهة النظر الإسرائيلية هو دخول الأردن على خط التسوية، بحيث يكتفي الفلسطينيون بما يحصلون عليه من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو لا يتعدى نسبة ٥٠٪ من مجمل هذه الأراضي بناء على طرح في «الليكود» و«العمل» على حد سواء، ويقيمون فيه كيانهم ولا مشكلة في أن يكون دولة.
والأمر الثاني أن يجدوا سبيلًا للارتباط بالأردن عبر الفيدرالية أو الكونفدرالية، فهذا الارتباط يؤمن لإسرائيل عدم عدوانية الكيان الفلسطيني والقضية الأكثر أهمية أن يضمن هذا الارتباط حلاً لمشكلة اللاجئين وتوطينهم في الأردن.
ويبقى السؤال: كيف ستتعامل القيادة الفلسطينية مع هذا الأمر؟ وهل ستستجيب ردود الفعل الفلسطينية إلى التحليلات القائلة بأن إقدام الفلسطينيين على إعلان قيام الدولة سيؤدي إلى فوز نتنياهو؟ وحتى وإن سقط نتنياهو فالسؤال هو ماذا سيقدم حزب العمل للفلسطينيين خصوصًا أن يوسي بيلين «الأكثر اعتدالًا»، لا يطرح سوى دولة فلسطينية تقوم على ٥٠% من الأرض، أو حتى وإن كان الفوز حليف مرشح حزب الوسط إسحاق مردخاي فهو لا يطرح بدوره سوى دولة تقوم على ٤٢% من الأرض وفق اقتراحاته التي استندت إليها المبادرة الأمريكية.
منذ توقيع واي بلانتيشن:
مصادرة 27 ألف دونم وتجريف ١٣ألفًا وإقامة ٢٢ بؤرة استيطانية واقتلاع تسعة آلاف شجرة
أكدت الجمعية الفلسطينية لحماية حقوق الإنسان والبيئة «القانون» أن السلطات الإسرائيلية صعدت من أنشطتها بعد التوقيع على اتفاقية واي ريفر بشكل محموم وبلغت المساحات المصادرة منذ التوقيع على الاتفاقية المذكورة ٢٧,٣٨٥ دونمًا منها ١٥,١٤٧ دونمًا تمت مصادرتها في الشهور الثلاثة الأولى من العام الجاري.
وقالت الجمعية في تقرير صدر عنها يكشف ارتفاع الحمى الاستيطانية بعد واي بلانتيشن: إن الأراضي المصادرة توزعت على المناطق التالية القدس ٤٠١٩ دونمًا، نابلس سلفيت ۳۲۹۰ دونمًا، رام الله 2395 دونمًا، أريحا والأغوار الشمالية ۲۰۰۰ دونم الخليل ١٥٥٨ دونمًا، بيت لحم ٥٨٠ دونمًا، جنين ٥٥٨ دونمًا، طولكرم۲۰۰ دونم، قلقيلية ٤٥٠ دونمًا، رفح ٥٠ دونمًا، خانيونس ٣٠ دونمًا.
ورصد التقرير تجريف وأعمال تخريب لحوالي 12.977 دونمًا منها ١٢,٦٩٧ دونمًا منذ بداية العام الجاري كان القسم الأكبر منها في مناطق رام الله والأغوار الشمالية ونابلس وبيت لحم كما رصدت «القانون» شق ١٥ طريقًا التفافيًا ابتلع الآلاف من الدونمات، وشمل التقرير متابعة ٢٢ بؤرة استيطانية جديدة في مختلف الأراضي الفلسطينية أقيم عليها ١١٣ بيتًا ومقطورة سكنية ودفيئتان زراعيتان إضافة للاستيلاء على سبعة عقارات في القدس والخليل.
وانتهت السلطات الإسرائيلية خلال الفترة التي شملها التقرير من تنفيذ أو المصادقة على وضع الخطط لبناء ١١,٤٨٤ وحدة سكنية استيطانية جديدة واشتملت الأنشطة المذكورة الانتهاء من تنفيذ الأعمال الإنشائية لـ ٩٥٦ وحدة سكنية ومصادقة الحكومة على إقامة أو إضافة ۷۰۰۸ وحدات سكنية جديدة أخرى ووضع خطط لإقامة ٣٥٢٠ وحدة سكنية جديدة في مناطق مختلفة من الأراضي الفلسطينية.
كما اقتلعت السلطات والمستوطنون وأحرقت ٨٤٩٥ شجرة مثمرة منذ بداية العام ۹۹ موزعة على مختلف المحافظات الفلسطينية إضافة لأعمال التخريب التي رافقتها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل