; من نشاط المخابرات الروسية في الولايات المتحدة | مجلة المجتمع

العنوان من نشاط المخابرات الروسية في الولايات المتحدة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1980

مشاهدات 62

نشر في العدد 486

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 24-يونيو-1980

  • الروس يستخدمون الأجهزة الجاسوسية المعقدة في السفارات الأمريكية.
  • بعض عملاء الاستخبارات الروسية في أمريكا ذوو شخصية مزدوجة! كيف ذلك؟
  • المنظمات الدولية والسفارات مراكز لإدارة النشاط الجاسوسي.

في ليلة من ليالي صيف عام ۱۹۷۷م، وفي شهر أغسطس «آب» بالذات، اشتعل حريق في مبنى السفارة الأمريكية في موسكو، وانكشف الغبار عن الحمار لتظهر المفاجأة أمام الأمريكان بعد انتهاء الحريق بالعثور على مجمع للتصنت معقد التركيب! لم يكن للأمريكان معرفة بوجوده، كما أنهم لم يعرفوا حتى الآن بنية طبيعته المعقدة والأسباب الداعية لوضعه بهذا الشكل المعقد في المبنى الدبلوماسي. هذا حدث واقعي رواه لأصدقائه أحد الطلاب العرب الذين مارسوا العمل الوظيفي في أروقة الأمم المتحدة، واطلع مِن كثب على الحركة اللولبية للمناورات السياسية الأمريكية- الروسية.

ولعل هذا الطالب الموظف هو واحد من الذين استهوتهم هذه الأقصوصة وجعلتهم يطالعون أخبار الجاسوسية الأمريكية والجاسوسية المضادة في عالم الدول الكبرى، وفي جلسة مغلقة عرض هذا المراقب للأعمال الجاسوسية التقرير التالي عن نشاط المخابرات السوفيتية في الولايات المتحدة، ونحن نقدمه للقارئ المسلم ليعلم أن عدونا الواحد إنما هو مشغول بنفسه، وعلى المسلم أن يعرف طبيعة وحجم النشاط الدولي المعروف في التحديات الدولية المعروفة، ليعي تمامًا أن الفرصة ستواتيه لا محالة إذا أحسن الوعي والإدراك والتصرف في غمرة هذا العالم وخضمه.

ازدیاد النشاط السوفيتي في الولايات المتحدة:

يقول البروفيسور «ريتشارد دستار» وهو رجل معروف بأنه من كبار المختصين بشؤون العلاقات بين الشرق والغرب بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا الأمريكية، وذلك في كتاب أصدره عام ۱۹۷۹م تحت عنوان «الولايات المتحدة الأمريكية في الثمانينيات»:

«إن ضعف الاستخبارات الأمريكية بقسميها «السي- آي- إيه» و «إف- بي- آي» أدى إلى زيادة نشاط الاستخبارات وأعمال التجسس السوفيتية في الولايات المتحدة الأمريكية». ويعلل البروفيسور «دستار» ما ذهب إليه ببعض الحقائق والأمثلة؛ فقد لاحظ أن الاستخبارات التابعة للروس تتشعب كالسرطان وتمتد كالأخطبوط من خلف مؤسسات الخدمات في الولايات المتحدة، ويبدو أن قناع الصحافة هو أفضل ستار تستغله إدارة المخابرات السوفيتية لتحقيق نواياها. ولم يذكر البروفيسور الأرقام بالتمام، ولعل ذلك يفهمنا أنه لاحظ مئات الصحافيين ليسوا في الحقيقة من رجال مهنة الصحافة، أو مراسلي الصحف لبلادهم، وإنما هم ضباط في إدارة المخابرات. كما أن نصف الموظفين العاملين في السفارات والقنصليات الأوروبية الشرقية في الولايات المتحدة الأمريكية على الأقل، والبالغ عددهم قرابة (۳۰۰۰) شخص يقومون بأعمال تجسس بما فيهم زوجاتهم أيضًا.

وما ذهب إليه البروفيسور يشير إلى أن لعبة الدبلوماسيين الجاسوسية التي يشعر بها المراقب المسلم في بلاده، إنما هي لعبة تدور بين القوى الكبرى على أشُدها.

يقول البروفيسور «دستار»: «إنه يوجد في نيويورك وحدها قرابة ۳۰۰ عميل لإدارة المخابرات السوفيتية، وقد عُيِّن معظمهم في مناصب عادية في الأمم المتحدة، كما تبين أن قسمًا من المهاجرين واللاجئين من المعسكر الشرقي ومن فيتنام هم من الجواسيس العاملين لمصلحة إدارة الاستخبارات الروسية».

والمحلل الحصيف يكشف خطر اللعبة هنا في عناصر: 

  1. إن وظائف المنظمات الدولية مرتع خصب لوجود عناصر المخابرات الدولية، ويشمل ذلك جميع مؤسسات الأمم المتحدة كاليونسكو مثلًا، تلك التي تنتشر فروعها في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي.  
  2. إن إدارة المخابرات كثيرًا ما توظف ذوي الحاجة المفلسين الذين طحنتهم المآسي في الحروب والأزمات الكبرى.

العمل الجاسوسي المزدوج:

ولكن هل يقف نشاط المخابرات الدولية على عملائها فقط؟

هذا ما يجيب عنه البروفيسور «دستار» بقوله محللًا طبيعة البنية التي يقوم عليها نشاط الاستخبارات الروسية في الولايات المتحدة:

«لا يستقي الاتحاد السوفيتي معلوماته من عملائه فقط، فهناك بعض العاملين في الشركات الأمريكية الخاصة، وهم في الوقت نفسه عملاء في وكالة المخابرات المركزية «السي- آي- إيه»، ويبيعون المعلومات إلى الاتحاد السوفيتي». وفي هذا الخصوص يعيد البروفيسور ستار إلى الأذهان عملية سرقة إحدى الأوراق الرسمية الخاصة بأقمار التجسس الاصطناعية طراز (ك- هـ ١١)، فقد باعها أحد ضباط الـ «سي آي إيه» إلى الاستخبارات السوفيتية وقبض ثمنها قسطًا من المال. 

ويضرب البروفيسور «دستار» كثيرًا من الصور المشابهة لهذه الحالة فيقول: «كما تم الكشف عن مثل هذه الحالات، ومنها وجود قرابة العشرين من الأقمار الصناعية المعدة للتجسس، وعدد غير محدود من طائرات «تي- يو- 20» تدور في أجواء القارة الأمريكية للتجسس لصالح الاتحاد السوفيتي. كما أن السفن التجارية الأمريكية المزودة بأجهزة إلكترونية معقدة تنقل المعلومات عن مراكز تموين القطع البحرية العسكرية السوفيتية للولايات المتحدة الأمريكية».

وهذه قضية تلفت نظرنا إلى مسألة ازدواج العمل الجاسوسي، فالعامل في وكالة «السي- آي- إيه» الأمريكية يقدم الخدمة لقاء المال لعدو بلاده المتمثل في مخابرات الروس، ليصبح جاسوسًا مزدوجًا، ومعنى هذا أن الأخلاقية كصفة شخصية مفقودة في شخصية أرباب هذه التبعية المهنية.

السفارات مراكز للتجسس:

يعتقد بعض السياسيين أنهم مستقلون في سفاراتهم، حتى إن بعض الدبلوماسيين يصف مبنى سفارة بلاده على أنها قطعة من وطنه، أما الوقائع فتثبت عكس ذلك. وما أدل على هذا من القصة التي أوردناها في بدء هذه المقالة، وقد أكد البروفيسور «دستار» أنه من الأماكن المفضلة التي تستطيع إدارة الاستخبارات السوفيتية تحقيق هدفها فيها، هي السفارة الأمريكية الموجودة في موسكو نفسها. وقصة الحريق الذي شب في سفارة واشنطن بموسكو هي التي كشفت عن وجود جهاز التنصت المعقد الذي لم يعرف حتى الآن سببًا لوجوده.

على أن بعض سفارات الدول الكبرى تحوي أجهزة معقدة خاصة توجه للإنسان موجات لاسلكية فاعلة متناهية في الصغر، ومن شأن هذه الموجات أن تؤثر في المرء فتجعله ضعيف القوى. وقد ذهب البروفيسور «دستار» إلى أن بعض السفارات في دول أوروبا الشرقية تحوي مثل هذه الأجهزة الجاسوسية يوجهها خبراؤها إلى السفارات الأمريكية، وقد لوحظ أن هذه الأجهزة توقفت عن بث موجاتها بشكل مفاجئ عندما اجتمع بريجنيف بكارتر في مؤتمر القمة الثنائي الذي عقد في العاصمة النمساوية «فينا» في شهر «حزيران» يونيو عام ۱۹۷۹م في محاولة لتجنيب الرئيس السوفيتي بريجنيف أثر هذه الموجات. 

وإذا كانت السفارات مكانًا مريحًا لوجود الأجهزة الجاسوسية، فهل من أحد يستطيع أن ينفي وجود الإدارات الجاسوسية التي تسخر الإمكانات البشرية في معظم سفارات العالم والتي تزخر بها عواصم الأرض؟ وهل ثمة أحد يستطيع أن ينفي وجود هذه الأجهزة والإدارات في عالمنا الإسلامي الذي صار اليوم طعمًا مطموعًا فيه من قبل الدول الكبرى المتنافسة للاستحواذ على العالم؟!

أخطبوط المخابرات الروسية في العالم: 

إن الشواهد الكثيرة تجيب مؤكدة أن العمل القنصلي والدبلوماسي هو أكثر الأعمال عرضة للأعمال الجاسوسية التي تدبرها المخابرات الدولية الكبرى، وما دُمنا بصدد الحديث عن نشاط المخابرات الروسية، فهل تصب هذه القوى الشريرة نشاطها خارج الولايات المتحدة؟ وهل تملك الشواهد على ذلك؟

الجواب نعم:

  • ففي 14/ 2/ 1980م أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية في باريس أن السيد جينادو أرانكوف- القنصل الروسي في مارسيليا قد طُرد من البلاد لاتهامه بالتجسس. وقد ذكر متحدث باسم الوزارة أن القنصل الروسي هذا ضُبط في مارسيليا وبحوزته حقيبة مملوءة بوثائق خاصة بالدفاع القومي الفرنسي، وذكر المتحدث أن أربعة من الفرنسيين ألقِي القبض عليهم لأنهم تورطوا في عملية التجسس هذه وسوف يُعرضون على محاكمة خاصة.
  • وفي كندا يوم 13/ 9/ 1979م اتُّهم النائب الكندي توم كوسيت دبلوماسيًّا سوفيتيًّا يعمل في مونتريال بالحصول على معلومات عن طريق عدد من موظفي مجلس العموم الكندي، وقد أكد النائب الكندي أن بحوزته أدلة دامغة تدين فلاديمير جامز يشيكين- القنصل العام السوفيتي في مونتريال الذي قام بعدة زيارات لنواب كنديين. وأشار النائب إلى أن هذا الجاسوس الروسي كان يرفع تقاريره إلى أحد رجال إدارة الاستخبارات الذي تربطه علاقة صداقة مع كوسيغين والرئيس الروسي بريجنيف.

ما دلالة هذا؟

إن في هذا دلالة واضحة بينة على أن السلك الدبلوماسي السياسي مرتع خصب يجول فيه عملاء الخبراء الدولية وفق خطط مدبرة في مهمة إيصال المعلومات وربط العملاء برغبة أنشطة القوى المخبرة لصالح حكوماتها، دون النظر إلى ضابط من الخلق أو مراعاة للعرف السياسي والمواثيق الدبلوماسية، وهو الأمر الذي يجعلنا نحن في عالمنا المسلم نشير بأصابع الاتهام إلى وجود السفارات الدولية وفروعها القنصلية المكثفة.

وأحرى بنا أن ننتبه إلى ما يجري من وراء الكواليس، وعلينا أن نحسن تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية التي تطرح نفسها على مجتمعنا المسلم، مع الأخذ في الاعتبار احتمالات قيام العلاقة بين هذه الظواهر المريبة ونشاط الاستخبارات الدولية في عواصمنا.

الرابط المختصر :