; من عمق الجرح ينبت السؤال: متي يدخل المسلمون في الإسلام؟ | مجلة المجتمع

العنوان من عمق الجرح ينبت السؤال: متي يدخل المسلمون في الإسلام؟

الكاتب النذير المصمودي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1998

مشاهدات 72

نشر في العدد 1308

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 14-يوليو-1998

واقع المسلمين اليوم على كل المستويات يدفعك إلى الشعور بأن قوى الإسلام وهنت من جراء الضربات المادية والأدبية التي تناولته في هجوم عسكري مكشوف قبل قرنين، ثم في هجوم ثقافي منذ نصف قرن مليء بالدس والختل، تسلل خفية إلى السرائر والعقول، ومازال مستمرًا يتذرع بكل شيء لتدمير العقائد الإسلامية وإهالة التراب على معالم الإسلام كلها. 

ولكن.. هل هذا هو السبب الوحيد في هبوط المسلمين عن المستوى العادي، وتعرض دينهم لضربات موجعة فقد بعدها الكثير من تراثه وسلطانه وكرامته؟ أم أن خصومهم لم يخرقوا العادات، وكل ما فعلوه أنهم اهتبلوا الفرصة فضاعفوا أرباحهم في بلاد الإسلام، ثم أخذوا يتعسفون السير نحو أغراضهم على حطام من الداخل؟ 

حول هذا الموضوع دار حوار حاد بيني وبين «نصف مفكر» يريق أوقاته على مصاطب اللغو والثرثرة أكثر مما يستغلها في الجد.

قال وهو يتكئ على أريكة وفيرة: إن سقوط الخلافة العثمانية كان بسبب التآمر الصليبي عليها، لما كان لها من آثار مادية وأدبية بعيدة المدى، واستغل المتآمرون أطماع القائد التركي «مصطفى أتاتورك» وأجهزوا عليها بعد الحرب العالمية الأولى. 

قلت في هدوء لست من أنصار «نظرية المؤامرة» وأرى أن الخلافة عندما تولاها الجنس التركي كانت أقرب إلى «السلطنة المتجبرة» منها إلى خلافة راشدة تحرص على الحق وتدافع عنه، فتحولت بذلك ليس فقط إلى ما يشبه «الرجل المريض» كما كان يطلق عليها، إنما إلى «شبح عليل» قابل للزوال مع أول هبة ريح!! 

قال: ولكن المدافعين عن الخلافة آنذاك كانت تكتنفهم ظروف صعبة معقدة. قلت: إن الدفاع في مثل هذه الحالة فرض عين، والخلافة تمتلك مئة بندقية، لكنها للأسف لم تكن تحسن التصويب بواحدة منها، لأن الخلفاء الأتراك كانوا أقرب إلى «السلاطين» كما قلت منهم إلى «أمراء المؤمنين»، ولأن خطوطهم الدفاعية كانت مهددة من الخلف. 

قال في حماس: وحتى السلطان عبد الحميد؟

قلت: لا أحد ينكر أن موقف السلطان عبد الحميد كان مشرفًا عندما رفض الإغراء بالذهب، وأحبط المؤامرة، لكنه ماذا يفعل إذا كانت القاعدة تحت رجليه «بلورية» قابلة للانكسار مع أول ضربة؟!! 

ثم دعني من نبش هذا الماضي الذي تفوح منه روائح غضة، ولننظر إلى الحاضر وما يحفه من أخطار جسام، ألا ترى أن أول خطر على حاضر الإسلام هم المسلمون أنفسهم؟ 

رد في غضب مكنون إن اصطياد التهم للمسلمين على هذا النحو الشائن لا يمكن أن يكون إلا لحساب الاستعمار، وأحسبك....

قلت مقاطعًا: إن علاج الأمور بتغطية العيوب علاج لا جدوى منه، ولا يغير من الحقيقة الكريهة شيئًا، وإن المصارحة هنا أجدى في رد الخطر وقتل بوادر الشر قبل أن يستفحل.

قال: إن الإسلام دين الحاضر والمستقبل على سواء. 

قلت: وهذا ما اعتقده أنا أيضًا لو تمسك به المسلمون ثم أحسنوا عرضه كما نزل في أصوله الأولى.. إن المشكلة التي نواجهها نحن في بلادنا الإسلامية هي أننا لم ندخل في الإسلام بعد!.

قال: أتعني أننا لسنا مسلمين؟

قلت: معاذ الله، فإني لست من هواة «التكفير»، إنما أعني أننا لم ندخل في الإسلام بالتدين الذي تعلمناه من كتابنا التدين الزكي العملي، إننا مازلنا مقيدين بسلاسل متينة من الفواحش العقلية والنفسية التي عملت على تمويت الإيمان في ضمائر الأفراد، فانفصل السلوك عن العقيدة، وأصبح المجتمع مسرحًا للمباذل المستقرة والأهواء المطاعة، والتيارات الطائشة، ثم تحول ما بقي من دين إلى أشكال فارغة، وبدع حقيرة لا تغني عن أصحابها شيئًا، والأمثلة على ذلك لا تحصى.

إن هناك معادلة يجب أن نحفظها عن ظهر قلب هي: «مسلم - سلوك إسلامي= صفر».

إننا مؤمنون بالله مصدقون بلقائه، لكننا ذاهلون وراء مطالب العيش، مستغرقو المشاعر بين مظاهر شتى، فنحن لا نكاد نتصل بالسماء، ولا تكاد معاملاتنا تخلص لله، ولو أحسنا معرفتنا بالله ما حجبتنا عنه رغبات مادية ولا معنوية، وهذا هو الخطر المخوف !

قال: حسبك إن عامة المسلمين بخير، وما تتحدث عنه قد يعني فئات قليلة، وحتى هذه الفئات مازالت عواطفها حارة تجاه الإسلام. 

قلت: وما فائدة عاطفة حارة أو باردة ما لم تتحول إلى عمل كبير في واقع الناس، إننا مطالبون أن نعرف الإسلام أولًا، وأن نعرف الناس به ثانيًا، وعندما نعرف الناس به لن نصفه أو نشرح رسالته وحسب، إنما نقدمه «سلوكًا»، نواقعه في حياتنا الخاصة والعامة، وحينئذ نقول: إن من حق النظيف ألا يرمى بالأدران!! 

قال وفي حلقه غصة: إن هذا الكلام ترجمة دقيقة لما يكتب عن الإسلام والمسلمين من تهم كاذبة، كانت سببًا في تشويه صورتنا. 

قلت: هل تعتقد أن معرفتنا بالإسلام معرفة جيدة صحيحة؟ وهل تسمي سلوكنا «التافه» في معظم الحالات ترجمة صحيحة لهذا الدين؟

قال: إن الانحراف السلوكي الذي تتحدث عنه، إنما هو أثر محتوم لمخططات الصهيونية العالمية، والنظام العالمي الجديد و ....

قاطعته بسرعة: أفهم من هذا أن التاجر المسلم الذي يغش إخوانه المسلمين في اليوم خمس مرات، ويصلي معهم في اليوم خمس مرات، يفعل ذلك تحت ضغط النظام العالمي الجديد؟ وأن الأب المسلم الذي يزوج ابنته، بما لا يقدر الشباب على دفعه، يفعل ذلك بأمر من تل أبيب؟ وأن الموظف الذي يداوم ساعة واحدة من ثماني ساعات واجبة، يفعل ذلك لأن «الإمبريالية» فوق رأسه تهدده بالموت؟ 

ما هذا الهراء واللغو؟!.

إن تغيير أوضاعنا العامة، ينبغي أن يسبقه تمهيد لا غنى عنه، وهو أن ندخل في الإسلام دخولًا «إيجابيًّا» يغير ما بأنفسنا تغييرًا جذريًّا، هذا هو الجهد الأول الذي ينبغي أن نبذله في تصحيح أخطائنا الاجتماعية وتقويم انحرافاتنا العقلية والنفسية، وهو الأقرب إلى الرشد والأدنى إلى الغاية في بناء النفوس والضمائر، وصياغة مستقبل محترم يتجاوز بقايا كيان مهدم تفوح منه رائحة البلى، وأرجح أنه لن يتم ذلك ومسلمو اليوم ضياع ينتمون إلى الإسلام انتماءً مزورًا، وهم عبء عليه لا عون له. 

إنني أحد الضائقين بأحوال أمتنا النائمة على جميع الأصعدة، وأعرف أن قوى الشر لو تألبت كلها ضدنا ما تنال منا شيئًا إذا كنا في المستوى الذي شدنا الإسلام إليه، وأي ذهول عن هذا المستوى فهو إخلاء الطريق للمتربصين، والانحدار الذي ليس وراءه إلا الهاوية .◘

(*) مدير تحرير مجلة المنار -الكويت

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4425

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين