العنوان من أجل مواجهة حملات التنصير من أجل العالم الإسلامي
الكاتب د. يوسف القرضاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1984
مشاهدات 65
نشر في العدد 672
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 22-مايو-1984
الحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات، وتتنزل الخيرات والبركات، الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين.
إننا نحمد الله تبارك وتعالى على أننا في عصر صحوة للإسلام، كادت قبلها فريضة الزكاة فيما مضى من هذه العهود المظلمة تطرد من البلاد الإسلامية طردًا، وكم كتب الكاتبون من أعداء التطبيق الإسلامي في وقت من الأوقات، حينما نادي بعض الناس بتطبيق الزكاة: أتريدون أن تعيدونا إلى القرون الوسطى؟ أتريدون أن تربطوا الدين بالدولة؟ نحن في عصر الضرائب ولسنا في عصر الزكاة! الآن والحمد لله تغير الوضع، فقامت مؤسسات للزكاة، وصناديق للزكاة وأنظمة الزكاة في عالمنا الإسلامي، وتنادى المسلمون في كل مكان بوجوب العودة إلى شريعة الإسلام، واستئناف الحياة الإسلامية الصحيحة.
إن الحياة التي توجهها عقيدة الإسلام وتحكمها شريعة الإسلام وتضبطها أخلاق الإسلام وتسودها قيم الإسلام هي الحياة السعيدة المطلوبة، ولا حياة بلا هذه القيم، ونحن والحمد لله نقترب الآن من حقيقة أنفسنا، حيث بدأنا نعي وجودنا، ولا مبرر لوجودنا إلا أن نكون مسلمين، وإلا أن نطبق الإسلام في حياتنا، فإذا طبقنا النظام الرأسمالي في ديارنا فليس هذا انتصارا لنا، إنما هو انتصار لأمريكا أو لغيرها، وإذا طبقنا النظام الاشتراكي في أرضنا فليس هذا انتصارًا لنا، إنما هو انتصار للاشتراكية الأم - روسيا أو الصين، لكننا ننتصر حقا يوم نطبق الإسلام، لأننا به تعود لنا الثقة بأنفسنا، ونعرف ذواتنا ونصبح مسلمين حقا، ونحن إن شاء الله نقترب من هذا اليوم الذي يعود فيه المسلمون مسلمين كما كانوا، ولا سبيل إلى هذا إلا أن يجتمع العلم والعمل، والنظر والتطبيق، ويجتمع رجال الفقه مع رجال الاقتصاد والمحاسبة والقانون، ويجتمع الحكام والمحكومون، ويعمل الجميع على عودة صحيحة لهذا الدين، بوسطيته واعتداله وتوازنه بعيدًا عن تفريق المفرقين وغلو المغالين، ننفي عن هذا الدين كل زيف، وننفي عنه تحريف المغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وباب الإسلام واسع، والاجتهاد فيه ينقذنا من مصائب الدنيا، وقد فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم باب الاجتهاد في هذا الدين ليحل المسلمون مشاكلهم وما يستجد في حياتهم، فلا يملك أحد أن يغلق هذا الباب، وسيظل الاجتهاد إلى يوم القيامة، نحن نعمل ونجتهد في ضوء شريعتنا وضوء نصوصها وضوء مقاصدها، وفي ضوء الواقع الذي يعيشه المسلمون، ويوم يعود المسلمون إلى الإسلام سنكون أفضل أمة في الأرض دينا ودنيا، ويوم نطبق في مجتمعاتنا الإسلامية فريضة كفريضة الزكاة فلن يوجد في بلادنا الإسلامية محروم ولا جائع!
إن البلاد الإسلامية الآن فيها من يشكو من الجوع ولا يجد القوت، وهناك من يموت من الجوع في بلاد الإسلام، وتستطيع الزكاة أن تؤدي مهمتها وأن تؤتي أكلها، إذا استطعنا أن ننظمها وأن نوعي المسلمين بالترغيب والترهيب وبالتربية الحقيقية، وبالدعوة الحقيقية نستطيع أن نوجد المسلم الحقيقي الذي يرجو الله ويخاف الدار الآخرة.
إنه لابد - في هذا المقام - من التذكير بشيء ذكرت به سابقًا، وهو موضوع في غاية من الأهمية، وهو أن القوى المعادية للإسلام لم تكف ولن تكف عن عداء هذا الدين، وعن تبييت المؤامرات له، إن القوى المعادية للإسلام رصدت ما رصدت لتنصير المسلمين في العالم، فلقد اجتمع المبشرون في ولاية كولورادو في أمريكا سنة (۱۹۷۸م)، وقرروا تنصير المسلمين في العالم، وأنشأوا لذلك معهدًا خاصًا هو معهد «زويمر» لقد سموه زويمر، ليحمل اسم ذلك المبشر العتيد المعروف الذي كان رئيس المبشرين في الشرق الأوسط في أوائل هذا القرن، أما مهمة هذا المعهد فهي أن ينشئ ويكون مبشرين بالنصرانية للعالم الإسلامي فقط.
بعضهم يختص بالتبشير بالبلاد العربية، وآخرون في البلاد الأفريقية، وغيرهم في البلاد الآسيوية، وهذا باللغة السواحلية، وذاك باللغة الفلانية... وهكذا... مبشرون متخصصون، وقد رصدوا (۱۰۰۰) مليون دولار، وبدأوا العمل بالفعل، وقد لمست من كثير مما قرأت لهم آثار عملهم، فهم الآن بدأوا يعملون بكل نشاط، وعلى سبيل المثال هناك في إندونيسيا أكثر من خمسين مطارًا تملكه الإرساليات التبشيرية، وهناك يعمل العاملون حيث يستغلون ضحايا الفقر والجهل والمرض في بلاد شتى للتنصير، أما في بلادنا العربية فلا يهمهم أن ينصروا المسلم، إنهم يكتفون بزعزعة إسلامه بتشكيكه، ولكن في غير المنطقة العربية يعملون على إخراج المسلم من الإسلام بالفعل، وقد نجحوا وينبغي أن نتعظ بهذا.. هل نقف مكتوفي الأيدي؟ لا. إذا كانوا قد رصدوا ألف مليون دولار فنحن نستطيع أن نرصد مثلها وأكثر منها، لقد قلت يوما إن الكويت هنا وحدها لو أخرجت زكاة الأموال التي عندها لاستطعنا أن نخرج «ألف مليون دولار» ولو طلبنا من كل مسلم في العالم أن يدفع دولارًا واحدًا لجمعنا الألف مليون، فالمسلمون الآن مليار أو أكثر من مليار، فلو دفع كل واحد في المتوسط دولارًا واحدًا لجمعنا الألف مليون!
كان اليهود في الأربعينيات يقولون: ادفع دولارًا تقتل عربيًا، ونحن نقول: ادفع دولارًا أو دينارًا تنقذ مسلمًا، نحن لا نريد أن نقتل أحدًا، إنما نريد أن نحمي أنفسنا، حيث لا يمكن لنا أن نستسلم، ولا يمكن أن ندع الإسلام يسقط فريسة أمام القوى التنصيرية أو الشيوعية، نحن مفروض علينا أن ندافع عن أنفسنا، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، نحن قادرون على أن ندفع الكثير وعندنا الأموال، لقد من الله علينا بالغني، الذهب يتدفق في الخزائن هنا وهناك، وهناك أموال بالآلاف والملايين تنفق في غير محلها، ولابد من تحقيق فكرة جمع «الألف مليون» دولار، لا لنوزعها في الحال، ولكن لنستثمرها وننفق من ريعها وإيرادها، على أن يبقى رأس المال سالما، يستطيع المسلمون أن يدفعوا، لقد لقيت هذه الفكرة قبولًا عندما طرحتها فأرسل إلي بعضهم اقتراحا بأن نحصي مليون مسلم من أوساط الناس، وكل واحد من هؤلاء يدفع ألف دولار، ترى ما أكثر القادرين على دفع ألف دولار؟ كلنا نقدر أن ندفع ألف دولار؟ فلو أحصينا مليون مسلم في العالم الإسلامي ليدفع كل واحد ألف دولار ألا نستطيع أن نجمع الألف مليون؟ إن الأموال ليست مشكلة، المشكلة مشكلة الرجال، فحينما يولد الرجال تأتي الأموال، إن المشكلة أنه ليس لنا قيادة ولابد من عمل جماعي، لابد من عمل منظم، ومن هنا دعونا إلى أن تقوم مؤسسة أو هيئة إسلامية خيرية تعمل من أجل هذا الغرض، ولقد قامت الهيئة والحمد لله، وكان لها نظامها الأساسي واسمها «الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية» وقد وضعت النظام الأساسي، وأرسلت عددًا من الشخصيات الإسلامية في العالم الإسلامي، وجاءتها ردود وملاحظات، وعدلت من المشروع وأرسلت نداءها إلى المسلمين في أنحاء العالم، ونأمل- إن شاء الله- أن يلتقي أعضاء هذه الجمعية التأسيسية في وقت قريب، وقد اختير الأستاذ يوسف الحجي ليكون أمينًا عامًا لهذه الهيئة، وقامت لجنة تحضيرية بالتهيئة والإعداد لهذا المشروع العظيم، الذي نرجو أن يكون من المشروعات النافعة في حياة المسلمين المستقبلة إن شاء الله، ونحن نريد من الإخوة أن يكون كل واحد منهم داعية لهذا المشروع ولهذا العمل الإسلامي، فهو ليس مشروع فلان أو فلان، ليس هو مشروعًا للكويت فقط، ولا مشروعًا للخليج.. إنه مشروع الأمة الإسلامية كلها، إنه مشروع الدفاع عن الوجود الإسلامي، ولابد أن نعمل لنزود عن وجودنا وعن كياننا، ونحن قادرون والحمد لله، فإذا صدق العزم وضح السبيل.. وإنها لمسؤولية المسلمين أضعها أمامكم وعلى عاتق كل منكم، فالإسلام لا ينتصر وحده، وإنما ينتصر بالرجال، وقد قال رجل درس الإسلام يوما من الأجانب «يا له من دين لو كان له رجال»، مع أن للمسلمين ألف مليون ولكن من منهم رجال الإسلام وجنود الإسلام ، فكونوا أنتم رجال الإسلام وجنود الإسلام ينتصر ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: 62). نسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين وأن ينصرنا على عدونا، وأن يجمع كلمتنا على الهدى وقلو بنا على التقى ، وأجيالنا على عمل الخير وخير العمل، وأن يجعل يوم المسلمين خيرًا من أمسهم وغدهم خيرًا من يومهم إنه سميع قريب.