العنوان مواجهة حول حقوق الإنسان بين تونس ومنظمة العفو الدولية
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1995
مشاهدات 123
نشر في العدد 1176
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 21-نوفمبر-1995
ما زال تقرير منظمة العفو الدولية «أمنستي إنترناشيونال» الذي صدر مؤخرًا يثير ردود فعل الحكومة التونسية التي رفضت ما جاء فيه جملة وتفصيلًا، ودخلت في معارك جانبية مع عدد من وسائل الإعلام التي تناقلته، وجاء في مقدمة التقرير الذي صدر بالإنجليزية في أربعين صفحة أن المنظمة تشعر بالقلق بسبب استمرار انتهاكات حقوق الإنسان على مدى ثمانية أعوام، وازدياد حدتها خلال السنوات الخمس الماضية بالذات.
فمنذ نهاية عام ١٩٩٠م اعتقلت الحكومة التونسية آلاف المعارضين والمنتقدين لمجرد اختلافهم معها في أفكارهم السياسية، وبسبب ممارساتهم لنشاطات حرمتها الحكومة بموجب قوانين صاغتها لمنع حرية التعبير عن الرأي وحرية التجمع والتكتل، وذكرت مقدمة التقرير أن معظم هؤلاء النشطاء حوكموا من قبل هيئات قضائية لا تتوفر لديها النزاهة في وقت تواترت فيه التقارير عن تعرضهم لألوان من التعذيب، فشلت السلطات في فتح باب التحقيق فيها متجاهلة بل ومنتهكة بذلك جملة من الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي وقعتها، والتي يفترض بموجبها احترام حقوق الإنسان.
وأضاف التقرير أن الرئيس التونسي الحالي وزير الداخلية السابق زين العابدين بن على الذي استلم السلطة خلفًا للرئيس الحبيب بورقيبة الذي حكم تونس لأكثر من ثلاثين سنة يوم السابع من نوفمبر «تشرين الثاني» ۱۹۸۷م، كان قد صرح بالتزامه احترام حقوق الإنسان، وصادقت حكومته في سنته الرئاسية الأولى على الميثاق الدولي لمناهضة التعذيب، وأصدرت جملة من القوانين التي لو طبقت لكفلت توفير ضمانات جيدة ضد انتهاك حقوق الإنسان، وأصدر الرئيس عفوًا عامًا عن آلاف السجناء الجنائيين والسياسيين بما في ذلك سجناء الرأي، حتى رحبت منظمة العفو الدولية حينها بالإصلاحات القانونية تلك، وبالالتزام المعلن للرئيس بن علي باحترام حقوق الإنسان منذ اليوم الأول لوصوله للسلطة، إلا أن التقرير يعرب عن أسفه لاستمرار انتهاك حقوق الإنسان، مما دفع منظمة أمنستي إلى إصدار تقرير في سبتمبر «أيلول»۱۹۹۰م تحدثت فيه عن مخالفات تضمنت التعذيب وإساءة معاملة الموقوفين بلا محاكمة، وسجن السياسيين، وإجراء محاكمات غير نزيهة وتقاعس السلطات عن إجراء تحقيق فيما كان يجري من انتهاكات.
وأسف التقرير للتراجع السريع لنظام الرئيس بن على عن تعهده في نوفمبر ۱۹۸۷م بإدخال نظام التعددية الحزبية، إذ أنه بعد أن أجاز في مايو ۱۹۸۸ لعدد من الأحزاب السياسية ممارسة نشاطاتها، ومنها حزب النهضة وحزب العمال الشيوعي والتجمع الوحدوي الديمقراطي، وحركة الوحدة الشعبية إلا أن آلافًا من منتسبي ومؤيدي هذه الأحزاب، وخاصة حزبي النهضة وحزب العمال الشيوعي، اعتقلوا وسجنوا ولا يزالون منذ ۱۹۹۰م؛ وذلك بتهمة الانتماء غير المشروع، أو المشاركة في اجتماعات غير مشروعة، أو بتوزيع المنشورات غير المشروعة، أو بجمع أموال بصورة غير مشروعة لدفعها لعائلات المساجين من قبلهم. ويشير التقرير أن المدهش حقًا أن يكون كل أولئك قد اعتقلوا وحوكموا بموجب قانون قديم يعود إلى العام ١٩٦٩م مع تجاهل تام لقانون عام ۱۹۸۸م حول مشروعية التعددية الحزبية.
ويذكر التقرير أن انتهاكات حقوق الإنسان انتشرت بشكل سريع وواسع بعد شهر أكتوبر ١٩٩٠ إثر حملة للسلطات على حركة النهضة التي لم يسلم منها لا أعضاؤها ولا المتعاطفون معها ولا عائلاتهم ومعارفهم، ولم يسلم منها حتى أعضاء حزب العمال الشيوعي، ويؤكد التقرير أن آلافًا من المتهمين بالانتماء لهذه التجمعات السياسية لا يزالون قابعين في السجون حتى لحظة صدور التقرير.
القضاء على حرية التعبير:
يتطرق الجزء الأول من التقرير لحرية التعبير وحرية التجمع والتكتل التي كانت أولى الحريات تعرضًا للانتهاك على أيدي النظام التونسي، ولم يقتصر تطبيق القيود المفروضة على هذه الحرية على الأحزاب السياسية بل زاد منذ العام ١٩٩٠م، وتفاقم إثر الحملة الانتخابية للرئيس زين العابدين بن علي عام ١٩٩٤م، ونال عددًا كبيرًا من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام المحلية وكذلك الصحفيين والمراقبين الأجانب بما في ذلك مندوبي منظمة العفو الدولية «أمنستي» نفسها، ونال كذلك أحد أعضاء «محامين بلا حدود»، الدولية الذي طرد من تونس ووضع على القائمة السوداء للحيلولة دون عودته إليها ثانية، وأورد التقرير أمثلة من القيود المفروضة، وقد شملت منع إذاعة برنامج «جيوبولي» الذي يبثه التليفزيون الفرنسي، ومنع تداول الصحف الأجنبية مثل اليوميتين، الفرنسيتين لوموند وليبراسيون، والشهرية الفرنسية لوموند ديبلوماتيك، واليومية البريطانية دي جارديان، واليومية العربية الحياة، حيث ظلت بعض هذه المطبوعات ممنوعة من الدخول والتداول في تونس لأكثر من سنة ، ولا تزال تصادر منها الأعداد التي لا تروق للرقيب لاحتوائها على مواضيع أو مقالات تنتقد سياسات الحكومة أو تعرض وجهات نظر مؤيدة للمعارضة، وقد طردت السلطات التونسية أو منعت من دخولها عددًا من الصحفيين الأجانب كان منهم مندوبو لوموند، والبي بي سي ، ووكالة الأنباء الفرنسية، وتعرض للمضايقة عدد من الصحفيين التونسيين لكتابتهم مقالات لصحف أجنبية انتقدوا فيها الأوضاع في تونس، وقد طرد أحد الصحفيين العاملين في وكالة الأنباء التونسية لهذا السبب.
وسرد التقرير أمثلة مما يتعرّض له كل من تسول له نفسه كتابة العرائض أو البيانات للمطالبة بضمان حرية التعبير، وتشمل الإجراءات التنكيل والسجن والتهديد بالطرد من الوظيفة، وقد استدعت السلطات الأمنية مجموعة من النساء طالبن في عريضة باحترام الحريات العامة، وهددن بالطرد من وظائفهن إن لم ينفين صدور العريضة عنهن، وعندما شكل مجموعة من اليساريين لجنة في فبراير ۱۹۹۳م للدفاع عن سجناء الرأي، صدر قرار بالمنع الفوري للجنة واعتقل منسقها صلاح حمزوي لمدة أسبوعين تعرض خلالها لسوء المعاملة، وهدد باقي أعضاء اللجنة بأنهم إن لم يتراجعوا فسيحاكمون بتهمة تكوين جمعية غير مصرح بها، وصودرت جوازات سفرهم لأكثر من عامين.
المنع من السفر وسحب الجوازات:
وفي إبريل ١٩٩٤م أصدر مصطفى بن جعفر الزعيم السابق لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين بيانًا قال فيه إنه تقدم بطلب تسجيل جمعية جديدة باسم «المنتدى الديمقراطي»، فما كان من السلطات الأمنية إلا أن اعتقلته وهددته بالمحاكمة بتهمة تكوين جمعية غير مشروعة. وهي تهمة تصل عقوبتها إلى خمس سنوات سجن، وسحب منه ومن الأعضاء الموقعين معه على وثيقة التأسيس جوازات سفرهم، وقد طالت ممارسة سحب الجوازات ومنع الأفراد من السفر عددًا من المحامين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، حتى أن وزير الداخلية عبد الله قلقال صرح علانية أمام البرلمان في نوفمبر ١٩٩٤م أن الجوازات يمكن أن يحرم منها غير الوطنيين الذين يشتكون في الخارج.
الاعتقال التعسفي:
ثم تطرق التقرير لحالات الاعتقال التعسفي والسجن معتبرًا أن ذلك لا يزال هو الأسلوب المفضل لدى السلطات في تونس لقمع المعارضين وإسكات الناقدين، وسرد حالة الدكتور منصف مرزوقي - الأستاذ بكلية الطب والرئيس السابق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان الذي أعتقل بعد أن كان في فبراير من نفس العام قد أعلن عن نيته ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة، استمر اعتقاله لمدة أربعة شهور وأطلق بكفالة ولم يحدد موعد محاكمته بعد، وقد تعرض عدد من أقاربه للاعتقال والمضايقة أيضًا، وذكر التقرير أن الشخص الآخر الذى تجرأ على الإعلان عن نيته منافسة الرئيس بن على في انتخابات رئاسة الجمهورية عبد الرحمن هاني كان قد أعتقل هو الآخر عقابًا له على هذه الجرأة وبقي في السجن من ١٥ فبراير إلى ٢٣ إبريل ١٩٩٤م بعد أن أدين وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة ثمانية شهور مع وقف التنفيذ، ولا يزال المحامي نجيب حسني الذي تخصص في الدفاع عن المعتقلين السياسيين في الخامس عشر من يونيو ١٩٩٤م معتقلاً حتى لحظة صدور التقرير الذي يفيد بأن التهم الموجهة لكل هؤلاء لا تخرج عن نطاق «الانتماء إلى جمعية غير مشروعة»، أو المشاركة في نشاطاتها أو التعاطف معها، أو «المشاركة في اجتماعات سرية غير مشروعة».
ثم سرد التقرير أسماء وحالات عدد من المعتقلين السياسيين ومسجوني الرأي المتهمين بالانتماء إلى حزب العمال الشيوعي أو إلى حزب النهضة، وأورد التقرير أسماء وحالات لنساء معتقلات معظمهن متزوجات من رجال متهمين بالانتماء إلى النهضة ولا تزال السلطات تبحث عنهم أو تمكن بعضهم من اللجوء إلى بعض دول أوروبا الغريبة، وتستهدف السلطات من اعتقال النساء بشكل رئيسي الضغط على رجالهم لتسليم أنفسهم.
وبعد ذلك تطرق التقرير إلى مناقشة القوانين والتعديلات المدخلة على القوانين منذ العام ۱۹۹۰م بهدف تشديد الرقابة على الإعلام وعلى النشاطات السياسية وفرض المزيد من القيود على الحريات، وقد تضمنت إحدى التعديلات تعريفًا مبهمًا وعامًا استخدم فيه مصطلح «ممارسة الإرهاب»، والخطورة في هذا التعريف أنه يتيح للسلطات تطبيقه على أي شخص يعارض أو ينتقد شيئًا مما تتبناه الحكومة من إجراءات أو تقوم به السلطات من ممارسات، وأتبع التقرير ذلك بقائمة بأسماء سجناء الرأي الذين تعرضوا للاعتقال والسجن بموجب التعديلات أو القوانين الجديدة.
التعذيب داخل السجون:
وتحت عنوان التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاعتقال وفي السجون، شجب تقرير منظمة العفو الدولية انتشار ممارسة التعذيب في مراكز الشرطة التونسية وفي السجون بشكل كبير جدًا خلال العامين الماضيين، واعتبر التقرير الحكومة مقصرة -أو متقاعسة- عن الاستجابة إلى شكاوي المساجين والموقوفين ضد المحققين الذين يمارسون ضدهم ألوانًا من التعذيب لاستخراج الاعترافات عنوة، وبيّن التقرير بشيء من التفصيل الجوانب التي تخالف فيها حكومة تونس ما كانت وقعت عليه وتعهدت بتنفيذه من مواثيق واتفاقات دولية بهذا الشأن، كما أورد التقرير شهادات لمساجين تحدثوا في محاكمات كانت «أمنستي، قد حضرت طرفًا منها عما تعرضوا له من تعذيب، مؤكدًا على أن هؤلاء لازالوا معتقلين ولم يطرأ تحسن على أوضاعهم. وقبل الخلوص إلى الاستنتاجات والتوصيات تحدث التقرير عن حالات الموت أثناء الاحتجاز متهمًا السلطات بإهمال التحقيق في أسباب الوفاة التي يشك بأنها الإسراف في استخدام القوة أثناء التحقيق لانتزاع الاعترافات من المتهمين، وفصّل التقرير الحديث عن عدد من حالات الوفاة أثناء التحقيق، ومعظم الضحايا شباب في العشرينات من أعمارهم ذوي علاقات بحركة النهضة التونسية.
أوصت المنظمة الدولية في نهاية تقريرها الحكومة التونسية بالإطلاق السريع والفوري لكافة مساجين الرأي، وبإلغاء أو تعديل كافة القوانين التي تبيح احتجاز مساجين الرأي. وطالب التقرير بإطلاق سراح كافة المساجين السياسيين، أو إعادة محاكمتهم أمام هيئات قضائية نزيهة طبقًا للمعايير الدولية المعتبرة، كما طالب بضمان ألا يتعرض الموقوفون إلى السجن مددًا طويلة بلا محاكمة، وبضرورة إبلاغ ذويهم بأماكن وجودهم وبسير التحقيقات معهم وبالسماح لمحاميهم بمقابلتهم، ولأفراد عائلاتهم وأطبائهم بزيارتهم، وطالب الحكومة بالجدية في التعامل مع كافة الادعاءات بوجود تعذيب واضطهاد داخل السجون، والتحقيق في ذلك والحيلولة دون استمراره إن تأكد وجوده ومحاكمة كل من يثبت تورطه في انتهاك حقوق الإنسان.
وحثت منظمة العفو الدولية «أمنستي إنترناشيونال» السلطات التونسية على تطبيق التوصيات التي تقدمت بها لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في أكتوبر ١٩٩٤م التي يتشابه بعضها مع التوصيات التي تقدمت بها منظمة العفو أعلاه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل