العنوان الشهيد مروان خالد حديد- رحمه الله تعالى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1980
مشاهدات 81
نشر في العدد 491
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 29-يوليو-1980
مروان خالد حديد قتل جسدًا وخلده التاريخ الإسلامي درسًا يعلم أن المسلم لا تخضع له جبهة في مجال الذل أبدًا.. فصار نموذجًا فذًّا للدعاة إلى الله بحياته وسلوكه وجهاده.
- نشأته:
ولد الشهيد مروان حديد في مدينة حماة بوسط سوريا عام ۱۹۳۳م ونما وترعرع بين أقرانه فيها، كان رحمه الله طويل القامة أبيض البشرة... في لونه شيء من الحمرة، أشقر الشعر يزيد طوله على ١٩٠ سم أما وزنه فيزيد على المئة كلغ في حال صحته وقبل مرضه في السجن الذي تخرج فيه شهيدًا بعد التعذيب ووزنه ٥٧ كلغ فقط.
نما مروان وترعرع منذ نعومة أظفاره على حب الإسلام، فقد شده هذا الدين فكرًا ومنهجًا.. واعتبر كإسلامي شاذًّا بين معظم أفراد عائلته وكان يلقى الرعاية والتوجيه الديني في طفولته من قبل جده لأبيه الذي عرف في حماة بالبر والتقوى.
درس الشهيد المرحلة الابتدائية في مدرسة سعيد العاص بحماة حيث نال الشهادة الابتدائية منها عام ١٩٤٥، وقد عرف منذ ذلك الوقت بشخصيته المستقلة القوية. وبعد تخرجه من مدرسة سعيد العاص التحق بثانوية ابن رشد لنيل الشهادتين المتوسطة والثانوية، وهنا نمت شخصيته وتميزت بالإسلام، فقد كان يتقدم إخوانه إلى المساجد، ويجمعهم على الخير وعلى طاعة الله والتفقه بأمور هذا الدين، وقد شهدت مدرسة ابن رشد شيئًا من جهاده الذي تميز في هذه الفترة بمقارعة الشيوعيين والاشتراكيين بالحجة الإسلامية واللباقة الشخصية التي كانت تساعده في محاجة خصومه على اختلاف مشاربهم. انتسب مروان رحمه الله أيام دراسته الثانوية في حماة إلى تنظيم جماعة الإخوان المسلمين.. وهذا أمر ساعد في نمائه الفكري وثقافته الإسلامية وولعه بالدعوة إلى الله في المدرسة ومساجد أحياء حماة المختلفة، تلك المساجد التي ولع الشهيد بالإقامة فيها والتردد عليها وعلى الأخص مسجد النوري حيث كان يأوي إليه مع مروان كثير من الشباب المسلم، ويذكر من يعرف الشهيد مروان أن ارتباطه بالمسجد كان ارتباطًا تربويًّا أسس في شخصيته نوازع حركية ملأت عليه حياته، وجعلت الإسلام ملء حياته وكيانه، حتى وصل به الأمر إلى ملازمة المسجد وعدم الرغبة في مفارقته، حيث كانت تمر عليه الأيام وهو مكب على القرآن الكريم وتفسيره والحديث النبوي والتفقه في أحكامه، فضلًا عن متابعة دراسته المدرسية التي كان يلتزم بها، وكان من أبرز إخوانه في هذه الفترة الشيخ سعيد حوى.. وقد ظل مروان مستمرًّا على هذا السلوك المسجدي طيلة مدة دراسته الثانوية التي نال شهادتها عام ١٩٥٧.
- سلوكه الشخصي :
لم يعرف مروان حديد جهل الشباب وطيشهم أبدًا فقد كان مترفعًا عن مطامع الأرض ورغاب النفس، كان أبيًّا شجاعًا كريمًا يرفض إلا أن يطعم كل من دخل بيته على الرغم من أنه كان في أغلب الأحيان لا يملك من متاع الدنيا سوى قوت يومه، وكثيرًا ما قدم له بعض أهله الأموال ليستقر في عمل يدر عليه الأرباح الدنيوية فكان يرفض ذلك، وقد حاول هو وبعض إخوانه من أبناء مدينة حماة تأسيس مزرعة خاصة بأموالهم الشخصية لتدر عليهم بعض ما يعينهم على طاعة الله وإعداد أنفسهم للجهاد، وقد استعاف مروان عن أموال أهله بالتسلح بقوة الإيمان، وقد اجتهد من أجل بناء شخصيته على الإيمان والإسلام فحاول حفظ القرآن الكريم وعكف على دراسة السيرة النبوية لاستنباط السلوك النبوي الذي كان يحرص على تقليده في كل مجالات حياته، حتى إنه كان يعد نفسه للشهادة في سبيل الله، ويذكر أحد الإخوة أنه كان إذا سأل مروان أن يدعو له يقول الشهيد مبتسمًا: «تقبلك الله شهيدًا في سبيله».
وإكمالًا لظاهر السلوك الإسلامي كان يرفض التحدث باللهجة العامية ويحرص على التحدث باللغة العربية الفصحى، الأمر الذي أعطاه مجالًا حيويًا للارتجال الفصيح أثناء أداء خطبه في المدرسة والمساجد بين أقرانه، ولباقة لدى مناقشته خصومه الشيوعيين والاشتراكيين.
وقد ساعده اكتمال شخصيته في قيادة المظاهرات، حيث كان يتبعه المئات بل الآلاف من الشباب الذين أعجبوا به نموذجًا فذًّا بين الشباب، وأن مسلك مروان هذا كان سببًا من أسباب إعجابه بالشيخ محمد الحامد رحمه الله. والذي عرف بقوة البأس والشكيمة والقول الحق أمام الحكام وأجرائهم ومعاونيهم، وقد تركت صفات الشيخ محمد الحامد ومسلكه أثرًا بالغًا في شخصية مروان حديد، فكان حربًا على الانحراف الدستوري والفساد الذي يلقى التشجيع من بعض المؤسسات المحلية، وذلك على طريقة شيخه محمد الحامد رحمه الله عليه.
- صور من جهاده :
سوف يذكر التاريخ الإسلامي على امتداد الحياة اسم «مروان حديد» المجاهد المسلم الذي باع نفسه الله ولبس الكفن الأبيض حيًّا أمام جموع الثائرين ضد الدستور عام ۱۹۷۳ بسبب رفض الدستور أن يكون دين الدولة الإسلام.
اكتملت شخصية مروان الإسلامية بعد تخرجه من الثانوية وإنهاء دراسته الجامعية في مصر، حيث تشرب فكر الإخوان المسلمين ودعوتهم عقيدة وسلوكًا وجهادًا، لينال الى جانب ذلك شهادة الهندسة في كلية الزراعة بالقاهرة. تعرف مروان أثناء إقامته في مصر بكثير من الإخوة المصريين الذين شهدوا بروحه الوثابة في كل مجال، وقد رأس في مصر بعض مظاهرات المعارضة لحكم عبد الناصر قبل إعدام المجموعة الإخوانية الأولى عام ١٩٥٤، ولما عاد إلى سورية قاد مظاهرات عديدة مضادة لحكم عبد الناصر ومنهجه اليساري في الحكم، وفي هذه الفترة تمكن من نيل شهادة جامعية أخرى من قسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة دمشق.
في عام ١٩٦٤ قاد معركة ضد الحكم العلماني جعلته يقف على رأس المعارضة في بلده، ولما اتسعت معارضته طلب مقابلته محافظ المدينة وكان يومها عبد الحليم خدام إلا إنه كان يرفض مقابلة رجال السلطة قائلًا: «الذي يريدني عليه أن يحضر إلي» وكان لهذه المواقف الجريئة أثر كبير في انتشار سمعة مروان حديد وطريقته في المحافظات السورية، فصار له أتباع في جميع أنحاء القطر يجتمع بهم في صيف كل عام ضمن معسكرات خاصة كان ينشئها مع إخوانه، وفي يوم من أيام عام ١٩٦٤ تفاقمت الأوضاع في سورية بعامة ومدينة حماة بشكل خاص ضد الحكم الذي فرض على الناس المنهج الاشتراكي، فاعتقل رجال السلطة شابًّا في مقتبل العمر كان يلصق على الجدران قوله تعالى:
﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ (المائدة ٤٤)
ولما رفضت السلطات إنهاء اعتقال هذا الشاب اعتصم مروان مع شلة من إخوانه في جامع السلطان -والمسجد مقفل اليوم بالشمع الأحمر- وهنا استنفرت المدينة بكاملها مؤيدة مطالب مروان التي كانت تتلخص بما يلي:
١-عدم تعرض رجال السلطة للشباب المسلم.
٢-إبعاد المنهج الاشتراكي الذي رفضه الشعب السوري عن التحكم بالناس في سوريا.
٣- تحكيم الشريعة الإسلامية في كافة مجالات الحياة.
إلا أن السلطة أحبت المواجهة ظنًّا منها أن تنهي مروان وتلغي طريقه في الحياة بشكل نهائي.
وكان من أبرز المحرضين على مداهمة المسجد الذي اعتصم فيه مروان وإخوانه الضابط العلوي عزت جدید شقيق الدكتاتور صلاح جديد الذي كان متسلطًا على حكم سورية بالحديد والنار فيما بين ١٩٦٥ - ۱۹٧٠.
وفعلًا فقد قاد عزت جديد العدوان الآثم على مسجد السلطان وضربه بالمدفعية الثقيلة، وحطم المنارة الخاصة بالمسجد بقذائف الدبابات فاستشهد من الإخوة المعتصمين ثلاثة عشر شهيدًا، بينما قتل من رجال عزت جديد سبعين رجلًا كما قتل من المارة ثلاثون رجلًا برصاص القوة العسكرية التي داهمت المسجد، وبعد ذلك قبض على الشهيد وأودع السجن مع من بقي من إخوانه على قيد الحياة ثم حكم عليه بالإعدام.
إلا إن ثورة الشعب العارمة، والدور المشرف الذي قام به الشيخ محمد الحامد أجبر السلطة على الإفراج عن الشهيد وإخوانه، وكان ذلك بقرار جمهوري أصدره رئيس الجمهورية آنذاك أمين الحافظ إرضاء للشيخ الحامد رحمه الله.
ومع ذلك فقد ظل مروان حديد حربًا ضروسًا مشتعلة على رؤوس الأنظمة العلمانية المتعاقبة. ففي عام ١٩٧٣ قاد معركة الدستور المزيف، الأمر الذي جعل السلطة الحاكمة تلاحقه، فتوارى عن الأنظار، وفي هذه الفترة أخذت حياته الجهادية منحنى جديدًا تميز بـ:
١-جمع الشباب المسلم من مختلف محافظات القطر وتنظيمهم تنظيمًا سريًّا ضمن الكتائب الإسلامية.
٢-الدعوة إلى حمل السلاح وتعميمه على المنظمين الإسلاميين لمقارعة الحديد بالحديد.
وفي هذه الفترة اختفى مروان عن الأنظار بسبب ملاحقات السلطة، واستقر في دمشق العاصمة حيث المقر الرئيسي للسلطة، وبدأ يعد نفسه وإخوانه للجهاد العظيم.
- سجنه واستشهاده:
في السابعة من صباح أول شهر تموز«يوليو» عام ١٩٧٥ داهمت المخابرات بيت مروان في أحد مباني مدينة دمشق بأعداد كبيرة و دارت رحی معركة حامية اشترك فيها الشهيد وضيوفه وزوجته وضيفتها، وقد اشترك في المعركة سرب من الطيران، واستخدم المهاجمون سلالم مديرية الإطفاء.
وانتهت المعركة التي شهدتها جماهير دمشق حوالي الساعة الرابعة والنصف مساء، وقد أسفرت عن استشهاد أحد الضيوف، واقتيد مروان و صحبه وامرأته إلى السجن ينما سقط من المهاجمين كثير من القتلى الذين أسدل عليهم الستار.. وأفرجت السلطة عن زوجته وضيفتها وبقي مروان وإخوانه يذوقون ألوان العذاب في السجن و يعاني من المرض الذي لم يعالج منه إلا عندما قرر الأطباء أن حالته ميؤوس منها، فاستدعت السلطات أخاه ليلقاه في لحظاته الأخيرة، ولكنها لم تسمح له برؤية أخيه إلا بعد ثلاثة أيام و باستئناس مروان بهذه الزيارة بدأت صحته تتحسن، ولكن بعد أيام ساءت حالته ثانية وأثناء ذلك أخبر أهله بأن المخابرات أعطته حقنة بحجة أنها منوم، ولكنها أزعجته وآلمته وطرحت النوم عن عينيه وقد حاول رجال الأمن حقنه بإبرة مماثلة إلا أنه كان يرفض السماح لهم بذلك، وفي إحدى الزيارات وجده أهله مغميًا عليه فثاروا على سوء المعاملة فأجريت له في المستشفى عملية غسيل للأمعاء ولكن صحته ساءت فنقل إلى مستشفى «حرستا» مع إيقافه عمدًا في الطريق أربع ساعات بحجة عطل طارئ في السيارة... وفي آخر يوم من أيام حياة الشهيد في المستشفى جاء أخوه بطبيب خاص من خارج المستشفى لعدم ثقته بمعالجة الحكومة لأخيه، ولما وصل أبلغ بأن أخاه قد فارق الحياة أثر سقوطه من السرير ودخل عليه شلة من أهله فوجوده ملقًى على الأرض وقد وضع يده على عورته بينما وجدوا كدمة على صدره وأخرى على ظهره، وكانت الأنوار تغمره وكأنه في ليلة عرسه. ولما نقل إلى الدفن اجتمع الناس الذين علموا بشخصية المتوفي للصلاة عليه إلا أن قوات الأمن حاولت منع الناس من التجمهر حول الجنازة واختطفت الجثة إلى المقبرة، وبعد دفنه صب الأسمنت فوق القبر ووضع الحرس لمنع الناس من الاقتراب من القبر.