العنوان من أوراق اختصاصية اجتماعية- الصامتة
الكاتب نادية البراك
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1994
مشاهدات 64
نشر في العدد 1096
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 19-أبريل-1994
- إهمال
الأبناء وتركهم لقمة سائغة للخادمات قد يولد عقداً نفسية وصمتاً رهيباً
يرافقهم لسنوات.
- الاعتراف
بضرورة الطبيب النفسي هو الخطوة الأولى لفك عقد الخوف وترميم ما أفسده غياب
الرعاية الوالدية.
تمر الاختصاصية الاجتماعية أثناء عملها بحالات متباينة من الأمراض
النفسية، فهناك بعض الحالات التي تتمكن من علاجها بمفردها، وهناك حالات يستدعي
الأمر عرضها على طبيب نفساني متخصص، ومن ذلك حالة الطالبة «سلوى» والبالغة من
العمر عشر سنوات.
كانت سلوى تعاني من تخلف دراسي سببه صمتها الدائم أثناء وجودها في
المدرسة والبيت، وإذا ما نطقت فإنها تعاني صعوبة شديدة في الكلام، وبعد جهد جهيد
لا تتمكن إلا من نطق كلمات قليلة محدودة. باطلاعي على ملف الطالبة تبين أن
الاختصاصية الاجتماعية قبلي قد بذلت معها جهوداً كبيرة دون فائدة، وبدا لي أن
الحالة ميؤوس منها، لكنني تمسكت بالأمل وعزمت على المحاولة من جديد..
قمت باستدعاء سلوى لمكتبي مرات عديدة في محاولة لعقد علاقة ودية معها،
لكن جميع هذه اللقاءات فشلت فشلاً ذريعاً مع الأسف بسبب صمتها الدائم من جهة،
والصعوبة التي تعانيها أثناء الكلام من جهة أخرى، كما أنها شخصية انعزالية تماماً
حيث لا تختلط بباقي الطالبات ولا تشاركهن اللعب واللهو..
استدعيت الأم لمقابلتي فلبت دعوتي في الحال، ولما جلست قلت لها: لا شك
أنك قمت بزيارات عديدة للمدرسة لأجل حالة سلوى. هزت رأسها بألم: ـ أجل.. أجل..
وليت هذه الزيارات أفلحت، ليتني أعرف سبب ما تعانيه ابنتي؟
- هل
تعاني من صعوبة في النطق منذ صغرها؟ هزت رأسها من جديد: ـ أبداً.. كانت تتحدث
بصورة طبيعية حتى سن الثالثة، فجأة أصابها هذا الصمت الرهيب، وظلت لمدة سنة
كاملة لا تتحدث على الإطلاق ولم نسمع صوتها بتاتاً، وبعدها.. أي في سن
الرابعة صارت تتحدث لكن بصعوبة بالغة كما ترين.
سألتها باهتمام:
- إن
شخصيتها انعزالية تماماً، فكيف هي في البيت؟ ـ وفي البيت انعزالية كذلك..
منطوية على نفسها، لا تشارك إخوتها لعبهم ولهوهم.
- ألم
تحاولي عرضها على طبيب نفساني؟ قالت باستياء: ـ طبيب نفساني؟ كلا.. ظننتها
ستتحسن مع مرور الأيام..
- لكنها
لم تتحسن، وهي الآن في العاشرة من العمر، ولا بد من تدارك الأمر. ـ ألا يمكنك
عمل شيء؟
- جهودي
التي سأبذلها معها ستظل محدودة، من الأفضل عرضها على اختصاصي. قالت بعد تردد:
ـ حسناً، ولكن الأفضل أن يظل الأمر سراً فـ.. قاطعتها برفق:
- يا
سيدتي.. زيارة الطبيب النفساني ليس فيها ما يشين، إنه طبيب مثل غيره، وابنتك
ستستفيد من العلاج الذي سيقدمه لها. قالت بحرارة: ـ أتمنى ذلك.. أتمنى ذلك.
صارت سلوى تتردد على عيادة الطبيب النفساني لعدة أشهر، وتبين أنها
بحاجة لعلاج طويل، وبعد جلسات طويلة ومضنية من العلاج تبين سبب مرضها، واتضح
للطبيب أن أمها كانت تتركها في رعاية الخادمة وتذهب لعملها، وأثناء ذلك كانت
الخادمة تضربها وتهددها بالسكين مما سبب عقدة الخوف والصمت لدى الطفلة!
واجهتُ الأم بالنتيجة التي توصل لها الطبيب فصاحت غير مصدقة: ـ غير
معقول!!
- هذه
نتيجة الكشف. هزت رأسها بحيرة: ـ لكن خادمتي كانت طيبة جداً.. وخدومة
وأمينة.. هل يعقل أن يصدر منها كل هذا؟
- هذا
ما حدث مع الأسف.
- تباً
لها.
- ألا
زالت تعمل لديك؟ ـ أجل.. أجل.. إنها تعمل عندي منذ سنوات، لقد صارت فرداً من
الأسرة.
- أظن
أنه من الأفضل أن تستغني عن خدماتها. هزت رأسها بشدة:
- طبعاً..
طبعاً.. ويل لها.. وويل لي. فقد كنت أترك ابنتي في رعايتها طوال الوقت! أنا
السبب فيما آل إليه حال ابنتي لكن.. لكن.. من أين لي أن أعلم أن خادمتي هي
السبب، ذاك ما لم يكن يخطر ببالي قط، لقد كنت أغدق عليها بالعطايا، وأعاملها
بلطف، ليحن قلبها على ابنتي، وكانت هي تتظاهر بحبها ورعايتها.. يا لها من
منافقة.
- أغلب
الخادمات مع الأسف يتظاهرن بالحنان والطيبة أمام الأم. ـ صدقت.. والآن ما
العمل؟
- الآن
بعد معرفة السبب سهل علينا تقديم العلاج الذي يبدأ أولاً بطرد الخادمة حتى لا
تراها أمامها فتتذكر بالتالي ما عانته منها في طفولتها، ثانياً عليك أن
تخصيها بالمزيد من حنانك واهتمامك، وذلك لأجل تعويض سنوات الحرمان التي
عانتها في الصغر، ثالثاً.. ستستمر جلساتها مع الطبيب بصورة أسبوعية منتظمة،
وهذا الأمر قد يأخذ عدة أشهر.
قالت في أسى: ـ لا يهم.. المهم أن تشفى ابنتي. قلت لها بجد:
- ستشفى
بإذن الله، لكن الأمر لن يكون سهلاً، لا بد من الصبر والاحتمال خصوصاً وأن
العلاج سيستغرق وقتاً طويلاً.
خرجت الأم من مكتبي ودمعة حزينة على وجنتها، فقد تسبب خطؤها الذي لم
تفطن إليه بالمعاناة التي تعاني منها ابنتها. لا زالت سلوى تتلقى العلاج بصورة
منتظمة، وذلك أنه قد مضى وقت طويل على ذلك إلا أنها تتقدم ببطء شديد، وقد صارت
الأم ترافقها في زياراتها للطبيب الذي أكد على ضرورة إشباع الجانب النفسي لديها
بإغراقها بالمزيد من مشاعر الحب والاهتمام.
إن السبب الذي عانته سلوى ليس بالأمر الجديد، فهناك حالات كثيرة
مشابهة، ولكن الغريب أن الأم حين يتضح لها السبب ترفض تصديقه، فهي غالباً لا تصدق
أن خادمتها قد أقدمت على معاملة الطفلة بقسوة، خصوصاً إذا كانت الخادمة تحسن تمثيل
دور المربية الطيبة الحنون، كما حدث في حالة الطفلة سلوى!!
من المؤسف أنه مع توافر دور الحضانة اليوم، إلا أن بعض الأمهات لا زلن
يتركن أطفالهن برعاية الخادمة غير واعيات بمدى الآثار السلبية الناتجة عن ذلك، وما
قصة الطفلة سلوى التي عرضتها إلا صورة عن مأساة اجتماعية تحدث في العديد من البيوت
دون أن يفطن لها الوالدان!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل