العنوان منهجية تفسير التاريخ
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2008
مشاهدات 57
نشر في العدد 1799
نشر في الصفحة 42
السبت 26-أبريل-2008
التاريخ الإسلامي
- الانحلال الأخلاقي والترف.. أديا إلى انهيار حضارة الإغريق والرومان
- التفسير الإسلامي بشموله وجديته وصدقه وواقعيته لا يغفل أثر العناصر المادية، ولكنه يعطيها مكانها الذي تستحقه دون مبالغة
إن الأخذ بالتفسير الإسلامي للتاريخ، ليس فقط يعرف الطريق وخطواته وطبيعته فيسير فيه آمنًا؛ بل كذلك يقوم مسيرته ويجعلها محافظة على السبيل آمنة مطمئنة.
منهج الإسلام وحده هو الذي يقدم ويعرف الواقع الإنساني والكون بشكله السليم، وبذلك يدرك صاحبه هزال المناهج الأخرى وتهافتها؛ بل ويستغرب كيف تؤخذ وتعتمد، وهي بهذه السطحية والتخلف والبدائية؟ وأغرب من ذلك كيف سرت وارتضيت؟! إنه تيار غامر جارف غالب!! فمتى يقف ليعتبر؟ وإن التيار المتفلت يهون ويلهي ويغري عن النظر لكثير من الناس، إلا بإرادة واستقلالية وتحرر من كل الرسوبات الموروثة.
فمثلًا: كيف يفسر الماديون التحول التاريخي عديم النظير الذي جرى بالإسلام في الجزيرة العربية وبقية بقاع العالم من بعد، وبهذه السرعة والمدة القصيرة، نحو ربع قرن؟ ومن أي تغيير اقتصادي حدث قاد إليه؟ فإنه على الرغم من وضوح أهمية العنصر المادي للحياة الإنسانية في المنهج الإسلامي فهو لا يغفله.
كما لا يغفل غيره بل -بشموله وجديته وصدقه وواقعيته- يعطيه الأهمية التي تناسب وزنه ولا يغفل ما عداه، مما قد يكون أثقل وزنًا وأبعد أثرًا وأقوم بناء، كالعقيدة ومنهجها، والأخلاق السديدة والإيمان بها.
بين التفسير المادي والإسلامي: وأمامنا في التاريخ القريب -نسبيًا- الشواهد الكافية على فعل الانحلال الأخلاقي، واتخاذ المرأة فتنة وزينة والترف والرخاوة، والتلهي بالنعيم... أمامنا الشواهد الكافية من فعل هذا كله في انهيار الإغريق والرومان - وقد صاروا أحاديث -وفي الانهيار الذي تتجلى أوائله وتلوح نهايته في الأفق في أمم معاصرة- ک «فرنسا»، و«إنجلترا»، كذلك - على الرغم من القوة الظاهرة والثراء العريض.
إن التفسير المادي للتاريخ يحذف هذا الجانب حذفًا باتًا من تفسيره الأطوار الأمم وأحداث التاريخ؛ ذلك أن وجهته ابتداءً هي استبعاد العنصر الأخلاقي من الحياة، واستبعاد القاعدة الاعتقادية التي يقوم عليها... ولكن هذا التفسير يضطر إلى مماحكات مضحكة في تفسير أحداث وأطوار في حياة البشرية، لا سبيل إلى تفسيرها إلا على أساس القاعدة الاعتقادية.
والتفسير الإسلامي -بشموله وجديته وصدقه وواقعيته- لا يغفل أثر العناصر المادية، التي يجعلها التفسير المادي هي كل شيء، ولكنه يعطيها مكانها الذي تستحقه في رقعة الحياة العريضة، ويبرز العناصر الفعالة الأخرى التي لا ينكرها إلا أصحاب العناد الصفيق لواقعيات الوجود... يبرز قدر الله من وراء كل شيء، ويبرز التغير الداخلي في الضمائر والمشاعر والعقائد والتصورات، ويبرز السلوك الواقعي والعنصر الأخلاقي.... ولا يغفل عاملًا واحدًا من العوامل التي تجري بها سنة الله في الحياة... ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: 11) (1)
وعي ومعرفة
والسير في الأرض للاستطلاع والتدبر والاعتبار، ولمعرفة سنن الله مرتسمة في الأحداث والوقائع، مسجلة في الآثار الشاخصة وفي التاريخ المروي في الأحاديث المتداولة حول هذه الآثار في أرضها وقومها... السير على هذا النحو لمثل هذا الهدف، وبمثل هذا الوعي... أمور كلها كانت جديدة على العرب، تصور مدى النقلة التي كان المنهج الإسلامي الرباني ينقلهم إليها من جاهليتهم إلى هذا المستوى من الوعي، والفكر، والنظر، والمعرفة.
لقد كانوا يسيرون في الأرض، ويتنقلون في أرجائها للتجارة والعيش وما يتعلق بالعيش من صيد ورعي... أما أن يسيروا وفق منهج معرفي تربوي... فهذا كان جديدًا عليهم. وكان هذا المنهج الجديد يأخذهم به، وهو يأخذ بأيديهم من سفح الجاهلية في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة التي بلغوا إليها في النهاية.
قواعد منهجية
ولقد كان تفسير التاريخ الإنساني وفق قواعد منهجية كهذه التي كان القرآن يوجه إليها العرب، ووفق سنن مطردة تتحقق أثارها كلما تحققت أسبابها - بإذن الله - ويستطيع الناس ملاحظتها وبناء تصوراتهم للمقدمات والنتائج عليها، ومعرفة مراحلها وأطوارها.... كان هذا المنهج برمته في تفسير التاريخ شيئًا جديدًا على العقل البشري كله في ذلك الزمان؛ إذ كان قصارى ما يروى من التاريخ وما يدون من الأخبار، مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس، لا يربط بينها منهج تحليلي أو تكويني يحدد الترابط بين الأحداث، كما يحدد الترابط بين المقدمات والنتائج، وبين المراحل والأطوار..... فجاء المنهج القرآني ينقل البشرية إلى هذا الأفق، ويشرع لهم منهج النظر في أحداث التاريخ الإنساني، وهذا المنهج ليس مرحلة في طرائق الفكر والمعرفة؛ إنما هو المنهج الذي يملك وحده إعطاء التفسير الصحيح للتاريخ الإنساني.
والذين يأخذهم الدهش والعجب للنقلة الهائلة التي انتقل إليها العرب في خلال ربع قرن من الزمان على عهد الرسالة المحمدية، وهي فترة لا تكفي إطلاقًا لحدوث تطور فجائي في الأوضاع الاقتصادية، سيرتفع عنهم الدهش ويزول العجب. لو أنهم حولوا انتباههم من البحث في العوامل الاقتصادية ليبحثوا عن السر في هذا المنهج الرباني الجديد الذي جاءهم به محمد ﷺ من عند الله العليم الخبير... ففي هذا المنهج تكمن المعجزة، وفي هذا المنهج يكمن السر الذي يبحثون عنه طويلًا عند الإله الزائف الذي أقامته المادية حديثًا... إله الاقتصاد....
وإلا فأين هو التحول الاقتصادي المفاجئ في الجزيرة العربية، الذي ينشأ من التصورات الاعتقادية ونظام الحكم ومناهج الفكر وقيم الأخلاق وأماد المعرفة وأوضاع المجتمع، كل هذا الذي نشأ في ربع قرن من الزمان؟!
إن هذه اللفتة ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: 11). إلى جانب اللفتة التي جاءت في صدر هذه الموجة من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (الأنعام: 6) (2)
إلى جانب أمثالها في هذه السورة، وفي القرآن كله لتؤلّف جانبًا من منهج جديد جدة كاملة على الفكر البشري، وهو منهج باق، ومنهج كذلك فريد. (3)
التبصرة بالمنهج السليم
وهؤلاء الذين يقودون البشرية، سواء بسلطانهم أو بطغيانهم أو بأفكارهم، نحو الهاوية لتنفق وتتعلق جيلًا أو أجيالًا، ثم يكتشفون أنهم في وهم وسراب، ذلك الذي كانوا فيه، بعد أن أتعبوا البشرية وأرهقوها، سيأتي يوم يلعنون فيه حين يتبين لهم بطلائها -وقد بدأت- مثلما يأتي يوم سينظرون إلى كثير من أفكار عصرنا هذا أوثانًا في الغد «لعله غير بعيد» إن شاء الله تعالى. لكن لابد من منهج سليم يبصرهم (4).
لم بادت واندثرت دول وحضارات وفشلت أخرى (5)؟ ابتداءً من اليونانية والرومانية ثم الأوروبية المسيحية، بادت لمجافاتها السنن الربانية بانحرافها الفكري والخلقي والعقيدي، فابتعدت عن الله فهي تكرر اليوم -وباتساع- السير في الطريق الذي أودى بتلك الأمم، إلا أنها نظرت هذا الانحراف، وأوجبته وجعلته هو الطبيعي، بتلك النظريات التي مررت وبررت وحررت كل ذلك وزينته، وجعلت ما عداه تخلفًا.... ولم تستفد مما جاء به الإسلام والذي به وحده كان تقدمها العلمي - يوم اقتبست علومه البحتة Sciences ولكن فاتها، عامدة شاردة متأبية الأخذ بمنهجه القويم الذي أنزله الله تعالى؛ لارتقاء الإنسان وحمايته من كل سقوط وتحقيق إنسانيته باتباع وتحكيم شرعه، طاعة وعبودية والتزامًا. وهو المنهج الذي كان منذ أنزله الله - وحتى اليوم - جديدًا وغريبًا وحقيقًا لأول مرة، تكمن فيه كل المعجزات رأت العين بعضها، بشكل ما قريبًا شبيهًا، أليس كل ذلك دليلًا على أن الإسلام من عند الله. وهو دينه الخالد والمنقذ الوحيد للإنسانية، لا تعرف الهداية والاستقامة إلا به حتى يرث الله الأرض ومن عليها؟ وقد سعدت الإنسانية يوم التزمت به مرة، وستعود إن شاء الله لذلك الاهتداء والاستقامة والسعادة.
الهوامش
(1) انظر في ظلال القرآن ۲ / ۱۰۳۸: ١٠٤٦.
ونظرات في دراسة التاريخ الإسلامي، ۸۱ - ۳۸
(۲) في ظلال القرآن، ۱۰۳۸/۲
(۳) في ظلال القرآن ٢ ١٠٢٨، ١٠١٥ - ٠٦٤٠١
(4) في ظلال القرآن، ٢/ ١٠٤٦.
(5) في ظلال القرآن، ٩٤٧/٢ - ٩٥١