العنوان الـ «سي آي إيه» مهاوي الفشل
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1269
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
موضوع الغلاف
في آخر كلماته أمام الكونجرس الأمريكي وهو يودع عمله كمدير لوكالة المخابرات الأمريكية سي آي إيه قال «جيمس وولس» في عصبية مشوبة بمحاولات التماسك أمام الحضور: أصارحكم أيها السادة الأفاضل بكل أمانة أنه لا يوجد أي ضمان يمنع اختراق الوكالة في المستقبل بجاسوس على غرار أولدريش إيميز ... بل إنني أزيد على ذلك وبنفس القدر من الأمانة لأقول بأن: «أي مدير قادم للسي أي إيه لا يستطيع ولن يستطيع أن يضمن لهذه الأمة عدم اختراق جهاز مخابراتها».
بهذه الاعترافات من قمة هرم السي آي إيه، تكشفت حقائق مروعة عن حقيقة هذا العملاق المخيف الذي طالما بث الرعب في العالم وجعل الجميع يضع دائمًا يده على قلبه خوفًا من أن يكون قد عد عليه نبضاته! وقد جاءت استقالة جيمس وولس واعترافاته بسبب «أولدريش إيميز» ذلك العميل المزدوج الذي هز المؤسسة العملاقة من الداخل وأطاح برئيسها.
وأولدريش إيميز وصفته أجهزة الإعلام ودوائر الاستخبارات بأنه أخطر جاسوس في تاريخ الحرب الباردة يقول عنه «جيمس آدمز» في كتابه «خيانة» إنه كان مسؤولًا عاديًّا في السي آي إيه مثله مثل عشرات الموظفين المحسوبين على الجهاز دون أن تكون عندهم مؤهلات بارزة للانتساب لمواقع بهذه الخطورة لكن يبدو أن «أولدريش» استطاع بحظه الجيد وصلات والده السابقة بمسؤولي الأمن والاستخبارات أن يجد كرسيًّا داخل المبنى الرهيب ثم تصعيده بسرعة رغم أنه لم يكن من تلك النوعية المخابراتية المنضبطة والأخطر أن الرجل كان دائم التعطش للمال، وحسبما يقول العارفون بشخصيته فقد كان ينفق النقود بطريقة أقرب إلى الهوس، بل إن زملاءه ينقلون عنه عبارات خطيرة تفوه بها خلال لحظات الضيق المادي، وكان معناها في كل الأحوال أن لديه الاستعداد لعمل أي شيء في سبيل الخلاص من مأزقه المادي!
ومع أن النزاهة والشرف والوطنية والقناعة هي مواصفات بديهية لكل من ينتسب إلى المخابرات إلا أن الغفلة والتواطؤ داخل السي آي إيه سهلت الطريق أمام الرجل ليصعد إلى قمة واحد من أهم الأقسام داخل الجهاز وهو قسم مكافحة الجاسوسية وتعقب الجواسيس السوفييت في الولايات المتحدة... حتى كان عام ١٩٨٤م نقطة البدء لسقوطه حين سافر إلى المكسيك، وهناك دخل في علاقة مع ملحقة ثقافية كولومبية واصطحبها معه لدى عودته إلى أمريكا بعد انتهاء مهمته في المكسيك، وفي واشنطن قرر طلاق زوجته والزواج من صديقته الجديدة، ولكن متطلبات الزواج والطلاق تكلفت مبالغ طائلة إضافة إلى أن زوجته الجديدة كانت تحب العيش المترف وهو ما وضعه في ورطة مالية خانقة لم يجد منها فكاكًا إلا ببيع بلاده... فحمل مجموعة من أخطر الوثائق وذهب بها إلى السفارة السوفييتية، وهناك كانت بداية تجنيد الرجل لصالح السوفييت... وتقاضي أولدريش ٥٠ ألف دولار نظير هذه الوثائق، وظل على علاقة مع المخابرات الروسية ضد بلاده لمدة تسع سنوات (١٩٨٥م - ١٩٩٤م) تقاضى خلالها 4,6 ملايين دولار أمريكي، ورغم ما ظهر عليه من علامات الترف إلا أن ذلك لم يلفت نظر النائمين في السي آي إيه، بل إن الذي حدث هو ترقيته ليصبح رئيسًا لمكتب مكافحة التجسس السوفييتي بالذات، وقد جعل هذا الموقع الجديد من إيميز دجاجة تبيض ذهبًا على حد قول جيمس آدمز فارتفعت بالتالي قيمة شيكاته المستحقة.... وظل الرجل هكذا حتى سقط عام ١٩٩٤م.
ولم يكن «إيميز» هو الوحيد الذي فجّر بركان الفساد داخل السي آي إيه، وإن كان هو الأخطر؛ ففي العام الماضي اعترف لويس فري مدير وكالة التحقيقات الفيدرالية «إف بي آي» في جلسة خاصة أمام مجلس الشيوخ الأمريكي أن إدوين بتس «43 سنة» الذي عمل في الوكالة لمدة ثلاثة عشر عامًا تم القبض عليه في منتصف شهر ديسمبر عام ١٩٩٦م بتهمة بيع أسرار تخص الأمن القومي الأمريكي إلى المخابرات الروسية وذلك خلال الفترة من عام ١٩٨٧م حتى عام ۱۹۹۲م مقابل ربع مليون دولار فقط.
وأكد لويس أن هناك ۲۳ وكالة مخابرات أجنبية تحاول التجسس على الاقتصاد القومي الأمريكي بما فيها المخابرات الروسية.
وقبل القبض على إدوين بشهر واحد تم القبض على هارولد نيكلسون العميل السري الوكالة المخابرات المركزية بتهمة بيع أسرار اقتصادية لموسكو وذلك بعد عملية سرية استغرقت ١٦ شهرًا قام خلالها بتجنيده أحد العملاء الروس الذي يعمل في الأمم المتحدة.
ولم يكن اختراق مؤسسة السي آي إيه بهذا الشكل هو صورة الفشل الوحيدة، فهناك صورة أخرى أبرزها سقوط العملاء، وافتضاح أمرهم كصورة أخرى من صور الفشل، فعلى امتداد العامين الماضيين ضبطت أربع دول حليفة للولايات المتحدة عمليات سرية تقوم بها المخابرات الأمريكية فوق أراضيها كان أبرزها العملية التي ضبطتها المخابرات الألمانية في شهر مارس من العام الجاري واكتشفت خلالها أحد ضباط المخابرات الكبار يحاول تجنيد مسؤول كبير في الحكومة الألمانية، وبعد هذه الواقعة اكتشفت إيطاليا والهند وفرنسا عمليات تجسس مختلفة وضعت المخابرات المركزية الأمريكية في مأزق وخجل من الفشل أرجعه المحللون المتابعون لهذا الشأن إلى نقص في الخبرة! بسبب اعتزال عدد كبير من قيادات الجهاز منذ نهاية الحرب الباردة عام ١٩٩١م.
وقد أحرجت المخابرات الفرنسية المخابرات الأمريكية عندما أعلنت في منتصف عام ١٩٩٥م عن عملية تجسس أمريكية لسرقة أسرار من وفد فرنسي كان يتفاوض مع وفد أمريكي في باريس حول العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وكانت بطلة القصة امرأة برتبة ضابط من المخابرات الأمريكية، وعلى إثر هذه الواقعة التي مثلت صفعة قوية للتخابر الأمريكي تواصلت عمليات ضرب التجسس الأمريكي في العديد من العواصم الأوروبية ... ففي روما وفي صيف عام ١٩٩٦م وجّه البوليس الإيطالي ضربة للمخابرات الأمريكية دون تخطيط مسبق، بل ودون قصد، فخلال مهاجمة البوليس لعصابة من المافيا اكتشف من التحقيقات أن أحد المقبوض عليهم من المجموعة هو ضابط مخابرات أمريكي كان يقوم بعملية تجنيد لبعض أفراد العصابة، والغريب أو المضحك أن وكالة المخابرات الأمريكية هي التي أبلغت البوليس الإيطالي بأمر العصابة، لكنها فيما يبدو تناست أن أحد ضباطها يوجد بين أفرادها في مهمة عمل!
وفي نيودلهي ضبطت المخابرات الهندية نائب مدير محطة المخابرات الأمريكية وهو يحاول تجنيد رئيس جهاز المخابرات المضادة للمخابرات الأجنبية.
وهكذا، تتواصل العمليات الفاشلة للمخابرات الأمريكية، لتكشف يومًا بعد يوم أن هذا الجهاز الذي يتم تصويره دائمًا على أنه يغالب الزمن ويصنع المعجزات ما هو -على أقل تقدير- إلا جهاز عادي إن نجح في بعض المواقع فإن الفشل الفاضح يصيبه في مواقع أكثر.