العنوان معالم على الطريق.. الدساتير والديمقراطيات الحائرة!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1999
مشاهدات 74
نشر في العدد 1352
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 01-يونيو-1999
وُجِدَت الدساتير في الأمم لضمان حقوقها، وتنظيم شؤونها، وصيانة مبادئها، وحماية مقدساتها وحرياتها، فإذا فقدت الدساتير تلك المميزات، انقلبت عبئًا على الناس، وسيفًا على الرقاب في يد السلطات، هذا وقد عرّف علماء القانون الدستور بقولهم: «هو مجموعة من القواعد المكتوبة وغير المكتوبة التي تحدد مصادر وأهداف وصلاحيات وحدود السلطة السياسية»، ومن هنا فإن الدستور يعد بمثابة الوثيقة الرئيسة التي توضح ملامح القوة الشعبية والاجتماعية والسياسية في المجتمع.
ولقد تعرضت الدساتير في كثير من الأحوال لتصورات عدة سلبًا أو إيجابًا، مدًّا أو جزرًا، حسب رقي الشعوب أو انحطاطها، وتقدمها أو تأخرها، فهناك مثلًا تصور غربي، وتصور شيوعي، وتصور مزاجي.
فأما التصور الغربي الديمقراطي: فالدستور فيه يقيد السلطة للحكومة ويسمح بمراجعة سوء استخدامها؛ فمواد الدستور لا تحدد فقط شكل وتكوين منظمات الحكومة والسلطات الممنوحة لها، وإنما أيضًا تضفي قدسية على بعض القيم مثل الحرية، والمساواة، والعدالة، والحقوق، وهلم جرا، ومن ثم فليس الدستور مجرد غاية يحترمها الجميع، وإنما هو وسيلة لغاية، هي تأمين وحماية حرية الأفراد.
فالتصور الغربي ينشد دولة دستورية تملك جسدًا من القوانين والتقاليد المعترف بها جيدًا لتشغيل الحكومة المحدودة، وبهذا يوجد حكم القانون الذي يضمن المساواة والحرية للجميع، وتوجد حرية التعبير التي تجعل الصحافة والإعلام بمثابة سلطة رابعة، ويوجد المجتمع التعددي الذي يسمح لكل المصالح بشق طريقها إلى السلطة.
وأما التصور الشيوعي فإنه لا ينظر إلى الدستور في البلدان الشيوعية على أنه غاية، أو يؤدي إلى غاية يحترمها الجميع، وإنما هو أداة لتنفيذ أيديولوجية، وأداة في يد دكتاتورية، ملتزمة برغبة معينة؛ فالغرض إذن من وجود الدستور ليس هو تقييد الحكومة، وإنما هو توسيع سلطاتها، وجعلها قادرة على فعل ما تريد، ولا يهدف الدستور إلى حماية وضمان الحريات، والمساواة والحقوق وهلم جرا، وإنما لضمان أن أعداء الاشتراكية قد تم تحطيمهم، وأن النظام قد تآزر هو والدستور على ذلك.
كما يؤكد الدستور على سمو الدولة والحكم والحزب الواحد، حيث تتركز السلطة في يدها، فلا يمكن كما يقول «لينين»: «أن توجد سلطتان في الدولة» سلطة الدستور والقانون، وسلطة الحكومة، والقرارات السياسية، والقوة التنفيذية والتشريعية مركزة في القمة، ولا توجد انتخابات حرة مفتوحة، فهم غير مسؤولين أمام الناخبين أو أمام الشعب، وعلى هذا فالنظام الدستوري عندهم يقوم على ثلاثة أسس: الماركسية، والحزب الواحد، وخضوع أجهزة القرار للدولة والحاكم.
وأما في البلدان النامية التي نتشرف بالانضمام إليها: فإنه من الصعب تحديد معنى دقيق لتصور الدستور، فهي في الغالب ممزقة بين تقليد النظام الغربي، وبين ممارسة النظام الاشتراكي، وإن كان مزاجها ورغبة سلطاتها وممارستها الفعلية والعملية تجنح إلى النظام الماركسي، ولقد حاولت بلدان نامية عديدة وضع دساتير جديدة بعد استقلالها وتحررها ولكنها وضعتها بشكل مضحك ومقزز في بعض الأحيان، إذ أخذت الشكل الغربي، ومارست التنفيذ الماركسي، ووضعت مواد لخدمة الشعب وهدمتها بمواد أخرى مكبلة للحريات ومقيدة للتعبير والإعلام، ومبددة للقيم، ومفسحة المجال لفساد السلطة ودكتاتوريتها، وهذا هو ما أدى إلى فشل تلك الدول في التوازن مع نفسها وشعبها، وجعلها تدور في صراعات ألهتها عن طموحاتها وتقدمها، وكثيرًا ما أدى هذا الفشل الدستوري إلى ظهور الحكم العسكري الذي يعد تعبيرَا عن انهيار الدستورية في الأمة.
فقد تجد بلدا ما مثلًا يقرر التعددية السياسية، ولا يسمح بالمعارضة أو تبادل السلطات، أو المشاركة في الحكم، أو المنافسة السياسية، ويعيش فعليًّا بالحزب الواحد، بل بالحاكم الواحد بدون حزب، والحزب الواحد قد حل في الحاكم، وأصبح دوره التصفيق وإطلاق البخور والزغاريد، أو تجد في الدستور أن دين الدولة هو الإسلام، ولا يسمح بحزب إسلامي، أو بإقامة الشعائر أو حتى بستر العورة، وما حكاية «مروة» التركية التي أرادت أن تستر عورتها بالحجاب، ففعل هذا في أنظمة الدولة الأفاعيل، وكان نصيبها الطرد من مجلس الأمة، بل ونزع الجنسية عنها، وصفّق الدستور كثيرًا، وأطلقت المؤسسة الدستورية والعسكرية الحاكمة البخور، وأقامت الأفراح والليالي الملاح، وقد رأينا هذا في بلدان إسلامية عدة.
وقد رأينا من الدساتير ما يقتل الحريات، وغالبًا ما تسيطر الحكومة على الإعلام، والقضاء، والانتخابات في ظل دساتير تبيح ذلك وتكرسه، وقد رأينا الدساتير الهزيلة أو قل الهزلية تسيطر عليها نكبات وكوارث كثيرة، منها:
أولًا: إقامة الحروب لأوهى الأسباب وبدون مشاورة الأمة في قتل أبنائها وإهدار ثرواتها.
ثانيًا: الطوارئ، والقوانين سيئة السمعة، فقد تعيش الأمة في طوارئ آمادًا لا يعلم منتهاها أحد إلا الله، وتدّعي الحكومات أسبابًا واهية، وتخترع عدوًا وهميًّا من الشعب الذي كلفت بحمايته وإسعاده، والدفاع عنه، لمد قوانين الطوارئ، وإلغاء الدستور، وتعطيل القانون، وسحق الحريات، وفي حالات الطوارئ هذه ترتكب الجرائم العديدة، مثل اعتقال القيادات وتأديب المعارضين، ونهب الأموال، وفرض الرقابة على الإعلام والمطبوعات، وتعليق أعمال الحقوق الأساسية.
ثالثًا: ونتيجة لذلك لا بد أن يكون هناك تدهور اجتماعي تتحمله الأمة، ولا يضار به الحاكم، مثل المجاعات والأمراض، والفقر والتشرد، وهلم جرا.
رابعًا: الانعزال عن الشعب والانفصال عن الأمة، فلا بد والحالة هذه أن تنعزل القيادات عن الشعوب، وتحظى بكراهيتها، فتتلقفها القوى الأجنبية وتحميها، وتعضضها لتنال بها كل ما تريد، وتفعل بها ما تشاء.
ولهذا يجب على أمم العالم الثالث أن تحدد وجهتها وتنظر في أمرها حتى لا تظل في خداع ووهم، هل هي تعيش فعلًا بدساتير أم بأهواء؟ وإذا كانت تعيش بدساتير، هل هي دساتير شيوعية؟ وقد انتهت الشيوعية، ولكننا يظهر أننا ما زلنا نعيشها، وننفذها على أرض الواقع، ولكن الغريب في الأمر أن الغرب على الرغم من هدمه للشيوعية ومحاربته لها، يرضاها لنا حكمًا ودستورًا ونظامًا وأخلاقًا وأسلوب حياة، والأغرب من ذلك كله أن نرضاها لأنفسنا ولا نرضى بالإسلام لنا حكمًا أو تعاليم أو دستورًا.. وهل سيستمر ذلك؟ لا أظن.. لا أظن!!.