العنوان من الحياة: عسل الصبر
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر الجمعة 03-فبراير-2012
مشاهدات 75
نشر في العدد 1987
نشر في الصفحة 56
الجمعة 03-فبراير-2012
توقفت عند قول الشاعر:
الصبر مثل اسمه في كل نائبة *** لكن عواقبه أحلى من العسل
فأعجبني هذا الشاعر في وصف الصبر، فقد وصف بدقة حال البشر مع النوائب والشدائد والمصائب، فهي حال مرة كما قال الشاعر- الصبر مثل اسمه؛ أي إن طعمه مر في كل نائبة وشدة، بيد أن شاعرنا البليغ الدقيق الوصف رغبنا في الشطر الثاني من البيت- في عواقب الصبر، حيث بين أن عواقبه ليست مثل العسل فحسب، بل هي أحلى من العسل، ولقد ذكرني هذا البيت بخاطرة لأحد الدعاة حينما دعانا للمقارنة بين الورد وحشائش الأرض، فكتب:
لما صبر الورد على الألم، وتحمل مجاورة الشوك ووخز الإبر، أستحق أن يتصدر مجالس الأمراء، ويصبح رمز الحسن والبهاء، ولا تكاد تجد هدية أرق من الورد، ولما آثر الحشيش السلامة صار مرتع الحمير وعلف البهائم، ورخص وداسته الأقدام، حتى غدا رمز المهانة.
لذا، فإن المؤمن يرى البلاء ضيفا، وإن كان تقيلًا فيرحب بقدومه، ويقدم له النزل والقرى ويكرمه ولا يشكو منه، ولا يسخط فيسجل عند ربه من الصابرين صبرًا جميلًا، وهو الصبر الذي لا شكوى فيه، وقد أمر الله به نبیه محمدًا صلى الله عليه وسلم فقال: «فاصبر صبرًا جميلًا».. فامتثل لأمر ربه وأطاع بحب ورضا، وهكذا صنع إخوانه من الرسل والأنبياء، فها هو ذا يعقوب لما ابتلي بفقدان يوسف صبر على فقدانه، فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ (يوسف: 83)، وقالها أيضًا لما زاد البلاء، وصارت المصيبة مصيبتين بفقدان بنيامين شقيق يوسف، فكان حال يعقوب ومقاله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ (يوسف: 83)
ولقد ورد ذكر الصبر في القرآن الكريم مائة مرة وأربع، على تنوع في مواردها، وأسباب ذكرها، بل إنك إن تأملت الدين لوجدته يرجع بجملته إلى الصبر والشكر.
ويقسم شيخ الإسلام ابن تيمية الصبر إلى ثلاثة أقسام: صبر على الطاعات حتى يفعلها، وصبر على المنهيات حتى لا يفعلها، وصبر على ما يصيبه بغير اختياره.
ولقد تأملت عواقب الصبر، وأردت تحليل عسلها الذي ورد في بيت الشعر المستهل به مقالي هذا، فوجدت في عواقب الصبر عشرة أنواع من العسل.. سوف أتناولها في السطور القليلة القادمة.
أولًا: حب الله لعبده:
فلقد أكد الله سبحانه حبه للصابرين في مواضع كثيرة من كتابه العظيم، ومن ذلك قوله تعالى: والله يحب الصابرين وهذا يؤكد أن ابتلاء الله سبحانه لعباده رحمة لأن الحبيب لا يعذب حبيبه، ولذا كان الصبر عطاء من الله تعالى لمن أحبهم، بل إنه خير عطية وأوسعها من الكريم عز وجل إلى أحبائه مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وما أعطي أحد عطاء خيرًا أو أوسع من الصبر».
ثانيًا: معية الله:
أعظم بها من نعمة أن تكون في معية ربك، فأمرك كله بيده، حياتك ومماتك، سعادتك وشقاؤك، فأنت عندما تكون في معية ربك تحظى بحمايته ورعايته لك، أنت حينئذ في حمايته ورعايته، تحظى بنصره وتأییده بسبب صبرك ورضاك، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «واعلم أن النصر مع الصبر». إن معية الله للصابرين تعني راحة البال وسكينة النفس وطمأنينة القلب، والثقة بحمايته، فهو القوي مالك الملك العزيز الحميد.
ثالثًا: أجر بلا حدود: فالصابرون يجزون أجرهم بغير حساب، وصاحب الأجر هو الذي وعدهم بذلك، فمن أوفى بعهده من الله؟ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10)
هل يستطيع عقل إنسان أن يتصور كلمة بغير حساب؟ إنها فوق تصوري وتصورك وتصور أي إنسان، لا طاقة لعقل أن يتصور ذلك فقد أكد رسولنا الكريم حقيقة الجنة ونعيمها، فقال صلى الله عليه وسلم: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
رابعًا: استمرار الأجر وإن انقطع العمل:
فمن فيوضات كرمه سبحانه أنه يجري لعبده الصابر حسناته التي منعه من أعمالها البلاء الذي وقع به تمامًا كما لو كان أداها بالفعل، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يصاب في جسده إلا أمر الله تعالى الحفظة اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة من الخير ما كان يعمل ما دام محبوسًا في وثاقي».
خامسًا: غفران الذنوب:
لا شك في أن الإنسان يخطئ كثيرًا، «فكل این آدم خطاء» ومن ثم فإن تراكم الذنوب دون مغفرة سوف يؤدي إلى هلاك الإنسان، ومن هنا كان الله تعالى غفورًا رحيمًا كريمًا، إذ أتاح فرصًا لعباده كي يحط عنهم هذه الذنوب، وما أعظم هذه الفرص وأثمنها الصبر على البلاء، يقول صلى الله عليه وسلم: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» ( رواه الترمذي)، وفي رواية «إلا كفر الله بها سيئاته وحطت عنه ذنوبه، كما تحط الشجرة ورقها».
ومن هديه صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله أبلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده» ( رواه أحمد وأبو داود).
يقول الفضيل بن عياض: إن الله عز وجل ليعاهد بدن المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالخير».
إنك بعد أن علمت هذه الحقائق عن عواقب الصبر لا تملك سوى أن تعد المحنة منحة، والبلية هدية، والألم دواء مرًا لا بد أن ترضى به لأنه من لوازم الشفاء.
سادسًا: البلاء حماية وتربية:
يقول الشعبي: «ما أشبه النكبة بالبيضة؟ تحسب سجنًا لما فيها، وهي تحوطه وتربيه وتعينه على تمامه وليس عليه إلا الصبر إلى مدة، والرضا إلى غاية، ثم تنقف البيضة فيخرج خلقًا آخر» «من وحي القلم».
ولله در الشاعر إذ يقول:
أرى البلايا تحيط المرء تحميه *** حتى لئن صح ذوب الصخر لم يذب.
أوضح أن قناة الصلب قد وهنت *** فلا يلين إذا ما صب في اللهب.
ما حصحص الحق الا بعدما انسلخت *** من عمر يوسف أعوام من النصب.
سابعًا: الجنة:
العسل السابع للصابرين هو الفوز بالجنة، يقول رب العزة سبحانه في الحديث القدسي: «ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل إلا الجنة» (رواه البخاري).
ويقول أيضًا مبلغًا عن ربه: «إن الله تعالى يقول: إذا أخذت كريمتي عبدي «عينيه» في الدنيا، لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة»
ثامنًا: تخفيف عقوبة الآخرة:
فالثابت والمعلوم أن من أخطا عوقب، وهذه العقوبة قد تكون في الدنيا وقد تؤجل وتقع بصاحبها في الآخرة، ومن لطف الله بعبده ورحمته أن يقدم عقوبته في الدنيا بأن يبتلي عبده، بهدف أن يفتديه من عقاب الآخرة؛ لأن عقاب الدنيا سرعان ما يذهب، أما عقاب الآخرة فهو أشد وأنكى يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة» (رواه الترمذي والحاكم).
ويكفي أن نستحضر هذا المعنى الذي علمنا إياه رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم من أنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس غمسة في النار ويسأل هل رأيت نعيمًا في دنياك قط؟ فيقول ما رأيت في دنياي نعيمًا قط، ثم يؤتى بأشقى أهل الأرض في الدنيا فيغمس غمسة في الجنة، ويسأل هل رأيت شقاء في دنياك قط؟ فيقول: لا ما رأيت في دنياي شقاء قط.
تاسعًا- الطاعات والعبادات:
فمن الناس من لا يعرف ربه في العبادات إلا في مواسم العبادات وأيامه، وإن شئت أن تتأكد وتستوثق فما عليك إلا أن تحصي المصلين في الفجر، ثم تحصيهم في صلاة الجمعة مثلًا، فإنك حينها ستتأكد من أن الناس يعبدون الله في المواسم، وانظر إلى عبادات الناس في أيام رمضان وقارن بين عبادتهم في رمضان وغيره من الشهور.
عاشرًا- تحقيق الإمامة والقيادة والريادة:
فقد أخبر الله عز وجل أنه جعل عباده الصابرين أئمة، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾ (السجدة: 24), فرسول الله تعالى كان إمام المرسلين والنبيين والبشر جميعًا، ولقد كان صابرًا، بل ضرب لنا المثل الأعلى في الصبر، فلقد أذاه قومه سبًا وضربًا وصبر، وابتلي بالفقر والجوع فصبر، وصبر على فقدان زوجته خديجة وولده، كما صبر على إخراجه من بلده ووطنه، وقذف في عرض أحب زوجاته إليه عائشة رضي الله عنها فصبر.
وبذكر الإمامة والصبر يذكر الإمام أحمد بن حنبل، فلقد كان صابرًا صبرًا جميلًا، وخاصة في محنة خلق القرآن، حتى قيل: نصر الدين بأبي بكر في الردة، وبأحمد يوم المحنة، واستحق بهذا الصبر وذاك الثبات أن ينصب إمامًا، ولئن حال بطش الظالمين دون ذلك في حياته فقد رفعه الله ورفع مكانته، بل كرمه ربه يوم وفاته، فقد روي أن أربعة ملايين من البشر شيعوه إلى قبره، وعلا البكاء في أربع طوائف من الأمة؛ المسلمين, والنصارى, واليهود, والمجوس، ولا غرابة في ذلك فقد كان الإمام خيرًا للبشرية جمعاء.
ولك أن تتصور كم كان ثابتًا صابرًا إن علمت أنه يرحمه الله- حينما كان يضرب بالسياط ضربًا شديدًا حتى لم يبق من سرواله و قميصه سوى خيط دقيق لو انقطع لكشفت عورة الإمام، ولكن رعاية الله لعبده الصابر أضعفت سياطهم وقوت هذا الخيط فلم يستطيعوا قطعه، رغم تناوب الجلادين الظالمين عليه ضربًا، وظل الأمر لغزًا لدى جلاده الذي سأله بعد ذلك عن الكلمات التي كان يرددها وهو يضرب، فقال له الإمام قلت: «اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به أرجاء العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترًا» «صفوة الصفوة».
وفي القرن الماضي، قيض الله للأمة إمامًا صابرًا هو الإمام حسن البنا- يرحمه الله - الذي صبر وصابر وجاهد، فكانت الثمرة حيث استحق بجدارة أن يكون إمام عصره، وملأت دعوته ربوع الدنيا وانتشرت، وصبر تلاميذه صبرًا جميلًا، بعد أن سيموا سوء العذاب، فمنهم من ارتقى إلى ربه بشهادته، ومنهم من صودرت أمواله فصبر، ونهبت شركاته فصبر، وانتعشت دعوة الإمام البنا بعد استشهاده، فغدت عبرة وعظة للمعتبرين، وصار إمامًا لدعوة كبيرة مباركة رغم حقد الحاقدين وكيد الكائدين.
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل