; من لجائعي العالم؟ | مجلة المجتمع

العنوان من لجائعي العالم؟

الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني

تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2002

مشاهدات 81

نشر في العدد 1495

نشر في الصفحة 49

السبت 06-أبريل-2002

 نمط جديد للتنمية يبدأ من الريف ويعتمد على الذات كحل للمشكلة

كان التفاوت ضئيلًا بين مناطق العالم حينما رسم البحارة خريطة الكرة الأرضية وقاموا بتقسيمها. والآن أطلقت المجتمعات ما بعد الصناعية في نصف الكرة الشمالي تقنيتها إلى الفضاء بينما نجد العالم النامي أسفل خط الاستواء يصارع الجوع والجفاف والديون والتخلف آفات العصر ولا يزال معظم السياسات المتبعة في مجال التعاون الدولي غير قادر حتى الآن على تغيير حقيقة بارزة تتمثل في أن نصف البشرية لا يزال يعيش الفاقة.

لقد تغيرت أسس الحوار أو المواجهة بين الشمال والجنوب، حتى إن الأزمات والصراعات الاقتصادية التي تهز النصف الجنوبي للكرة الأرضية اكتسحت الحواجز التي تحمي الشمال إن المأزق الذي يواجه النصف المتخلف من العالم يشكل أولوية سياسية، وهو في الوقت ذاته يحتل مركز الصدارة فيما يسميه نادي روما إشكالية العالم.

فقد شدد النادي منذ تأسيسه عام ١٩٦٨م ثم مرة أخرى في عام ۱۹۷۲م في تعليقاته على تقرير حدود النمو على الأهمية التي تحتلها المصاعب التي تواجه العالم الثالث في إطار الإشكالية الدولية.

يقول دينيس ميدوز: إن أي تحسن جوهري في وضع ما يسمى بالأمم النامية يشكل شرطًا ضروريًا للتوازن الدولي، وهو تحسن مطلوب بشكل مطلق وضروري بالنسبة للأمم المتطورة بالمثل.

تعميمات مبهمة

جاء في أحد التقارير الاقتصادية الرسمية الصادرة في جنيف أن ما يزيد على ٥٢ ألف خبير قد تجادلوا حول قضايا العالم الثالث في ما يقرب من ۱۰۲۰ اجتماعًا، انعقد خلالها نحو ١٤ ألف جلسة عمل.

وانطلاقًا من عدم فاعلية الكثير من تلك المساعي قام موريس جورنييه بتقديم تقرير إلى نادي روما يحمل عنوان «العالم الثالث ثلاثة أرباع العالم»، حدد فيه مرحلة لعمل ملموس وفوري.

وتركزت أهم توصياته ابتكارًا حول إيجاد وتكوين مجموعات تنمية كبيرة داخل العالم الثالث والمجموعات المقترحة هي: أمريكا اللاتينية، أفريقيا، الشرق الأوسط، شبه القارة الهندية، جنوب آسيا.

وعلى أي حال، فإنه بعد أربع سنوات من الجهود لم تتجاوز التوصيات النهائية ما هو أكثر من التعميمات المبهمة.

ثم قدم رينيه لينوار تقريره لنادي روما تحت عنوان: «العالم الثالث يستطيع أن يطعم نفسه» واستعرض في هذا التقرير مدى توافر الغذاء واعتماد بلاد العالم الثالث على استيراد الغذاء في القرن المقبل.

واقترح لينوار خطة لعب بديلة تدعو إلى تعبئة سكان الريف بينما تلتزم الحكومات بهيكل عادل للأسعار، مع توافر بنية أساسية لضمان وصول المنتجات إلى الأسواق والمستهلكين.

ومن ثم خصص نادي روما تقارير عدة ودراسات متنوعة متلاحقة لقضايا العالم الثالث إيمانًا منه بأن تلك القضايا بمثابة التحدي الرئيس في عصرنا الراهن.

ثورة الحفاة

بيد أن نادي روما قرر أن يغير أسلوب عمله ومعالجاته على أمل أن تجذب تقاريره ودراساته جمهورًا أكبر.

لذلك جاء كتاب أو تقرير «ثورة حفاة الأقدام» لـ«برتران شنايدر» حصيلة لملاحظات ميدانية دقيقة وتحليلًا لسير أعمال معينة على مستوى القرى والمجتمعات المحلية في عشرات المناطق بالعالم الثالث.

هدف هذا التقرير يتمثل في محاولة إجراء استعراض شامل لاتجاه رئيس في التنمية من خلال تحليل تفصيلي لسلسلة من مبادرات ريفيين عاديين في تسعة عشر بلدًا من بلاد العالم الثالث.

إن ثورة «الحفاة» هذه التي لا يمكن مقاومتها هي ثورة سلمية ولكن من الصعب التنبؤ بالمسار الذي يمكن أن تتخذه إذا تم وضع عقبات وحواجز عدة أمام مجراها وقد بدأت المجتمعات الريفية في العالم الثالث تدرك أنها جديرة حقاً بتحمل مسؤولية التنمية الاقتصادية لبلادها على الرغم من فقرها وعزلتها، وأصبحت تدرك أن في الإمكان التخلص من وضعها الحرج.

إن التنمية الريفية في العالم الثالث لا تشكل بالنسبة لبلايين الفلاحين قضية حياة أو موت فحسب، بل وتؤثر أيضًا في أمن وسلام كل أمة من الأمم. إن ثورة حفاة الأقدام توثيق أمين وتحليل متعاطف للتجارب التنموية الصغيرة لملايين البشر، مما لا يجد عادة مكانًا في أدبيات التنمية ولا يجتذب اهتمام وسائل الإعلام مع أن هؤلاء الفقراء هم جوهر التنمية بمعناها الحقيقي وتقرير «ثورة حفاة الأقدام» لشنايدر عبارة عن مشاهدات المؤلف وفريق العمل الدولي في أكثر من ۱۹ مجتمعًا في العالم الثالث بما في ذلك مصر.

أعد التقرير برعاية نادي روما وترجم إلى عدد من اللغات الحية، وأحدث صدى كبيرًا بين قادة الرأي من رجال الاجتماع والاقتصاد والسياسة باعتباره يمثل نظرة ثانية تبرز الوجه الآخر لأزمة عميقة تفرض نفسها بإلحاح على ضمير الإنسانية في الجزء الأخير من القرن العشرين.

أخيرًا، فإن بزوغ أي ظاهرة جديدة قد يضفي طابعًا قويًا على إشكالية العالم؛ لذا فإن هناك نمطًا جديدًا للتنمية يتشكل الآن على مستوى المجتمعات المحلية والقرى في المناطق الريفية بالعالم الثالث يعتمد على الذات والتنمية الذاتية.

الرابط المختصر :