; من المنهزمون؟ | مجلة المجتمع

العنوان من المنهزمون؟

الكاتب الأستاذ يوسف العظم

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1975

مشاهدات 34

نشر في العدد 262

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 12-أغسطس-1975

أعمق معاني الهزيمة في حياة الإنسان- تلك التي تنبع من داخله لتفيض على جميع مشاعره النفسية وكل مظاهر السلوك الحياتي لديه. وأخطر ما في هذا النوع الرهيب من الهزيمة أن صاحبه لا يشعر به ولا يعترف، لأنه مخدر الذهن مسلوب الإرادة، معبأ بما يحسبه الرفعة والمجد والظفر.. وهو يحيا في أجواء من الغرور لا يملك معها أن يفسح لغيره حوارًا لأنه يطل على من حوله من بروج الاستعلاء التي لا تؤمن إلا بعبودية الفكر وقهر الإنسان..

-فإن- الشعوب المهزومة مجموعة من أفراد الذين تنبع الهزيمة من داخلهم ولا يشعرون.. ومن هنا كانت هزيمة الخامس من حزيران البشعة.. تلك التي تضعنا أمام حقيقتين رهيبتين:

الأولى: أن الهزيمة الحزيرانية السوداء لم تكن عسكرية كما يتوهم الكثيرون ويصرون وإنما هي هزيمة نفسية تربوية فكرية شملت الأمة جميعها وطبعت الجيل بأكمله فانعكست آثارها العميقة على الهزيمة العسكرية الخارجية التي هي مظهر من مظاهر هزيمة مدبرة كانت تعيش في داخلنا وتعمل في ميادين العقل والقلب والنفس..

والثانية: أن الإسلام لم ينهزم قط لأنه أبعد عن المعركة بتخطيط واعٍ وخبث مبيت والذين انهزموا هم أولئك الذين حملوا اسم الإسلام دون أن يطبقوه سلوكًا في واقع حياتهم أو نظامًا في أساليب حكمهم، لا فرق في ذلك بين شعوب مستضعفة وحكام مسلطين.. ومن هنا كان العمى الذي يطمس أبصار المتسائلين في غفلة أين الإسلام.. والأقصى يضيع ويحترق؟!

إن الجواب على هذا السؤال الساذج بدهي يعيه كل من أوتي حظًا بسيطًا من الوعي.. الإسلام ليس له وجود حقيقي في- داخل- الجماهير المضللة لأن عملية استئصاله كانت تمهيدًا لوقوع الهزيمة.. وليس له وجود صادق في نفوس الحكام لأن وجوده العملي التنفيذي في نفوسهم معناه ألا يكونوا في كراسي الحكم. والعالم معسكران: شيوعي ملحد وغربي صليبي حاقد. وما يقال اليوم عن معسكر ثالث يدعو للحياد ليس إلا ظلالًا باهتة وصورًا مهزوزة للأصل القائم البشع والفكر المستورد الدخيل سواء أكانت التبعية لواشنطن ولندن أم لموسكو وبكين!

إن الإسلام نائم في بطون الكتب، وفي النفوس التي نذرت لله أن تكون وفية لدينها وعقيدتها تدعو الأمة أن تعود إلى الله لتبلغ العزة وتنال النصر وهي تسعى لبعث جذوة خالدة تحت رماد القرون وفي أتون القهر والأغلال على شعلة تتقد منها فتضيء طريق الأجيال وتحرك فيها الرغبة في المسير الجاد الهادف حتى تبلغ قمة السؤدد وموطن الكرامة..

إننا نخوض مع «العدو» معركة المصير.. العدو الصغير المباشر الذي اتخذ منه «الأعداء» الكبار ستارًا يختفون خلفه ومخلب قط يحركونه لخدمة مصالحهم وتثبيت أحقادهم منذ هزم «اليهود» في حصن خيبر.. وأطفأ الإسلام نار فارس.. ودوت كلمة التوحيد في آفاق اليرموك وحطين وعين جالوت.

إنني لا أعني بـ«المنهزمين» دعاة اليسار وحده، ولا دعاة اليمين وحده، ولكني أعني على حد سواء السياسة التي أتاحت للقوات الصهيونية أن تستحم في نهر الأردن، ولمجندات «جيش الدفاع الإسرائيلي» التزلج فوق قمم جبل الشيخ، وللقوارب اليهودية أن تمخر عباب القناة..

«المنهزمون» في نظر الإسلام هم أعوان الشرق والغرب معًا.. وسواء أكانت تبعيتهم ذليلة لماركس أم خضوعًا لسارتر أم إعجابًا وانقيادًا للفكر البريطاني والثقافة الأمريكية فهم جميعا سواء في الهزيمة والضياع والتبعية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4493

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين