; من لليتامى والمعذبين يا مسلمون؟! | مجلة المجتمع

العنوان من لليتامى والمعذبين يا مسلمون؟!

الكاتب أبو ياسر

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1982

مشاهدات 68

نشر في العدد 589

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 05-أكتوبر-1982

  • عرفات «إنني أغادر وقلبي في بيروت» قلبه يعني ٤٠٠ ألف فلسطيني أعزل في لبنان».

  • البعد الحقيقي للقضية الفلسطينية في قول شارون.

  • العدو لا يفصل بين فلسطين والإسلام، فلماذا يحرص البعض من بني جلدتنا على ذلك.

  • من أحق برعاية هؤلاء.. المؤسسات التبشيرية أم الشعوب الإسلامية؟

  • هل حان الوقت لندعو إلى يونيسيف إسلامي؟

أسفرت المؤامرة الدولية على الشعب الفلسطيني عن تفريق ١١ ألف فدائي في ثماني دول عربية، وغادر عرفات بيروت قائلًا: إنني أغادر ولكن قلبي في بيروت، أجل لقد غادر بعد أن خدعه فيليب حبيب الماروني الصليبي الذي كان يبتسم في سخرية كلما مر ذكر كلمة «مقاتلين» في اتفاقية الانسحاب، إذ كان يفضل كلمة «إرهابيين» وهذا ما ذكره السفاح شارون.. غادر عرفات وترك وراءه ما بين ٣٥٠ ألف، ٤٠٠ ألف فلسطيني يعيشون حاليًا في لبنان، منهم ۲۰۰ ألف في بيروت نفسها، تعرضوا كما شاهد العالم كله إلى مجزرة لم ير التاريخ مثلها بعد أن خرجت القوات الأمريكية والفرنسية والإيطالية قبل انتهاء مدتها، وذلك في مؤامرة مفضوحة تشهد على اتساع المؤامرة وتعدد أطرافها. راح في هذه المجزرة أكثر من ثلاثة آلاف شهيد، وإن كان هؤلاء قد دفعوا ثمن التواطؤ الدولي، فلقد أراحهم الله من مشاهدة الفصول الأليمة المتبقية، والتي تستمر لإلغاء هوية هذا الشعب المبتلى، إن الشعب الفلسطيني يتحمل نيابة عن الشعوب الإسلامية والعربية المؤامرات الصهيونية والصليبية بكل إباء وجلد، لكن المخطط العالمي الرهيب أكبر من قدرة وحجم هذا الشعب الصبور، وبالرغم من هذا برز لهذه المؤامرات -كطليعة أولى للإسلام والعروبة- يدفع عنهم ويفتديهم بأبنائه ويتحمل في سبيلهم كل الآلام والمحن.

نقلت وكالات الأنباء عن السفاح شارون قوله: «لولا المعارضة لوصلت دباباتي إلى كراتشي» ولم كراتشي -بالذات- وليس نيودلهي مثلًا؟ وما علاقة كراتشي بالقضية الفلسطينية؟ هذا كلام يعكس رؤية العدو الصهيوني للبعد الحقيقي للقضية الفلسطينية، بعدها الإسلامي وليس كما يراها الزعماء العرب قضية شعب لاجئ. إن الفلسطينيين -في نظر شارون- كتيبة من كتائب الإسلام، إنهم في نظره حضارة إسلامية وعقيدة محمدية لا بد أن تباد من كراتشي إلى مراكش، وليكن الفلسطينيون الوجبة الأولى لهذه الإبادة.. وقبله في حرب سنة ١٩٦٧ صرح دايان وزير الدفاع الصهيوني آنذاك بقوله: «إن حرب الأيام الستة ردًّا على حروب اليهود في خيبر وفدك وغيرها» وتنقل الصحافة العالمية في الآونة الأخيرة أن العصابة الصهيونية تخطط لضرب المنشآت النووية الباكستانية بالتعاون مع عدو الإسلام «بابراك كارمل» زعيم الطغمة الملحدة في أفغانستان. لأن رؤية العدو لأبعاد القضية الفلسطينية لا تفصل أبدًا بين العروبة والإسلام مهما حاول البعض أن يرفع شعارات العلمانية اقتناعًا أو استرضاء للعدو.. إذًا القضية ليست قضية شعب فلسطين فحسب، وإنما قضية المسلمين جميعًا وسيحاسبون عليها أمام الله.

اليتامى وواجب المسلمين:

إذا كانت القضية الفلسطينية أمانة الجهاد والتكافل التي يجب على المسلمين تحملها، فهل قاموا بشيء من هذا طوال فترة الصراع.. إن صحائفهم عند الله سجلت عليهم أنهم أسلموا إخوانهم في فلسطين لعدو الله في كل معركة وتبنوا وجهة نظر العدو لحل القضية في المحافل الدولية، وأصبح هذا الاقتناع لا يخفى على الشعوب العالمية مسلمها وكافرها، ولننظر في مثال واحد لهذا التخاذل في معمعة حرب لبنان تسابقت المؤسسات التبشيرية الصليبية على استضافة أيتام الشعبين الفلسطيني واللبناني في كنائسها وأديرتها، وأرسلت الكثيرين منهم إلى العواصم الأوروبية لتلقى الرعاية هناك وتقديم البرامج الثقافية المناسبة لهم، ولم نسمع قط أن عاصمة عربية أو إسلامية بادرت -وهي أحق- برعاية هؤلاء الأيتام وكفالتهم ولكن -للأسف- سارعت ثماني عواصم عربية لاستضافة المقاتلين فحسب وبأجر دفعته الولايات المتحدة مقدمًا.

لماذا -يا مسلمين- دموع الراهبة تيريزا أحر على اليتامى المشردين من دموعنا؟ ولماذا أصبح كاسترو أرق فؤادًا وأكثر رحمة عليهم من حكامنا؟ ٥٠٠ طفل فلسطيني يتيم يذهبون إلى هافانا في كوبا بعد أن أغلقت في وجوههم المدن الإسلامية والعربية، مئات الأيتام من أبناء المسلمين في فلسطين ولبنان يتجهون إلى اليونان وإسبانيا وسويسرا وكوبا وقبرص ومئات غيرهم تكتظ بهم المؤسسات التبشيرية الصليبية في أماكن لا نعلمها.. كيف انفتحت لهم قلوب الكفر وتنكرت لهم قلوب المسلمين؟

لماذا اتسع معسكر «أرتيك» على ضفاف البحر الأسود في الاتحاد السوفيتي للأيتام الفلسطينيين، ولم تفتح لهم أبواب العواصم العربية؟ لم نر أو نسمع مسئولًا عربيًا واحدًا سمح للمؤسسات في بلاده برعاية هؤلاء الأيتام، والله لو أن شريعة الله تطبق لتزوج كل مسلم أرملة شهيد وتكفل برعاية صغارها جهادًا في سبيل الله وابتغاء مرضاته، ألا يكفي أن المسلمين سكتوا عن خروج آبائهم وإخوانهم المقاتلين من لبنان تاركين هؤلاء الأطفال وأمهاتهم في براثن الكتائب الصليبية لتذبحهم في صبرا وشاتيلا، ومن قبل أسلموهم للطغمة النصيرية في تل الزعتر وللعمالة في معارك أيلول الأسود.

الحاجة إلى يونسيف إسلامي:

إن الألفاظ التي تمتلئ بها عقيدتنا الإسلامية في القرآن والسنة عن كفالة الأيتام ما عادت تحرك جماهيرنا المسلمة نحو واجباتهم التي اندلعت المظاهرات العارمة في عواصم الغرب من أجلها في حين سكتت عواصمنا وحاصرت الشرطة فيها أي محاولة من هذا القبيل.. وكنا منذ مدة غير طويلة نتابع مجهودات وجيه عربي في أنشطة اليونسيف وتبرعاته السخية لأطفال العالم المحرومين...

فهل لنا أن نحيي عنده وعند أمثاله فكرة إنشاء يونسيف إسلامي يجمع شمل أيتام المسلمين في بقاع العالم، بدلًا من تسليمهم لعمليات المسخ التي تجرى لهم في العواصم التي تآمرت على تصفيتهم؟ يقول السيد مصطفى قرشولي سكرتير جمعية الصداقة الفلسطينية مع الشعوب الأجنبية والمشرف المرافق للأطفال الأيتام في روسيا «أحب أن أشير إلى جو التأخي والعناية الودية الذي يحيط بنا هنا من منظمة الكمسمول السوفيتية نحو إقامة أطفالنا، وتنظيم برنامجهم الثقافي أثناء مكوثهم في الاتحاد السوفيتي».

الغريب أن الاتحاد السوفيتي تخلى عن رجالهم في معارك لبنان، وها هو يستضيف أيتامهم.. هل يريد أن يتشفى برؤية المشردين على أعتابه؟ ثم ما هذه البرامج الثقافية التي تقدم للأيتام المسلمين في الاتحاد السوفيتي وكوبا؟ نحن نعلم أن مثل تلك البرامج نجحت في فصل أبناء المسلمين في روسيا عن عائلاتهم وأرضعتهم بألبان الماركسية.

كانوا يجوعون الطفل المسلم في معسكرات الشبيبة في روسيا حتى يطلب الطعام باسم لينين بدلًا من اسم الله.

لهذا ومثله -يا مسلمون حكامًا ومحكومين- نحن بحاجة إلى يونسيف إسلامي.

إن المؤسسات التبشيرية تقدم للأيتام -قبل إطعامهم- برامج صلوات يشكرون فيها الأب والابن والروح القدس الذين عملوا على إنقاذهم، ويغرسون فيهم -بهذا- الحقد على الإسلام والمسلمين فإذا كبر نلومه ونلوم أمثاله لأنه أصبح عضوًا في منظمة تعمل ضد المسلمين... والأطراف الماركسية والصليبية والصهيونية تؤدي دورها تمامًا وتستفيد من مآسي الشعب الفلسطيني في كل شيء، ولا ترى فيه سوى أنه شعب مسلم لا غير.. وإيواء الأيتام لا يعفي تلك الأطراف من تحملها لأسباب المشكلة أساسًا، لكن الحساب العسير واللوم الشديد أمام الله يقع على المسلمين حكامًا ومحكومين، ولن تساوي عروشهم كلها صرخة يتيم واحد أو دمعة أم ثكلى في أي بقعة إسلامية. إن أرض الإسلام كلها ملاذ وملجأ المسلمين جميعًا وجواز حلهم وترحالهم فيها قول أحدهم «لا إله إلا الله محمد رسول الله» هذا القول عقيدة وواقع ضروري.

مأساة أخرى:

وإذا أحصينا مآسي الشعب الفلسطيني فهي كثيرة وتحتاج إلى مجلدات، وكلها ملحة وأليمة ومن أكثرها إلحاحًا -في الوقت الحالي- بجانب قضية الأيتام المشردين قضية حملة الثانوية العامة من أبناء فلسطين في العواصم العربية، حيث يدورون وقد حفيت أقدامهم بحثًا عن مكان في جامعة أو معهد دون فائدة.. درجاتهم عالية، وبالرغم من هذا تغلق الجامعات العربية أبوابها دونهم بحجج شتى، منها قلة الأماكن لقلة الإمكانيات، وهذا عذر أقبح من ذنب لأن أموال العرب تفيض وتسيل خيرًا عميمًا من كوريا وحتى البرازيل، فلمَ يضن بها على أبناء الإسلام؟ أهي مؤامرة؟ والواقع يقول إنها مؤامرة فعلًا، ولكنها في النهاية مؤامرة ضد الإسلام والمسلمين، لأنه حين تغلق الجامعات العربية أبوابها في وجههم وتفتح لهم جامعات موسكو وبلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا أبوابها، لهم ثم يعودون منها وقد امتلأت رؤوسهم بنظريات ماركس ولينين، نكون بهذا ألجأناهم قصدًا -للعمل ضد الإسلام. وحين تفتح لهم جامعات الولايات المتحدة ذات المصاريف الباهظة أبوابها نضطرهم أيضًا إلى الوقوع في براثن المنظمات المعادية التي تعمل ضدنا.. يقول أحد الدارسين من أبناء فلسطين في الخارج: «إن المساومات والمحاصرات التي تمارسها المنظمات المشبوهة ضدنا تستغل فينا حاجتنا إلى المال، وتذكرنا بموقف الآخرين منا، وبهذا يسقط بعض ضعفاء النفوس فريسة سهلة لها، وكثيرون يقطعون دراستهم بسبب هذه المطاردات».

رجاء أن تعيد الجامعات العربية سياستها التعليمية بخصوص هؤلاء، لأن كثيرين منهم نوابغ يمكن أن يعودوا بالفائدة العلمية على شعوبنا المتخلفة، علاوة على أن مردود الاحتفاظ بهؤلاء داخل دور المؤسسات التعليمية في عالمنا الإسلامي مردود سياسي طيب بالدرجة الأولى والوقائع المشهورة تثبت ذلك.

فيا ليت الجامعة العربية تطرح جوانب هذه القضية وتجد لها حلًا عاجلًا.. ومن الجدير بالذكر أن السعودية أعلنت معاملة الطلبة الفلسطينيين معاملة أبنائها، ونأمل ألا يقتصر هذا العمل على المقيمين فيها، ونرجو المسئولين هناك أن يسارعوا في تطبيق هذه المبادرة الطيبة.

كما أن هذه المأساة تضاف إلى هموم أبي عمار التي عليه أن يجد لها حلًا سريعًا، فيكفي الشعب الفلسطيني ما فيه من تمزق -أم يراد له أن يؤسس دولته على أكتاف خريجين من الجامعات الماركسية، وخريجين من الجامعات الصليبية، فتضطرب بهذا أفكارهم وتصطدم توجهاتهم فيعيشون على الخلاف والتمزق؟ إن إنشاء جامعة فلسطينية أو تجميع أبناء فلسطين في جامعات العالم الإسلامي يوحد على الأقل -رؤاهم السياسية لمواصلة الكفاح بفكر واحد، ويجنبهم صراع الثقافات المتباينة التي هي أخطر علينا جميعًا من الاحتلال العسكري.

قضيتان عاجلتان تحمل كل منهما آثار التشرد والضياع.. لا يمكن أن يتصور مسلم أن يتسع صدر «بريجينيف» لأيتام المسلمين، وتضيق صدور المسلمين، ولا يمكن أن يتصور مسلم أن عدد الطلبة الفلسطينيين في جامعات العدو الصهيوني ومعاهده أكثر من عددهم في جامعات العالم العربي. إن تصرفات بعض الأنظمة في مثل هذه القضايا لا يفسرها المواطن العربي إلا بالعمالة والتواطؤ في المؤامرة، وإن الأمر كله لا يعدو إلا توزيع الأدوار، فنظام يذبحهم في تل الزعتر وصبرا وشاتيلا، ونظام يغلق حدوده وجامعاته ومدارسه في وجوههم، والأمر سيان، فتدمير المخيمات بالقنابل والقذائف موت سريع وتجريد الإنسان من فرص التعليم موت بطيء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل