العنوان الخلفيات الدفينة وراء الحرب الهندية- الباكستانية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1972
مشاهدات 91
نشر في العدد 88
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 22-فبراير-1972
الخلفيات الدفينة وراء الحرب الهندية- الباكستانية
ما هو هدف القوى العالمية، وأين الخطأ في موقف باكستان؟
انتهت الحرب بين الهند والباكستان بسقوط باكستان الشرقية التي أعلنتها الهند دولة مستقلة باسم «بنغلادش»، ولهذا الحدث خطورة كبيرة تستدعي دراسة الموضوع من كافة جوانبه مع كل أبعاده واحتمالاته، مع إلقاء نظرة تاريخية قد تعيننا على فهم الأحداث.
الإسلام في شبه القارة الهندية:
دخل الإسلام شبه القارة الهندية الباكستانية علي يد محمد بن القاسم في خلافة عبد الملك بن مروان، ومنذ ذلك الحين أخذ ينتشر بين السكان -وخاصة في المناطق الشمالية الغربية- على يد المبشرين والتجار العرب، وليس بحد السيف كما يزعم المستشرقون.
وعندما أخذت الدويلات الإسلامية تتسع امتد نفوذها إلى شبه القارة، وعبر ممر خيبر، وكان أول هؤلاء الفاتحين ملوك غزنه وخاصة سبكتكين الذي فتح شمال الهند سنة ۹۸۸م، وتبعه ابنه محمود الغزنوي الذي شن ۱۷ غزوة على الهند، وبعد الدولة الغزنوية جاءت دولة المماليك الأتراك، واستطاع السلطان محمد الغوري أن يمد نفوذ المسلمين حتى حدود البنغال، وأقام خليفته قطب الدين أيبك عاصمته في دفي بين ۱۲۰٦- ۱۲۱۰م.
وتتابعت الدولة الإسلامية في حكم الهند، فجاءت أسرة الخلمي ۱۲۹۰- ۱۳۲۰، وامتد نفوذهم إلى جنوب الهند، ثم أسرة تعلق ۱۳۲۰- ١٤١٤م، ولكن عندما بدأت هجمات المغول على يد تيمور لنك ضعف المسلمين في الهند، وانقسموا إلى دويلات إلى أن استطاع أحد أحفاد جنكيز خان وهو ظهير الدين بابر أمير كابل أن يوحد الإمارات بعد أن هزم ملوك أسرة لودي في موقعة بانيبت الأولى سنة ١٥٢٦ وأسس إمبراطورية المغول الإسلامية العظيمة، واشتهر من أباطرة المغول الإمبراطور أكبر الذي مكث في الحكم زهاء خمسين عامًا ١٥٥٥-١٦٠٥ قضاها في الإصلاح ونشر الثقافة والآداب والفنون واشتهر بسماحته الدينية، وخلفه جهانكير ١٦٠٥-١٦٢٧ ثم شاه جیهان ۱۹۲۸- ١٦٥۸ الذي بنى تاج محل وكثيرًا من المساجد التي ما زالت موجودة حتى الآن. وخلفه أور نكزیب ۱٩٥۸- ۱۷۰۷.
وبوفاته بدأ الضعف يدب في الدولة الإسلامية وانتهز الهندوس الفرصة وأعلنوا العصيان والتمرد، وتمادى أمراؤهم في اضطهاد المسلمين في الدويلات التي انسلخت من الإمبراطورية المغولية، وعندها جاء المستعمرون الأوروبيون من إنجليز وفرنسيين وبرتغاليين وهولنديين تعاون معهم الهنادك انتقامًا من المسلمين ومهّدوا لهم الطريق لإخضاع البلاد بسيطرتهم، واستطاع الإنجليز الانفراد بالسيطرة بعد أن تغلبوا على منافسيهم المستعمرين الآخرين. كان الإنجليز في بداية أمرهم مجرد تجار في الموانئ الرئيسية وخاصة في كلكتا «بالبنغال الغربية»، ثم استعانوا بجيوش دولتهم لتثبيت أقدامهم مستعينين أيضًا بالهندوس.
وبعد أن سيطر الإنجليز على شبه القارة بأسرها لم ينسوا المقاومة الشديدة التي لقوها على أيدي المسلمين كما لم ينسوا العون الذي قدمه لهم الهنادك؛ فكان اهتمامهم الأكبر خلال حكمهم مُنصبًّا على تطوير المناطق التي يسكنها غالبية من الهندوس فأقاموا بها المدارس والمصانع وغير ذلك من مرافق التنمية والعمران ومثال ذلك البنغال الغربية وغيرها، وأهملوا المناطق التي يسكنها غالبية المسلمين فحرموها من العلم والثقافة والعمران، وهذا واضح جدًّا في مقاطعة البنغال الشرقية التي تكون الآن باكستان الشرقية.
وهكذا وجد الهندوس من يشجعهم على اضطهاد المسلمين وإضعافهم حتى لا يعودوا إلى الحكم، ويستعيدوا أمجادهم. لقد كان زعماء الهندوس يعملون على القضاء على كيان المسلمين وإذابتهم في القومية الهندية تحت شعار الوحدة الوطنية، ولكن زعماء المسلمين انتبهوا لذلك وبدأ حزب الرابطة الإسلامية يعمل من أجل حفظ كيان المسلمين ويذود عن حرياتهم؛ مما جعله يدخل في نزاع مع حزب المؤتمر الهندي، وانتهز الإنجليز هذه الفرصة فراحوا ينمون هذه الخلافات فدعوا زعماء الحزبين، وكذلك عدد من الأمراء لعقد اجتماعات المائدة المستديرة في الفترة بین ۱۹۳۰ و۱۹۳۲، وفشلت المفاوضات وازداد الخلاف.
وفي سنة ١٩٣٥ سنَّت الحكومة البريطانية دستورًا جديدًا يعلن نوعًا من الاتحاد الهندي ولكنه ظل حبرًا على ورق فقد رفض معظم أمراء الولايات الانضمام إلى الاتحاد المقترح، وخاف المسلمون من الوقوع تحت رحمة الحكم الهندوسي، ثم انتقل الصراع إلى المقاطعات حيث منحها الدستور نوعًا من الحكم المحلي، وشكَّل حزب المؤتمر وزارات في سبع من المقاطعات الإحدى عشرة؛ ستة منها فيها أغلبية هندوسية وهي مدراس وبومباي والمقاطعة المتحدة وبیهادر وأوريسا والمقاطعة الوسطى، أما المقاطعة السابعة وهي مقاطعة الحدود الشمالية الغربية فكانت مسلمة؛ إلا أن رئيس حكومتها كان من حزب المؤتمر وهو خان عبد الغفور خان «العميل الخائن الذي يؤيد التقسيم». وأقامت حكومات تلك المقاطعات- وقد انضمت إليها مقاطعة (أسام) فيما بعد التي بها غالبية من الهندوس- حكمًا استبداديًّا، فاضطهدت المسلمين، وحرمتهم من حقوقهم؛ وخاصة في مجال التعليم، وحرمتهم من فرصة تولّيهم مناصب قيادية أو الاشتغال بالسياسة، كما انتشرت العصابات الهندوسية المتعصبة مثل حزب المهاسبها وجان سانغ وغيرهما.
بدأ المسلمون يحسون بالخطر الذي يهددهم إذا هم أذعنوا لحكم الأغلبية الهندوسية، وكان أول من صرح بهذه المخاوف فيلسوف باکستان وشاعرها الأول الدكتور محمد إقبال، وكان ذلك في عام ١٩٣٠ حين نادى في مؤتمر لحزب الرابطة الإسلامية بإنشاء وطن خاص بالمسلمين، وتبنى بعد ذلك حزب الرابطة الإسلامية القائد الأعظم محمد علي جناح هذه الفكرة، ووضعها موضع التنفيذ سنة ١٩٤٧، أما إعلان قرار إنشاء دولة الباكستان فقد تم في مدينة لاهور في ٢٣ مارس عام ١٩٤٠، وكان الشخص الذي أعلن هذا القرار زعيمًا مسلمًا من البنغال..
وتحت ضغط المسلمين، وبعزم القائد الأعظم وصبره اضطر الإنجليز في ٣ يونيو إلى إعلان تقسيم شبه القارة إلى الهند وباكستان على أن تتكون الباكستان من البنغال الشرقية في الجناح الشرقي، وقسمت مقاطعة البنجاب ليصبح الجزء الغربي مع مقاطعة الحدود الشمالية الغربية والسند وبلوجستان في الجناح الغربي، وحدد يوم ١٥ أغسطس لتسليم الحكم إلى الدولتين، وفي خلال فترة الشهرين ونصف الشهر تلك جرت مذابح ضد المسلمين على أيدي العصابات الهندوسية المتعصبة المسلحة راح ضحيتها مئات الآلاف من المسلمين معظمهم من النساء والأطفال.
وراح الهندوس ينكلون بالمسلمين تنكيلًا، وأرغموا عدة ملايين منهم على ترك أوطانهم في الولايات والمقاطعات التي يسكنها غالبية من الهندوس، فلجئوا إلى الباكستان بعد أن سلبت أموالهم وممتلكاتهم، وانتهكت أعراضهم ومُثل بهم تمثيلًا.
وكانت توجد في الهند عشرات من الإمارات التي كانت تتمتع بنوع من الحكم الذاتي، وقد ترك الإنجليز لها الخيار إما الانضمام إلى الهند أو إلى الباكستان ومن بين هذه الولايات ولاية حيدر أباد «الدكن»، وقد قرر حاكمها المسلم «النظام» أن يظل مستقلًا. ولكن الهند اجتاحت حيدر أباد بجيوشها ودباباتها، وأبادت جيش النظام الذي لم يكن لديه دبابة واحدة.
أما كشمير التي غالبية سكانها مسلمون فقد أغرت الهند حاكمها المهراجا الهندوسي بأن يعلن انضمامه إلى الهند فلم يرض الشعب المسلم عن هذا، فانبرى لمساعدتهم رجال القبائل عبر الحدود الباكستانية وإنقاذهم من بطش جيش المهراجا، ثم دخل الجيش الهندي واحتل الولاية، وخاضت الدولتان حربهما الأولى بين أكتوبر ١٩٤٧ ويناير ١٩٤٩، ومكن المهراجا الهند من الاستيلاء على الجزء الأكبر والأخطر من كشمير الذي يضم وادي كشمير الجميل ومنطقة جمو، وتدخلت الأمم المتحدة، وأوقفت القتال في يناير ١٩٤٩، وأرسلت لجنة للتوفيق وإجراء استفتاء بين السكان، ولكن الهند كانت قد احتلت الإمارة، ورفضت الاستفتاء، ولم تستطع الأمم المتحدة أكثر من أن ترسم خطًّا لوقف إطلاق النار بين الجانبين، وعمدت الهند إلى ضم الولاية إلى الاتحاد الهندي لتصبح جزءًا لا يتجزأ منها، ولكن باكستان لجأت إلى مجلس الأمن الذي أصدر قرارًا في ٢٤ يناير سنة ١٩٥٧ بعدم الاعتراف بخطوة الهند بضم الولاية، وأقر مرة أخرى إجراء استفتاء حر نزيه، ولكن الهند ما زالت حتى الآن ترفض، وتماطل واضعة الجميع أمام الأمر الواقع.
وفي عام ١٩٦٥ تفجر الصراع بشأن كشمير وقامت الحرب بين البلدين، واستمرت ثمانية عشر يومًا كانت الغلبة فيها للباكستان، فاحتلت قسم کشمیر.. وهنا تدخلت الدول الكبرى، وفرضت وقف إطلاق النار، وفي طشقند في روسيا اجتمع شاستري رئيس وزراء الهند وأيوب خان رئیس جمهورية باكستان، ووقّعوا ميثاق طشقند المذل الذي جرد الباكستان من ثمرة انتصارها، وتعهد المؤتمرون بحل قضاياهم بالطرق السلمية.. وبذلك أسدل الستار نهائيًّا على استرجاع كشمير، ومنذ ذلك اليوم سقط أيوب خان على المستوى الشعبي في الباكستان.
نظرة عامة عن البلاد:
الباكستان بلد ذو مساحة كبيرة تنقسم إلى قسمين: قسم في الشرق وهو الأصغر مساحة والأكثر سكانًا، والآخر في الغرب وهو الأوسع مساحة والأقل سكانًا، ويفصل بين القسمين أكثر من ألف ميل، وتحيط الهند بالقسم الشرقي من جميع نواحيه باستثناء الجنوب؛ حيث يقوم خليج البنغال، أما القسم الغربي فتحده أفغانستان وإيران من الغرب، والبحر العربي من الجنوب، والهند من الشرق والشمال الشرقي.
يقطن باكستان الشرقية حوالي 70 مليونًا؛ غالبيتهم بنغال وفي الغربية 50 مليونًا، ويتوزع سكان باكستان على الشكل التالي:
(۱) 88٪ من المسلمين «منهم 3٪ قادیانیون، و10٪ شيعة، والبقية سنة». (۲) 2-4٪ من المسيحيين.
(۳) حوالي 10٪ هندوس «في الشرقية».
ويلاحظ أن نسبة التعليم في باكستان الغربية لا تعدو 10-15٪ من مجموع السكان وهي في الشرقية أقل من ذلك بكثير، وفي البلاد إقطاع كبير يسيطر على مقدرات البلاد، وتكاد تكون الطبقة الوسطى معدومة فهي لا تشكل أكثر من 10٪ من مجموع السكان بينما الـ 90٪ من السكان طبقات فقيرة معدمة، وتعتبر فئة العساكر أحسن هذه الطبقات امتيازًا ودخلًا، ويعتبر القاديانيون والشيعة والإسماعيليون على رأس الجهاز العسكري في الباكستان، ويكفي أن نعرف أن أيوب خان هو الحاكم المسلم السني الوحيد من بين حكام باكستان منذ التقسيم عام ١٩٤٧. والشعب في عمومه ذو عاطفة دينية؛ فجميع طبقاته تعلم بأن الباكستان دولة قامت وانفصلت عن الهند باسم الإسلام؛ ولهذا السبب راح زعماء الباكستان من أمثال علي بوتو يرفعون الشعارات الإسلامية مثل الاشتراكية الإسلامية وغيرها.
هذا ومع الجهل المطبق والعاطفة الدينية غير الواعية والإقطاع المسيطر وتحكم القاديانيين في الجهاز العسكري والفساد الكبير الذي انتشر في الطبقات المثقفة قامت النعرات القومية؛ ففي الشرق شعار البنغاليين «حطموا الباكستان، وأقيموا دولة البنغال».
وفي الغرب كذلك قامت النعرات القومية والاشتراكية حتى صار الغربي ينظر نظرة استعلاء واستغلال، والشرقي نظرة حقد ورغبة في الانفصال، ولقد قوّى هذه النزعات الانفصالية بطريق مباشر أو غير مباشر جميع حكام الباكستان الذين وقفت الهند وأمريكا وبريطانيا وراءهم منذ الاستقلال وحتى الآن.
الانتخابات الأخيرة في البلاد:
قبيل الانتخابات الأخيرة في الباكستان عمّت البلاد موجات من المظاهرات وأعمال العنف في جميع أنحاء باكستان؛ مما دعا أيوب خان إلى الدعوة إلى مؤتمر المائدة المستديرة ليسلم الأحزاب الحكم، ولكن علي بوتو مع ممثل حزب عوامي في باكستان الشرقية رفضوا الاستمرار في حضور المؤتمر حتى يطلق سراح مجيب الرحمن الذي كان في السجن بتهمة التآمر مع الهند على وحدة البلاد وبتهمة الخيانة العظمى؛ مما اضطر أيوب خان أن يطلق سراحه.. ثم سقط أيوب خان، وجاء بعده يحيى خان، وأجريت الانتخابات والبلاد في حالة فوضى وتدخل من قبل الحكومات الأجنبية. واكتسح علي بوتو أصوات باكستان الغربية، واكتسح مجيب الرحمن أصوات باكستان الشرقية.
وقد لعب علي بوتو دورًا خطيرًا في هذه المرحلة ساهم بقدر كبير في تطور الأمور ودفعها إلى الحالة التي وصلت إليها؛ فقد دعا مجيب الرحمن لانعقاد الجمعية التشريعية وتسليمه حكم البلاد باعتباره صاحب الأكثرية البرلمانية، ولكن علي بوتو لم يرض بهذا الوضع، فأقنع يحيي خان بتأجيل البرلمان وهنا انفجر الموقف، وقامت التظاهرات العنيفة في دكا عاصمة باكستان الشرقية تزمجر وتدمر وتحرق وتقتل كل شيء غير بنغالي، وأعلن حزب عوامي بزعامة مجيب الرحمن قراره بإنشاء «بنغالادش القوية الحرة» وأعلن الإضراب العام وبدأت الصحف والإذاعة تروج لعملية الانفصال، وقد أعلن حزب عوامي بأن 23 مارس 1971 هو يوم المقاومة الشعبية لتحرير البنغال من سلطة المحتل الغاشم.
وفي يوم 25 مارس تحرك الجيش ليقمع هذه التحركات بمنتهى القوة والبطش، وفي كلتا الحالتين كان يعمق الانفصال وتتخذ أسبابه؛ ففي المرحلة التي سيطر فيها مجيب الرحمن وأنصاره عملوا على اضطهاد المسلمين غير البنغاليين وقد ذهب ضحية هذا الاضطهاد عشرات الألوف من المسلمين، وكذلك حين سيطر الجيش على الوضع قتل ونكّل بعشرات الألوف من المسلمين البنغاليين، وفي كلتا الحالتين نال الجماعة الإسلامية أذى كبيرا وقتل على أيدي الفريقين عدد من رجالها، وقد أصدرت الجماعة الإسلامية بيانا بتاريخ 8/6/1971 استنكرت فيه أعمال السلطة وحذرتها من مغبة أعمالها الوحشية.
الحرب بين الهند والباكستان:
وفي 3 ديسمبر 1971 أعلنت الهند الحرب على الباكستان وركّزت هجومها على باكستان الشرقية وفرضت حصارا على خليج البنغال وبذلك عزلت باكستان الشرقية عن العالم فلا إمدادات ولا ذخيرة ولا اتصال مع باكستان الغربية.. وكانت القوات الباكستانية تقدر بمائة ألف جندي بقيادة الجنرال نيازي الذي أعلن أنه سيقاتل حتى آخر جندي في جيشه، وبعد خمسة عشر يوما سطّر فيها الجنود الباكسانيون أسمى آيات الشجاعة والقتال الرائع مع القوات الهندية الغازية توقف القتال بعد أن تلقى الجنرال نيازي أوامره من يحيى خان بالتسليم وإيقاف القتال.
سقوط دكا وإعلان بنغالادش:
ويوم 18 ديسمبر 1971 دخل الجيش الهندي دكا وأعلن قيام حكومة البنغال الوطنية ودعا العالم للاعتراف بالدولة الجديدة وأعلنت رئيسة وزراء الهند أن الجيش الهندي سينسحب بعد اعتراف العالم بدولة البنغال المستقلة.
وبعد ذلك بيوم واحد قامت في الباكستان الغربية مظاهرات عنيفة تدعو إلى استمرار القتال وتنادي بسقوط يحيى خان، وعلى أثرها تولى علي بوتو منصب رئيس الجمهورية في الباكستان.
هذا عرض سريع للأحداث المؤسفة التي حصلت في باكستان ما بين 23 مارس 1971 و18 ديسمبر 1971، ما بين بدء الأحداث وسقوط دكا.
والآن لنحاول إجراء تحليل سريع للأحداث:
١) يكاد يجمع المراقبون على أن القوى العالمية لعبت دورًا رئيسيًّا في هذه الحرب.. فهذه القوى حرصت على الحرب، وعملت على انفصال باكستان الشرقية تحت اسم بنغلادش، وعلى الرغم أن الهند اعتمدت على أنصار مجيب الرحمن المؤيد لها وللاتحاد السوفياتي فإن أمريكا تعتقد أنها تستطيع كسب الجولة في التحرك السياسي وعن طريق المساعدات في المستقبل؛ حتى إن الأنباء أشارت إلى اتفاق ضمني بين الهند وأمريكا اقتضى تحريك الأسطول الأمريكي إلى خليج البنغال، لا لإيقاف القتال بل لإنهاء احتلال دكا، كما أن السفارة الأمريكية كانت صلة الوصل بين الجنرال نيازي، وبين القيادة الهندية المحاصرة لدكا.
(٢) لا يمكن إلا الاعتراف بالخطأ الكبير الذي ارتكبته الحكومة العسكرية برئاسة يحيي خان لرفضه قبول نتائج انتخابات كانون الأول الماضي في باكستان الشرقية وعدم تسليمه الحكم إلى صاحب الأغلبية البرلمانية الشيخ مجيب الرحمن واعتقاده بأن جيشه قادر على إسكات الرأي العام الثائر بطلقات المدافع.
(٣) لا شك أن الروس يأتون على رأس قائمة الرابحين في هذه الحرب؛ حيث لم يكلفهم هذا النصر سوى استعمال «الفيتو» في مجلس الأمن وثمن تعويض الدبابات والطائرات التي فقدتها الهند، وفي نفس الوقت كانت الحرب والنتيجة التي آلت إليها ضربة كبيرة للسياسة الصينية وهيبتها النامية في آسيا.. فالصين وقفت إلى جانب الباكستان في حرب ١٩٦٥، وكذلك فعلت في هذه الحرب، ولكن في المرة الأولى كانت مساعداتها فعالة، أما هذه المرة فقد رفضت السماح للباكستان باستعمال الطريق الذي يصل الصين بباکستان الشرقية، وقد عزا المراقبون ذلك إلى عدة أسباب منها التغيير الذي طرأ على زعامة الصين وخاصة إبعاد وزير الدفاع، ومنها إدراك الصين لحقيقة اللعبة الدولية واتفاق كافة الأطراف على تقسیم باکستان فلم تزج بنفسها في صفقة خاسرة، ومنها اعتقادها بأن باستطاعتها كسب ود البنغاليين في شرق الباكستان لا سيما وهناك حزب شيوعي قوي مؤيد لبكين في البنغال، ومنها أن الصين لا ترغب في أية مواجهة مع أمريكا أو مع روسيا في الوقت الحاضر.. وإذا أجادت الصين حرب التحرير الشعبية وحروب العصابات فهي لا تستطيع المواجهة مباشرة مع هذه الدول.
(٤) يعتبر الموقف السوفياتي المؤيد بقوة للهند الغازية المهاجمة لدولة مستقلة غريبًا ومناقضًا لجميع المواقف السوفياتية السابقة فيما يتعلق بالنزاعات الإقليمية والتي كانت تدعو روسيا دائمًا إلى حلها بالطرق السلمية وعن طريق المفاوضات؛ سيما وأن الاتفاق الذي أنهى الحرب الهندية الباكستانية في عام ١٩٦٥ كان على الأراضي الروسية وبمباركتها.
ويفسر المراقبون هذا التغير الطارئ على السياسة الروسية بأنه موجه مباشرة ضد الصين بإنزال هزيمة سياسية كبيرة بها في بداية عهدها بالأمم المتحدة، ثم بالسعي لاحتضان الدولة الجديدة في بنغلادش؛ حيث إن روسيا لا الهند هي القادرة على تزويدها بالمساعدات ولمدة طويلة.. ومن أهداف روسيا أيضًا إقامة رأس جسر متين على خليج البنغال وتثبيت الوجود السوفياتي في جنوب شرق آسيا بحيث تصير لها كلمة فعالة في أية تسوية في تلك المنطقة من العالم.
ومن الأهداف المهمة كذلك حصول الروس على قاعدة للالتفاف حول الصين من الجنوب.
ومهما تكن الأهداف الروسية فلا شك أنها من الأهمية بحيث حملت الحكومة السوفياتية على المغامرة بفقد الصورة التقليدية التي يحرص الاتحاد السوفياتي على ترويجها وهي صورة الدولة المحبة للسلام.
دور الهند وأسبابه:
لا شك أن الحقد الأعمى الذي يملأ قلوب الهندوس على المسلمين هو العامل الأول في شن الهجوم الهندي على الأراضي الباكستانية، ومع ذلك فقد استغلت أنديرا غاندي عدة عوامل ساعدتها في تحقيق حلمها.
١- استغلت الهند التوتر العنيف والثورة المسلحة التي قام بها البنغاليون في شرق باكستان ضد الحكومة المركزية فركبت الموجة وأحسنت استغلال الموقف.
٢- أرادت أن تصفي حسابًا قديمًا مع باكستان، وخاصة يوم أذلتها في حرب 1965.
٣- أرادت أن تحطم عنفوان الباكستان وتحطم قوتها العسكرية الآن وفي المستقبل، وتضعفها إلى درجة تصبح فيها تحت رحمتها.
٤- أرادت أن تثبت للصين بشكل خاص وللدول الكبرى أيضًا أنها دولة كبيرة وقادرة على المشاركة في اقتسام المصالح الدولية في آسيا وبخاصة في شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا.
٥- استغلت وجود المهاجرين في أراضيها وبزياراتها إلى أمريكا وأوروبا قبل الحرب تلقت الضوء الأخضر فيما عملت.
٦- أرادت الهند إجهاض الثورة التي كانت تتحرك منذ مدة في البنغال الهندي على يد الشيوعيين الماديين، وقد نجحت الهند حتى الآن في قمع هذه الحركة تحت ستار إقامة دولة بنغلادش مع العلم أن أكثر من عشرين ألف سجين من اليساريين البنغاليين الهنود في السجن. ومما لا شك فيه أن الهند نجحت نجاحًا كبيرًا في الأمور التي سردناها... ولكن ماذا عن احتمالات المستقبل...
(١) هناك من يقول إن احتلال الهند لمدينة دكا أو باكستان الشرقية لم يكن نهاية المشاكل بل بدايتها، ومن الأمور التي قد تترتب على هذه البداية:
- حرب عصابات على غرار الحرب الفيتنامية.
- مطالبة البنغاليين الهنود بالانضمام إلى بنغلادش.
- أن المشكلة تجاوزت حدود الدولتين: الهند، والباكستان لتصبح صراعًا عالميًّا وخاصة بين روسيا والصين.
(٢) وبعض الآراء تقول إن أنديرا غاندي لم تربح في هذه الحرب والرابح الوحيد هو الاتحاد السوفياتي الذي كان يهمه أن يثبت عمليًّا أن الصين غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها لأصدقائها، وكذلك أن يكسر شوكة الصين بتطويقها من الجنوب فيحصرها بين فكي الكماشة السوفياتية.
دور إسرائيل في الأحداث:
(١) ذكرت صحيفة الجويش كرونيكل وهي صحيفة الحركة الصهيونية في بريطانيا تحت عنوان «الجنرال جاكوب في العمل» إن الجنرال جاكوب هو كبير الضباط الذي يقود حرب الإبادة الهندية ضد باكستان الشرقية، وقالت الصحيفة إن جاكوب ليس هو الجنرال الوحيد، وإنما هناك غيره من اليهود كثير يشتركون ويوجهون المجزرة في الباكستان.
(٢) في شهر أيلول «سبتمبر عام ۱۹۷۱» وصل إلى القدس المحتلة قادمًا من نيودلهي ممثل عن الانفصاليين الذين كانوا يتخذون من قصر الضيافة الحكومي الهندي في كلكتا مقرًّا لتآمرهم، وقال هذا الشخص واسمه محمود قاسم إنه جاء إلى إسرائيل لطلب العون العسكري والمالي والأسلحة من إسرائيل وإنه في سبيل ذلك سيجتمع بعدد من المسؤولين الإسرائيليين.
إذن.. فإسرائيل لم تنس مواقف باكستان الحرة الشريفة تجاه القضية الفلسطينية والتي كانت تعتبرها دومًا قضيتها الأولى.. ولكن يظهر أن العرب فقط هم الذين ينسون.
مواقف الدول الإسلامية:
مواقف معظم الدول الإسلامية كانت غير عادلة في حرب الهند مع الباكستان؛ حتى إن أصواتًا عديدة تعالت في العالم العربي تنادي وتطالب بتأييد الهند الدولة المناضلة ضد عملاء الإمبريالية في الباكستان.
وإن أحسن مواقف التأييد كان إصدار بیان يؤيد فيه الباكستان، والموقف الممتاز هو موقف العقيد القذافي الذي بعث برسالة إلى محمد ظاهر شاه يرجوه تناسي خلافاته مع الباكستان، وأن يقف إلى جانب الجارة المسلمة، وأنه على استعداد شخصيًّا القيام بدور الوسيط بين الدولتين. كذلك بعث برسالة إلى الأمم المتحدة اتهم فيها الاتحاد السوفياتي بالتواطؤ مع الهند في سبيل تدمير الباكستان وتفتيته، وكذلك أرسل رسالة إلى رئيسة وزراء الهند في مثل هذه المعاني.