; من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (45) العالم الداعية سعيد حوى | مجلة المجتمع

العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (45) العالم الداعية سعيد حوى

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998

مشاهدات 59

نشر في العدد 1289

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 24-فبراير-1998

كان من أنجح الدعاة الذين عرفتهم، وجدت فيه التواضع والزهد والانشغال الكامل بقضايا الإسلام والمسلمين

     هو الشيخ سعيد بن محمد ديب حوى، ولد في مدينة حماة بسورية سنة ١٩٣٥م، توفيت والدته وعمره سنتان فتربى في كنف جدته، برعاية والده الذي كان من المجاهدين الشجعان ضد الفرنسيين، عاصر في شبابه أفكار الاشتراكيين والقوميين والبعثيين والإخوان المسلمين، واختار الله له الخير بالانضمام إلى الإخوان المسلمين سنة ١٩٥٢م، وهو في الصف الأول الثانوي.

     وقد درس على يد عدد من المشايخ في سورية في مقدمتهم: شيخ حماة وعالمها الشيخ محمد الحامد، والشيخ محمد الهاشمي، والشيخ عبد الوهاب دبس وزيت، والشيخ عبد الكريم الرفاعي، والشيخ أحمد المراد، والشيخ محمد علي المراد، كما درس على يد الأساتذة: مصطفى السباعي، ومصطفى الزرقا، وفوزي فيض الله وغيرهم، وقد تخرج في الجامعة ١٩٦١م، ودخل الخدمة العسكرية سنة ١٩٦٣م ضابطًا في الاحتياط، وتزوج سنة ١٩٦٤م حيث رزقه الله بأربعة أولاد. 

     حاضر وخطب ودرس في سورية والسعودية والكويت والإمارات والعراق والأردن ومصر وقطر والباكستان وأمريكا وألمانيا، كما شارك في أحداث الدستور في سورية سنة ١٩٧٣م مشاركة رئيسية، حيث سجن لمدة خمس سنوات من (5/٣/1973م- 29/۱/1987م). وقد ألف وهو في السجن كتاب الأساس في التفسير (۱۱ مجلدًا) وعددًا آخر من الكتب الدعوية.

     تولي مناصب قيادية في تنظيم الإخوان المسلمين على المستوى القطري والعالمي، وشارك في عدة أعمال دعوية وسياسية وجهادية، وفي سنة ۱۹۸۷م أصيب بشلل جزئي، إضافة لأمراضه الأخرى الكثيرة السكري، الضغط، تصلب الشرايين، الكلى، مرض العيون، فلجأ للعزلة الاضطرارية، وفي يوم ١4/١٢/١988م دخل في غيبوبة لم يصح منها، حيث توفاه الله ظهر الخميس 9/٣/1989م في المستشفى الإسلامي بعمان.

 يقول عنه الأستاذ زهير الشاويش في جريدة اللواء الأردنية بتاريخ 15/٣/١989م:

 «قدر الله ولا راد لقضائه، وانقضت حياة سعيد بن محمد ديب حوى في المستشفى الإسلامي بعمان ضحى الخميس غرة شعبان المعظم ١٤٠٩هـ الموافق 9/٣/1989م، وصلي عليه بعد الجمعة في مسجد الفيحاء بالشيباني، ودفن في مقبرة سحاب جنوبي عمان، وحضر الجنازة جمع غفير، وأبنه كثيرون منهم الأستاذ يوسف العظم، والشيخ علي الفقير، والشاعر أبو الحسن، والشيخ عبد الجليل رزوق، والأستاذ فاروق المشوح، والأديب الأستاذ عبد الله الطنطاوي، وكان تعاطف أهل الأردن الكرام مع أخ غريب مات في بلدهم، مثل كرمهم مع الأحياء المقيمين عندهم، كرم باليد، وطيب في الكلام، وعفوية في المبادرة.

     إن سعيد حوى كان من أنجح الدعاة الذين عرفتهم، أو قرأت عنهم، حيث استطاع إيصال ما عنده من رأي ومعرفة إلى العدد الكبير من الناس، وقد مات وعمره لم يتجاوز الثالثة والخمسين وهو عمر قصير، وترك من المؤلفات العدد الكبير، مما يلحقه بالمكثرين من المؤلفين في عصرنا الحاضر، والاختلاف في تقييم كتبه لا يغير من هذه الحقيقة شيئًا، وكانت لي معه جولات في كتبه وما حوت، ومع أن بعض رأيي كان ذابحًا ولفظي كان جارحًا، إلا أنه تلقاه دائمًا برحابة صدر لم أجدها عند صحبي.

     زرته في الأحساء وكان في حينها مدرسًا في المعهد العلمي، فلم أجد في بيته من الفرش إلا ما يسد حاجة المتقلل، ومن الثياب ما لا يصلح لأمثاله من العلماء والمدرسين في تلك البلاد الحارة، كانت جلابيبه من النوع الحموي السميك، ومازلت به حتى اقتنع بلبس أثواب بيضاء وعباءة تليق بأمثاله، ولكنه اشترط ألا تكون فضفاضة، وأما الطعام فلم يكن أحسن حالًا من الفرش والثياب، ومما يدخل في هذا الباب تساهله مع الذين تولوا طبع كتبه سواء ممن أذن لهم أو لم يأذن، فقد توالت الطبعات الكثيرة لكتبه -بالحلال وبالحرام- فما بلغني أنه جعل من ذلك مشكلة مع أحد، وهذا من زهده، إن هذا الخلق وهذا التسامح من سعيد حوى مفخرة وتذكر أمثولة للناس وهذه شهادتي» انتهى. 

     لقد عرفته من خلال كتبه ونشاطه الدعوي في سورية، ومن تلامذته في المدينة المنورة، والتقيته بعد ذلك في الأردن والكويت وأوروبا وباكستان فوجدت فيه الخلق الفاضل، والأدب الجم، والتواضع والزهد والبساطة في المظهر، والإقبال على الطاعة، وكثرة التلاوة والذكر، وإدمان القراءة والكتابة في المواضيع الدعوية والحركية والفقهية والروحية، والانشغال الكامل بقضايا الإسلام والمسلمين، والتصدي لطواغيت الأرض الذين خربوا البلاد، وأذلوا العباد، وسعوا في الأرض الفساد. 

     لقد كان سعيد حوى طاقة هائلة وحيوية متدفقة لا يكل ولا يمل، وله باع طويل في التأليف بحيث يفرغ من الكتاب خلال أيام يكون بعدها بأيدي القراء، وهو ذو نزعة صوفية تغلبه بعض الأحيان، فيخرج عن المنهج العلمي الذي يطالب به ويدعو إليه، كما أن رقته وطيبة قلبه وحياءه تجعله يؤثر الصمت في بعض المواقف التي تتطلب المصارحة.

     لقد سعدنا بزيارته في الكويت أكثر من مرة، وحضر ندوتنا الأسبوعية مساء الجمعة، وتحدث فيها حديثًا شائقًا أخذ بمجامع القلوب، وكان محور حديثه عن منهج الإمام البنا في الاستفادة من الخيرية في كل إنسان، وأن على الدعاة أن يزيدوا الخير في نفوس الناس، وأن يباشروا مخاطبة القلوب التي هي مفتاح الهداية، ونفوس البشر جميعًا فيها الخير وفيها الشر، ولكن بنسب متفاوتة، فإذا وفقنا الله لزيادة الخير في النفس البشرية، فمعنى هذا أننا قللنا نسبة الشر فيها؛ لأن تزكية النفوس هي المفتاح لتقويم السلوك؛ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (سورة الشمس: 7-10).

    كما كانت له دروس وأحاديث ومحاضرات في جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت، ومدرسة النجاة الخاصة فيها لقيت القبول من شباب الصحوة الإسلامية، كما كان لمؤلفاته الدعوية والحركية رواجها لدى الشباب المسلم في البلاد العربية والإسلامية وبخاصة في اليمن وبلدان الخليج وبلاد الشام، وقد ترجم بعضها إلى لغات أخرى، ومن أهم مؤلفاته المطبوعة:

- الله جل جلاله.

-الرسول ﷺ.

-الإسلام.

-الأساس في التفسير.

-الأساس في السنة وفقهها: السيرة- العقائد- العبادات.

-تربيتنا الروحية.

-المستخلص في تزكية الأنفس.

-مذكرات في منازل الصديقين والربانيين 

- جند الله ثقافة وأخلاقًا.

-من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك.

-المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين.

- جولات في الفقهين الكبير والأكبر وأصولهما.

-في آفاق التعاليم.

-دروس في العمل الإسلامي المعاصر.

- فصول في الإمرة والأمير. 

-رسالة منطلقات إسلامية لحضارة عالمية جديدة.

- فلنتذكر في عصرنا ثلاثًا: فروض العين، فروض الكفاية، لمن تدفع صدقتك.

-عقد القرن الخامس عشر الهجري.

-إحياء الربانية.

-إجازة تخصص الدعاة.

- غذاء العبودية.

- أخلاقيات وسلوكيات تتأكد في القرن الخامس عشر الهجري.

- قوانين البيت المسلم.

-السيرة بلغة الحب.

- الإجابات.

-هذه تجربتي وهذه شهادتي.

-جند الله تخطيطًا وتنظيمًا...إلخ.

لقد كان الشيخ سعيد حوى قارئًا جيدًا، حيث قال عن نفسه في كتابه «هذه تجربتي»:

«كان معدل قراءتي في الساعة ستين صفحة، وكان موجهي في الأسرة الإخوانية هو الأستاذ مصطفى الصيرفي، وتأكدت تلمذتي على يد الشيخ محمد الحامد في هذه المرحلة، ثم أصبحت مسؤولًا عن الطلاب في مدينة حماة، وكان لي دور رئيسي في ثلاث مظاهرات طلابية، الأولى حين طالب الإخوان المسلمون في سورية بإدخال نظام الفترة في المدارس الثانوية، والثانية احتجاجًا على إعدام الإخوان المسلمين في مصر، والثالثة في الذكرى المشؤومة لوعد بلفور، وكنت المتحدث الرسمي في هذه المظاهرات عن الإخوان المسلمين، وقد التحقت بكلية الشريعة بدمشق وحضرت خلال ذلك محاضرة الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين بسورية في مدرج جامعة دمشق، فكانت محاضرة رائعة شعرت أثناءها وكأني منوم مغناطيسيًا.

      كما حضرت حفل الاستقبال الذي أقيم للأستاذ حسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان المسلمين في جامع السلطان بمدينة حماة، وتكلم فيه الدكتور مصطفى السباعي والدكتور سعيد رمضان، وختم الحفل بكلمة قصيرة للأستاذ الهضيبي». انتهى.

      ولقد كان للشيخ سعيد حوى إسهامه في الحقل التعليمي، حيث مارس التدريس داخل سورية وخارجها، فقد عمل في المملكة العربية السعودية خمس سنوات سنتين في مدينة «الهفوف» بمنطقة الأحساء وثلاث سنوات بالمدينة المنورة.

     كما كانت له زيارات متعددة إلى كثير من البلاد العربية والإسلامية والأوروبية والأمريكية، وقد زار باكستان أكثر من مرة، حيث قابل الإمام أبا الأعلى المودودي في الزيارة الأولى، واستفاد من توجيهاته وإرشاداته في مجال الدعوة الإسلامية والعمل الجماعي.

     وفي الزيارة الثانية لباكستان حضر تشييع جنازة المودودي، واجتمع بقادة الجماعة الإسلامية بباكستان، ثم ذهب إلى لاهور حيث التقى قادة المجاهدين الأفغان، وحثهم على التعاون والعمل المشترك ونكران الذات، وإخلاص النية لله -تعالى- وجعل الجهاد خالصًا لوجه الله وفي سبيله، وألا يكون للنفس فيه حظ.

     وفي أواخر شهر مايو سنة ١٩٧٩م سافر إلى إيران ضمن وفد إسلامي، حيث التقى الخميني ووزير الخارجية آنذاك إبراهيم يزدي وكمال خرازي، وقام بشرح حقيقة ما يجري في سورية، وناشدهم حق الأخوة الإسلامية نحو إخوانهم المسلمين في سورية. 

     يقول الشيخ سعيد حوى في كتابه (هذه تجربتي): «إن من ثمار الانقلاب العسكري الأمريكي بسورية بقيادة حسني الزعيم -والذي أعلنت المخابرات الأمريكية في أكثر من كتاب أنها وراءه- هو:

-تسليم مستعمرة «مشمار هايردن» لليهود.

-وتوقيع اتفاق مد خط أنابيب التابلاين كما أرادتها الشركة الأمريكية. 

-وإلغاء مجلة الأحكام العدلية التي كانت القانون المدني الإسلامي لسورية» انتهى.

       ومن سنة ١٩٨٤م كثرت لقاءاتي بالشيخ سعيد حوى بحكم ترددي على الأردن حيث يقيم، ومن خلالها ازددت به معرفة، واشتركت معه في تقييم كثير من الأحداث والوقائع، وكتابة بعض الدراسات والبرامج والمناهج، التي تحتاج إليها الحركة الإسلامية المعاصرة، وكنا نتفق في الكثير من الأمور، ونختلف في القليل منها، ولا يؤثر هذا على موقف أي منا نحو أخيه.

     وحين أصدر كتابه «في آفاق التعاليم» أثنيت عليه وشكرته على هذا الجهد؛ لأن شباب الدعوة الإسلامية في أمس الحاجة إلى فهم الأصول العشرين التي وردت برسالة التعاليم للإمام الشهيد حسن البنا، والتي تناولها بالشرح كثير من الإخوان بمصر وغيرها وهي في حاجة إلى المزيد.

      وقد قام الأخ مصطفى الطحان بإدراجها في سلسلة مطبوعات الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، وتمت ترجمتها إلى بعض اللغات وراجت رواجًا كبيرًا، وطبعت عدة طبعات بالعربية وغيرها والحمد لله.

     لقد كان الشيخ سعيد حوى يرى في ثبات الإخوان المسلمين بمصر هذه السنين الطويلة رهن السجون والمعتقلات وسط الزنازين، وتحت سياط الجلادين دون أن يتنازلوا قيد شعرة عن مبادئهم رغم طول السنين، وقساوة التعذيب، ومرارة الحرمان، يرى أنهم القدوة للدعاة في هذا العصر وللإخوان في العالم.

     وهو في هذا يوافق ما قاله الدكتور مصطفى السباعي في كتابه (أخلاقنا الاجتماعية) حيث يقول: «إن في سجون مصر علماء يقطعون الأحجار، ويلبسون ثياب المجرمين، ويعاملون بالزراية والمهانة؛ لأنهم فهموا العلم، جهادًا ونصيحة وتعبًا ومعاملة مع الله عز وجل، فإذا رأوا المنكر أنكروه، وإذا التقوا مع الجاهل نصحوه، وإذا ابتلوا بالظالم وقفوا في وجهه ليردوه ويهدوه، وإذا كانوا مع مستغلي الشعب من أغنياء وزعماء ورجال أحزاب واجهوهم بالحق الذي جعله الله أمانة في أعناق الذين أوتوا العلم، هذه هي جريمتهم التي زجوا من أجلها بالسجون، وقيدت أرجلهم بالحديد، وسيقوا إلى مقالع الأحجار كما يساق القتلة واللصوص والأشرار والمجرمون.

      ويا ليتهم سلموا من ألسنة إخوانهم من علماء الدنيا، الذين سخرهم الطغيان ليخدعوا الناس باسم الدين، فإذا هم أداة تخدير للشعب، وزراية بالعلماء المصلحين وتمجيد للفسقة والمغتصبين.

      هؤلاء العلماء المصلحون -على قلتهم ومحنتهم والعداوات التي تحيط بهم- هم وحدهم الأمل المرتجى لنهضة الأمة وتحررها وانعتاقها» انتهى. 

     رحم الله أخانا، رحم سعيد حوى فكم صبر على الأمراض الكثيرة، وعلى البلاء في السجون، وعلى الألسنة الطويلة التي امتدت إليه بالإساءة، جعل الله ذلك كله في ميزان حسناته، وغفر الله لنا وله، وحشرنا وإياه مع الأنبياء والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.

تنبيه

     هذه الحلقات خواطر من الذاكرة، قد يعروها النقص والنسيان؛ لذا ارجو من إخواني القراء إمدادي باي إضافة أو تعديل لتداركه قبل نشرها في كتاب مستقل، وعنواني: ص ب: ٩٣٦٥٠ - الرياض ١١٦٨٣.

(*) الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي «سابقًا».

 

الرابط المختصر :